سورة القارعة
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2014/06/05
القراءات: 2649

(بسم الله الرحمن الرحيم)

الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)

[هذه الأسئلة طرحناها، فوجدنا إجابتها في موسوعة تفسير «من هدى القرآن» لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي «دام ظله الشريف» وتعميماً للفائدة ننشر، في كل عدد، مجموعة من الأسئلة مع أجوبتها المستوحاة من الموسوعة المذكورة مباشرة]

- أين نزلت سورة القارعة المباركة؟ ومتى؟ وكم عدد آياتها؟ وما هو ترتيبها النزولي ؟ وما هو ترتيبها في القرآن الكريم؟

 

  سورة القارعة المباركة مكية، نزلت بعد سورة قريش. عدد آياتها (11)، ترتيب نزولها (29)، وترتيبها في القرآن الكريم (101).

 

* فضل السورة

-  ما فضل هذه السورة المباركة؟

 

 فضل هذه السورة المباركة كثير، نذكر - في ما يلي - روايتين في فضلها :

فعن الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، أنه قال :

«مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْقَارِعَةِ، ثَقَّلَ‏ اللَّهُ‏ بِهَا مِيزَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَمَنْ قَرَأَهَا عِنْدَ النَّوْمِ، كُفِي»‏.(1)

وفـــي كتـاب ثواب الأعمال للصدوق بإسناده عن أبي جعفر، عليه السلام، قال:

«مَنْ قَرَأَ وَأَكْثَرَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقَارِعَةِ، آمَنَهُ اللَّهُ- عزَّ وَجَلَّ - مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَمِنْ قَيْحِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»(2)

 

* الاطار العام للسورة

- ما هو الإطار العام لهذه السورة المباركة؟

 

  خلق الله كل شيء بمقدار. كل ما حولك موزون بدقة؛ فهل يُسمح للإنسان أن يعبث بحياته بلا نظام ولا حساب ؟! كلا؛ إن حياته - هي الأخرى - محسوبة عليه . كل وسوسة وفكرة وعزم، وكل كلمة وكل حركة مسجلة عليه، وعليه أن يزيد من صالح أعمالــه ما يثقل ميزانه؛ وإلا فإن مصيره الى نار حامية، متى ؟ عندما تُقْرَع ساعة القيامة، وعندها يكون الناس كالفَرَاش المبثوث، وكالجراد المنتشر، وتكون الجبال كما الصوف المنفوش؛ وهذا هو الإطار لهذه السورة المباركة.

 

* ما القارعة؟

-  في ثلاث آيات قصيرات هي مطلع هذه السورة المباركة، تكرر لفظ ﴿القارعة، لماذا؟

 

 ساعة القيامة هي الساعة التي تُقرع الخلائقُ بأهوالها. وتقول العرب : قرعتهم القارعة، إذا نزل بهم أمر فظيع.

وكل داهية قارعة؛ ولكن قارعة الساعة أمر عظيم، لا يبلغ وعي الانسان مدى فظاعتها؛ وتلك هي ﴿القارعة.

وأنى كانت عظمتها؛ فعلينا ان نقترب من وعيها؛ لأننا، بذلك، نستطيع مقاومة الغفلة والجهالة والفوضى في أنفسنا؛ وذلك قوله تعالى:

﴿مَا الْقَارِعَةُ، وهو استفهام للتهويل.

ان النفس البشرية شديدة الميل الى الانفلات والتحلل والفوضى لولا قرعها بنصائح الآخرة وما فيها من أهوال تجعل الولدان شيبا، ولذلك جاءت آيات الذكر شديدة الإنذار، بالغة التحذير؛ لعلنا نعقل ان نسمع، ونوقظ عقولنا من السبات العميق؛ وذلك قوله تعالى:

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ما لهولها.

 

* الفراش المبثوث

- في قوله تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} ما الفراش المبثوث؟ ولماذا هذا الوصف؟

 

  الألقاب، والأسماء العريضة، والمفاخر، والأمجاد التي نخدع أنفسنا بها اليوم تتلاشى ذلك اليوم، ويحشر عشرات الألوف من بلايين البشر كما الهمج الطائر، الذي يكثر أيام الصيف؛ فتراه كالسحابة من شدة تراكمها فوق بعضها، أو الجراد الكثيف الذي يتداخل في بعضه كأنه غبار كثيف؛ فما قيمة بعوضة في الهمج ؟! أو جرادة في سيل الجراد؟! أنا وأنت نصبح هكذا بين من يحشر من أبناء آدم، عليه السلام؛ منذ كان آدم، عليه السلام، والى قيام الساعة.

قالـــوا: الفــَـراش: الطيــر الذي يتساقط في النار، أو الفراشات التي تُهافت في السراج؛ وقيل: كل همج طائر يسمـــى فَراشا، ومنه الجراد. وقالوا: المبثوث المنتشـر المتفرق.

وروي عن رسول الله، صلى الله عليه وآله،‌أنه قال:

«مَثَلي ومَثَلُكم كمَثَل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجركم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي»(3)

إنها حالات مختلفة ومتدرجة في ذلك اليوم؛ يذكرنا السياق بواحدة منها؛ كما سبق في آيات مشابهة.

 

* حَسُنت عيشته

- كيف ولماذا تكون الجبال كالعهن المنفوش؟

 

  أكثر ما في الدنيا وَهْم، ويتلاشى الوَهْم في الآخرة؛ بل حتى حقائق الدنيا تتلاشى يومئذ، فترى الجبال التي تحسبها قوة ثابتة كما الصوف المتفرق، تحركها الرياح، وتكون "كالعهن المنفوش"؛ قالوا: أي الصوف الذي يُنْفَش(4) باليد؛ أي نُعيدها هباءً. ويبدو أن للجبال حالات مختلفة ومتدرجة في ذلك اليوم؛ يذكرنا السياق بواحدة منها؛ كما سبق في آيات مشابهة.

بلى؛ ينتفع الانسان، يومئذ، بشيء واحد، يعطيه قيمة بين الناس، إنه عمله الصالح الذي لو رجحت كفته في الميزان، حسنت عيشته.

 

* من ثَقُلت موازينه

- في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } ما ثِقَل الميزان؟ وما العيشة الراضية؟

 

  يبدو أن الموازين تعني الأفعال التي توزن وليست ذات الكفتين واللسان(5)، وقال بعضهم: الموازين: الحُجج؛ والحجة هو الامام الناطق، الذي جسد قيم الوحي في حياته، وكان حُجة على عباد الله.

وإذا كانت عاقبةُ انسان رهينةَ رجحان حسناته، وإذا كان حتى مثقال ذرة من أفعاله محسوبة له أو عليه؛ فينبغي ألا يُقَصِّر الانسان فيها؛ فلعل حسنة واحدة ترجح كفة الحسنات، وتجعلك من أهل الجنة؛ حيث العيشة التي ترضاها، وذلك قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ.

وحين تكون العيشة راضية، فان كل جوانب حياتك تجلب رضاك وتكون في مستوى طموحك. وقالوا: معناها عيشة مرضيةً(6)، وقيل: بل عيشة لينة منقادة.

 

* ومن خفَّت موازينه

- في قوله تعالى:

{وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}. كيف تخف الموازين؟ وما الهاوية؟

  الويل لمن أضاع فرصة العمر، وقَصَّر في استغلال فرص الخير، واستهان بالذنوب حتى تراكمت في ميزانه، واستخف بالحسنات حتى خفت موازينها عنده؛ فيكون مصيره الهاوية؛ وهو الجحيم.

قالوا: الأم ما يأوي اليه الانسان، كما يأوي الى الأم(7)، لكن يبدو أن كلمة الأم  من أَمَّ؛ أي: قصد. والأم هو المقصد يعيد(8) اليه الانسان باختياره. وقيل الأم: هـــي أم الرأس، من قولهم: سقط على أمِّ رأسه(9). وقالوا عن الهاوية: انها المهواة، أو الوادي بين جبلين؛ لأن قعر جهنم بعيد، قد يهوون فيها مئات السنين.

 

* نار حامية

- كل نار حامية، فلماذا وصف نار جهنّم بأنها: "نار حامية"؟

 

  أَوَ تدري ما الهاوية؟ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ(10) انها ليست مجرد مهواة يسقط الانسان فيها فيموت، وينتهي كل شيء، كلا؛ إنها النار المشتعلة؛ إنها "نار حامية"؛ أي: إنها شديدة الحرارة(11)، حتى أن نار الدنيا جزء من سبعين جزءًا منها؛ نستجير بالله منها.

--------------

(1) التفسير الهادي، نقلا عن جامع الأخبار، ج2، ص510.

(2) تفسير نور الثقلين، ج5، ص658.

(3) تفسير القرطبي، ج20، ص165.

(4) النفش: تشعيث الشيء بأصابعك حتى ينتشر.

(5) فيكون المراد: الموزون؛ لا ما يوزن به. وعليه؛ يكون معنى قوله تعالى: ﴿ثقلت موازينه؛ أي: كثرت حسناته، ومعنى قوله تعالى: ﴿خفت موازينه؛ أي: قلت حسناته.

(6) بمعنى راضية؛ فالفاعل جاء بمعنى المفعول؛ لأن معناه: ذو رضى؛ كقولهم: نائل؛ أي: ذو نيل.

(7) في قواميس اللغة: الأم: الوالدة، وامرأة الرجل المسنة، والمسكن، وخادم القوم.

(8) هكذا في الأصل؛ ولعل هناك تصحيفاً؛ والصحيح: الذي يعود.

(9) لأنه يطرح في جهنّم منكوسا.

(10) الهاء في ﴿ما هيه هاء الاستراحة ؛ والأصل: ما هي. ونظيره قوله تعالى: ﴿ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه؛ والأصل: ما أغنى عني مالي. هلك عني سلطاني.

(11) في قواميس اللغة: الشمس والنار حميتا؛ أي: اشتدّ حرّهما.


ارسل لصديق