لنكن من (عباد الرحمن)
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2014/06/05
القراءات: 1051

يعيش المؤمنون هذه الايام، أجواءً معنوية عظيمة في ظل أيام عظيمة من أشهر مباركة؛ رجب المرجب وشعبان المعظم، ورمضان المبارك. لذا نلاحظ السعي من كل واحدٍ منهم للسمو والتكامل في طريق العبودية لله، والارتقاء بمستوى إيمانه ومقامه عند الله - سبحانه وتعالى-، وبما أن هذ الأشهر العظيمة، هي أشهر العبادة والتقرب والإنابة، كان جديراً بنا أن نسلط الضوء على مفردة «عباد الرحمن» التي جاءت في القرآن الكريم مرتين: الاولى في «سورة الفرقان»، {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً}، (الآية63)، والاخرى في «سورة الزخرف»،{وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}،(الآية 19)، ونرجو أن تعيننا للوصول الى هذه المرتبة السامية من التقرب الى الله - تعالى-.

هنالك حقيقة لا يختلف عليها اثنان؛ أن الانتساب الى أي تجمع سياسي اجتماعي، فإنك بحاجة الى توفير الشروط اللازمة، فهذا الانتساب يلزمك بالتقيّد بجملة من الضوابط والقرارات، فاذا كان الانتساب الى التجمعات والكيانات المتشكلة على يد الانسان، بهذا الحجم والدقة في الالتزام تحقيقاً لنجاح العلاقة معها، فكيف بمن اراد الانتساب الى أرقى جماعة و أفضلها، وهم «عباد الرحمن» ؟

ولما كان القرآن كتاباً يدلنا على الله - سبحانه- ويهدينا اليه، راح يبيّن شروط الانتساب الى هذا التجمع المبارك وشروط المنتسبين اليه، ومن اراد ان يكون منهم، عليه ان يدرس هذه الشروط بعناية، ليطبقها بدقة. ولكن قبل كل شيء، علينا ان نعرف معنى العبادة التي تشكل الدعامة الرئيسية لعباد الله، حيث صاروا عباداً بعبوديتهم وعبادتهم، فما هي العبادة؟

تنطلق العبادة من منطلق الايمان الخالص بالله - سبحانه وتعالى - والخضوع التام له، والاستعداد النفسي المسبق للاتمار بأوامــــــره والانزجار عن نواهيه. ومن هنا، فإن العبادة هي شعورٌ داخلي ونيةٌ قلبية قبل ان تكون حركات تظهر على جوارح المرء.

كما ان عبادة الله لا تعني مجرد التسليم النفسي له، بل ويجب التعبير عن صدق هذا التسليم عملياً في صورة الكفر بالطاغوت، والتمرّد على أي حكم ظالم يتخذ من القوة أداة للسيطرة والقهر، وبالتالي التمرد ضد كل حكم غير شرعي.

إن أنبياء الله، عليهم السلام، كانوا يهدفون تغيير النظام السياسي في المجتمع، من نظام شركي قائم على أساس الحاكم والمحكوم، إلى نظام توحيدي يقوم على أساس رفض الحاكميات جميعاً سوى‏ حاكمية الله الحي القيوم، ولذلك نجد آيات «سورة الاعراف»، كقوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظيم}‏) ( سورة الاعراف/ 59)

 وكذلك الآيات ( 65، 73، 85 ) من نفس السورة والآيات ( 50، 61، 84) من سورة هود، تحدثت عن رسالات الله و أكدت قبل كل شي‏ء ضرورة رفض الآلهة التي تعبد من دون الله، والذي يعني: رفض الحاكميات البشرية والتسليم لحاكمية الله وعبادته سبحانه.

فالعبادة اذن، هي الاستجابة التامة لأوامر الله تبارك وتعالى على جميع الصعد، بدءاً من الصعيد الشخصي المتمثل بالالتزام بالفرائض والنوافل، ووصولاً الى الجانب الاجتماعي المتمثل بالكفر بكل مظهرٍ لمظاهر الشرك بالله سبحانه وتعالى، ولا فرق بين ان يكون ذلك في حالات السرّاء او الضرّاء، والا فإن العبادة «على حرف» مذمومة بنص القرآن الكريم، حيث يقول ربنا عن اولئك الذين عبدوا الله على حرف: {وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى‏ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبين‏} (سورة الحج / 11)

ومن أبرز ثمار عبادة الله سبحانه والاتصال به، انها عصمة للإنسان لئلا يقع في حبائل الشيطان. إن عبادة الله هدى في البصيرة، وقوة في الإرادة، وغوث في الكربة والذين يكفرون بالله ولا يتمسكون بحبله فإن الشيطان يضلهم بغروره ويرهبهم بجيشه، ويشاركهم في الأموال والأولاد، قال تعالى: {إِنَّ عِبادي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ وَكيلا}. (سورة الاسراء /65)

ولابد للمؤمن أن يديم العبادة لله‏ {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} فلا أجل للعبادة الا لقاء الله.

 

* صفات عباد الرحمن

وبعد ان عرفنا معنى العبادة، لنا ان نبحث عن صفات عباد الله المخلصين، وشروط الانتساب اليهم . وسنجد ضالتنا في آيات سورة الفرقان، حيث خصصت بعض آياتها للحديث عن صفات عباد الرحمن المتجلية في سلوكهم العملي، وفيما يلي ذكر تلك الصفات باختصار شديد:

اولاً: التواضع :

{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً}.

علاقتهم مع الطبيعة والناس علاقة الرحمة، لأنهم عباد الرحمن- ولا غرابة- فقد انعكس اسم الرحمن الإلهي على شخصيتهم فصيغت بقالب هذا الإسلام المقدس، وهذا ما يدعوهم للسير هونا على الأرض، مشية متواضعة لا كمشية المتكبرين على العباد والمفسدين في الأرض، لذلك جاء في الحديث في تفسير الآية عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: «يَمْشِي بِسَجِيَّتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا لَا يَتَكَلَّفُ وَلَا يَتَبَخْتَرُ» .

هذا بالنسبة للأرض، أما بالنسبة للمجتمع فإن علاقتهم علاقة رفق مع الآخرين، وينعكس ذلك أيضاً على مواقفهم الاجتماعية والسياسية، فلأنها نابعة من فطرتهم النقية التي ترفض التكلف والتبختر فإنها مشية معتدلة. لا تظاهر فيها ولا صخب. جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام عن سلام قال: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً قَالَ عليه السلام:«هُمُ الْأَوْصِيَاءُ مِنْ مَخَافَةِ عَدُوِّهِمْ» .

ثانياً: الرفق‏

 {وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً}.

لأن علاقتهم علاقة السلام والأمن فإنهم يجيبون الجاهلين- ممن يخاطبونهم بالجهل- بقولهم: سلاما.

ثالثاً: قيام الليل

 {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً}.

عندما تتجلى آيات الرحمن أمام ناظري المؤمن، وتنعكس على سلوكه فتصوغ شخصيته، آنئذ لا يستطيع النوم ليلا بل «تتجافى جنوبهم عن المضاجع».

رابعاً: التقوى :

{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ‏ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} (سورة الفرقان / 65)

إن شهيق جهنم وزفيرها لا يعزب عن بالهم طرفة عين أبدا، بل تتجسد صور النار أمام أعينهم في كل لحظة، فيقول أحدهم: إلهي اصرف عني عذاب جهنم، وكأنه يرى نفسه ينصلي فيه.

خامساً: الاقتصاد في المعيشة

{َالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}.

إنفاقهم ليس بدافع الترف والشهوة، أو الرياء والسمعة، وإنما بدافع الإيمان والعقل و الإرادة، فلم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما. فبين هذا وذاك ينفقون وباعتدال ما يقيمون به حياتهم وحياة الآخرين.

سادساً: لا يشهدون الزور

﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ  (سورة الفرقان/72)

إن عباد الرحمن لا يشهدون بالباطل زورا، ومن جانب آخر لا يطلقون الكلمة إلا في وقتها ومحلها المناسب.

سابعاً: يمرون باللغو كراما

﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (سورة الفــــــــــــــرقان /72)

 فلا يتشدقون بالكلام الخاطئ أو غير الهادف، وكذلك لا يشاركون في اجتماعات اللهو واللعب، لأن وقتهم أثمن من ذلك، ولعلمهم أن الحياة فرصة لا تتكرر، فلابد من استغلالها، بسنينها وأيامها وساعاتها ودقائقها، كل ذلك اتقاء ليوم الندامة على التفريط في فرصة العمر.

وهم يمرون كراما على اللغو لأنهم يشعرون أنهم أكرم من اللغو، فكرامتهم وشرفهم يدعوهم لتجنب مجالس اللهو.

ثامناً: البصيرة والوعي‏

{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} (سورة الفرقان 73).

البصيرة من الصفات البارزة لعباد الرحمن. إذ يتفكرون في آيات الله التي تتلى عليهم بحثا عن الحقيقة، وطمعاً في البصيرة، متأملين في شؤون الحياة على ضوئها، عاكفين على استنباط الأنظمة والتشريعات الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، والتربوية وغيرها منها، علما منهم بأن من أنزل الآيات هو الذي خلق الحياة، وسن فيها القوانين والأنظمة.

ثامناً: الطموح الكبير

{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} ( سورة الفرقان / 74).

إن العلاقة بين طلب الأزواج والذرية الصالحة، وبين طلب الإمامة والقيادة لدى عباد الرحمن، تتجلى في طموحهم نحو امتداد رسالتهم في ذريتهم وأيضاً في من يلتقون بهم من الناس، فيصبحون قدوة للمتقين، و المتقون- بدورهم- طليعة المجتمع، فهم يطمحون أن يكونوا قدوة الطليعة وليس الطليعة فحسب. 

--------------

(1) بحار الأنوار: ج 24، ص 132.

(2) الكافي: ج 1، ص 427.

(3) من هدى القرآن : ج6، ص 152

(4) من هدى القرآن : ج6، ص 162.


ارسل لصديق