الاستغفار يضمن الخير.. قوم «نوح» مثالاً
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2014/06/05
القراءات: 1048

يروي لنا القرآن الكريم أن قوم نوح،عليه السلام، طغوا في الأرض، فضيق الله عليهم حياتهم بأن قطع عنهم المطر وشحت الأنهار وجفت الأراضي الزراعية، فاصبحوا مهددين بالموت جوعاً، بيد أن نبيهم لم يتركهم وشأنهم، إنما جاء بالبديل والسبيل للخروج من الأزمة، ألا وهو «الاستغفار»، فجاءت الآية الكريمة على لسان نبيهم: { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} (سورة نوح /10-13)

 

* معنى الاستغفار

«استغفر»: فعل من استغفر، يستغفر، استغـــــــــــــــــفارا، كقولك: «استغفر الله ذنبه»، أي طلب منه أن يغفر له كما في قوله تعالى:

{وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ}. (سورة يوسف/ ٩٨) والاستغفار‏: هو طلب المغفرة والعفو من الله، أي أكثر من الندم و الاستغفار والتوبة .

والاستغفار ليس بلقلقة لسان كما هو الشائع عند البعض من الناس، والاكتفاء بحركة اللسان دون ان يكون هناك تأثير على السلوك، مثل قوله:

«استغفر الله وأتوب إليه»، فلو كررها ألف مرة لم يكن يؤثر عليه بشيء، إلا أن يكون قد عزم في القلب و الجوارح بالندم مما صدر من الذنوب، ثم القرار على عدم تكرارها بشكل نهائي، وفي ذلك يقول: أمير المؤمنين، عليه السلام، «إن التوبة تجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، وردّ المظالم واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية، وأن يذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي». (1)

لذا فالاستغفار، شعور داخلي عند الإنسان بالندم على فعل المعاصي وعدم العودة إليها واتخاذ القرار الصارم بتركها، والذي يصل إلى هذه المرحلة، يضع قدميه على أول درجة من درجات العابدين، ووصولاً إلى معنى هذه الحقيقة، فقد سأل كميل بن زياد أمير المؤمنين،عليه السلام، قائلاً: "يا أمير المؤمنين".

العبد يصيب الذنب، فيستغفر الله منه. فما حدُ الاستغفار؟ قال: يا بن زياد، التوبة.

قلت: بس. ؟ قال: كلا، قلت: فكيف.؟ قال: إن العبد إذا أصاب ذنبا يقول: أستغفر الله بالتحريك. قلت: وما التحريك؟.. قال: الشفتان واللسان، يريد أن يتبع ذلك بالحقيقة.. قلت: وما الحقيقة؟ قال: تصديق في القلب، وإضمار أن لا يعود إلى الذنب الذي استغفر منه.. قال كميل: فإذا فعلت ذلك، فأنا من المستغفرين قال: لا، قال كميل: فكيف ذاك؟ قال: لأنك لم تبلغ إلى الأصل بعد! قال كميل: فأصل الاستغفار ما هو؟ قال: الرجوع إلى التوبة من الذنب الذي استغفرت منه، وهي أول درجة العابدين.

 

* سبب نزول الآية

كان نوح،عليه السلام، يدعو قومه إلى الإيمان بالله وآياته وكان يندبهم ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، فكلما زاد في دعائهم زادوا في كفرهم وعنادهم، حتى لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلما طالت دعوتهم وزاد إصرارهم على معصيته - عز وجل- حبس الله عنهم المطر أربعين سنة وأعقم أرحام نسائهم وكان في ذلك، إنذار سابق كما في الآية المباركة من «سورة الأعراف» قال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}، (سورة الأعراف /59)،وبذلك فإن نوحاً،عليه السلام، حذرهم من العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة، على أنها من نتائج عدم عبادتهم لله سبحانه.

 

* ثمرة الإيمان في الدنيا

اعتمد نوح، عليه السلام، في هذه المرة على أسلوب الترغيب، بعد أن جرب معهم كل السبل ليهديهم إلى عبادة الله تعالى وهم معاندون، إذ يعدهم بانفتاح أبواب الرحمة الإلهية من كل الجهات إذا ما تابوا من الشرك فيقول:

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً فإنه لا يطهركم من الذنوب فقط بل ﴿يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، أي إن الله يفيض عليكم بأمطار غزيرة لترجع حياتكم الى طبيعتها بالخير الكثير، والعمران والبركة والحياة السعيدة. و{وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}. وبذلك وعدهم بخمسة انواع من النعم المادية الكبيرة إضافة إلى النعمة المعنوية وهي غفران الذنوب والتطهير من درن الكفر، وأما النعم المادية فهي نزول الأمطار المباركة وكثرة الأموال وكثرة الأولاد والحدائق المباركة والأنهار الجارية. فقال لهم نوح،عليه السلام، بمجرد أن تؤمنوا فسيدفع عنكم الله -عز وجل- كل هذه المصائب والبلايا.

إن الإيمان والتقوى يعطيان للحياة البهجة والعمران في الدنيا والآخرة، إن الله سبحانه ألبسنا لباس الحياة ووهب لنا الروح والحواس والحركة وهو تعالى معنا في كل مكان ويهدينا لكل خطوة ويشملنا بلطفه وعنايته، يقول تعالى:

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (سورة الأعراف /9)، وكما في كلام لأمير المؤمنين،عليه السلام، في نهج البلاغة: «إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله سبحانه وتعالى، الإيمان به وبرسله فإنه ذروة الإسلام وكلمة الإخلاص فإنها فطرة وإقامة الصلاة فإنها الملة».(2)

بينما عدم الإحساس بالمسؤولية والخروج عن جادة الصواب وتجاهل القيم الأخلاقية، تؤدي الى الانحراف عن جادة الإيمان - لا سمح الله - وهذه الأمور التي تسبب فقدان وحدة المجتمع فيصل إلى طريق السقوط والهلاك لذا يجب علينا أن نتوجه للاستغفار وترك المعاصي الذي يبعث على إصلاح المعيشة وازدياد الرزق، كما في حديث الإمام علي،عليه السلام، «أكثر الاستغفار تجلب الرزق». (3)، هذا كله يأتي من خلال استثمار الفرص الالهية متمثلة في المناسبات الدينية التي أوصانا فيها أهل البيت، عليهم السلام، بعديد الاعمال العبادية من صلوات وصيام وتسبيح أذكار اخرى، ومن أعظم هذه الفرص الأشهر الثلاثة، رجب المرجب، وشعبان المعظم، ورمضان المبارك، فهي تمثل فرصاً عظيمة للاستغفار والإنابة إلى الله - سبحانه - بألسنتنا وقلوبنا وجوارحنا.

ثم إن الاستغفار يضمن للإنسان المستقبل المشرق في حياته الدنيا، والراحة في الأمان من العذاب في الآخرة. يقول تعالى: {وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}. (سورة هود /3)

نلاحظ أن التوبة ذكرت بعد الاستغفار، بأن تطلبوا المغفرة أو تجعلوها غرضكم فتصلوا إلى المبتغى وهو المغفرة من الله ولا ينال هذه المغفرة إلا بعد التوبة النصوحة، و الاستغفار أعم من التوبة، وهو طلب المغفرة من الله تعالى بالدعاء أو غيرها من الاعمال العبادية، أما التوبة فإنها الندم على الفعل القبيح أو العزم على أن لا يعود إلى مثل ذلك أو الإخلال بواجب ما مع الإحساس بالندم على ما فعله.

إن الالتزام بشروط الاستغفار، يضمن لنا النتيجة المرجوة، وهي كسب مرضاة الله - تعالى- أهمها عدم الإصرار على الفعل القبيح، والتوبة النصوح، لذا نجد القرآن الكريم يوجه السؤال الصريح: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، (سورة المائدة/ 74)، والمرحلة اللاحقة تكون المداومة على الاعمال الصالحة التي تصل بصاحبها الى مرحلة الهدى الحقيقي لا المزيف كما في قول الباري عز وجل: {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً} (سورة مريم/ (60 )

---------------

(1) الكافي/ (2/431)

(2) نهج البلاغة الخطبةّ/110

(3) تفسير نور الثقلين /ج5/ص424     


ارسل لصديق