فرص صغيرة قادرة على تحقيق سعادة كبيرة
كتبه: مرتضى الموسوي
حرر في: 2014/06/05
القراءات: 825

في كل لحظة من لحظات حياتنا يمدنا الله بإمدادات من نعمه ورحمته دون انقطاع، ليلاً و نهاراً. في اليقظة وفي النوم. في الشدة و الرخاء. ولو أردنا أن نحصي جزءاً من هذه النعم العظيمة لما استطعنا ذلك أبدا، ففي داخل أجسادنا الملايين من الخلايا، تموت وتحيا وتتجدد دون ارادتنا ومعرفة منا، وهي تعمل لخدمتنا ليل نهار. كما أوجدنا الله في هذه الحياة كرماً منه وفضلاً، من دون أن يكون لنا علم بذلك.

كل ذلك، من أجل ان نسير في طريق السعادة والتكامل في هذه الحياة من خلال مواجهة التحديات المتمثلة في الحروب والمشاكل والازمات. في هذا الطريق يكون المحك لمن يثبت جدارته، ومن يتعثر ويتراجع بسبب الاحباط واليأس. بينما نلاحظ علماء النفس والاجتماع يدعونا لأن نتمتع بما عندنا، ونرضى بما قسمه الله، وأن لا نكون من الذين يبحثون دائماً عما لا يملكون، فقائمة الأشياء التي لا تملكها طويلة جداً. فمهما امتلكت من متطلبات الحياة ومن أملاك وأموال، ومهما صرت زعيمها أو ملك الملوك، فإن القائمة تبقى كما هي، ولا تتغير كثيراً.

ولربما تقول:

إذا حصلتُ على بعض المال، وبعـــــض الوجاهة، وبعــض القوة، وبعـــــــض الجمال، وبعض الأولاد. فسوف اكتفي بذلك وأعتبر نفسي سعيداً ولا أبحث عن المزيد.

غير أنك الآن تملك الكثير، فلماذا لا تكتفي بذلك، ولا تعتبر نفسك سعيداً، بينما تستعرض مع نفسك الأشياء التي لا تملكها، وتزرع في نفسك الكآبة بسبب ذلك

هنالك رواية تقول: «في النعم انظروا إلى من تحتكم، وفي المصائب انظروا إلى من هو فوقكم».

هذا هو الطريق الطبيعي لمواجهة الازمات والمنغّصات في حياتنا، وما أكثرها.. فبدلاً من التبرّم من الواقع السيئ، والتوقع ان يتغير كل شيء دفعة واحدة، علينا استذكار ما عندنا، ربما يكون ذلك منطلقاً لتحقيق الافضل.

يقول الإمام علي ،عليه السلام: «سعادة المرء في القناعة والرضا» لأن السعادة تنبع من قدرتنا على التكيف مع أوضاعنا، وظروفنا، والتمتع بما تنبع من المجهول الذي لن يأتي.

كان لي صديق يمتلك من المال والجمال والمنصب ما كان يغبطه أصدقاؤه ، ولكنه مع ذلك كان تعيساً لا يفتأ يشتكي من أوضاعه، ومشكلته كانت تتلخص في أنه لم يكن قنوعاً بما عنده ،فلم يتمتع أبداً بما كان تحت يديه.. وكان- لذلك- شديد التوتر، غير أنه كان يجهل السبب الحقيقي وراء حالته النفسية المتردية، وغالباً ما كان ينسبها إلى عوامل الوراثة.

وذات يوم كنا نتجاذب معه أطراف الحديث، فتحدثت له عن القناعة ، وذكرت له حديثاً للإمام علي ،عليه السلام، يقول فيه: «السعيد من استهان بالمفقود» فانبرى قائلاً: «ماذا تراه يعني الإمام من ذلك»؟!

قلت: يقصد؛ أن من يرضى بما لديه، ويقنع بما عنده، يعيش السعادة. بينما الذي يبحث عن المفقود، لن يظفر بالسعادة، إذ كل ما يحصل عليه يصبح موجوداً، وهو يبحث عن المفقود. ومن لم يرض بما قد حصل عليه، فلن يرضى بما يريد الحصول عليه ،إذا تحقق له ذلك .فأخذ يتمشى في الغرفة وهو يكرر مع نفسه كلمة الإمام علي ،عليه السلام، ثم التفت إلينا وقال: «هذه ضالتي».

وفيما بعد لم نسمع منه شكاية عن أوضاعه، ولا تذمراً من شيء. وقد أخبرني أن حياته تبدلت تماماً منذ أن قرر أن يستهين بالمفقود، كما أخبرنا أنه علق هذه الجملة في غرفة نومه وفي مكتبه، وسيارته.

 

* بين القناعة والبحث

عن الأفضل

حقاً إن السعادة تكون في أحيان كثيرة، الحالة الذهنية للقناعة فهي تبدأ- كما يقول المثل- حيث ينتهي الطمع، فإذا لم يحالفك الحظ للتمتع بما ليس عندك فمن الأفضل أن تتمتع بما عندك، بدل أن تعيش في غمّ ما لا تملك.

 وبالطبع فإنه ليس الحصول على الكثير من الأشياء خطأ أو مضراً في حد ذاته، ولكن الرغبة في الحصول على المزيد لا يمكن إشباعها، وكلما أبقيت على شعورك بأن المزيد أفضل، كلما فقدت الشعور بالرضا عما في يديك، إننا بمجرد أن نحصل على شيء ما، أو نحقق هدفاً ما، فإننا مباشرة ننتقل إلى الأمر الذي يليه، ويؤدي ذلك إلى القضاء على تقديرنا للحياة وللعديد من النعم التي حبانا بها الله . والطريقة الوحيدة للتخلص من هذه الرغبة تكمن في أن تقنع نفسك، أن الأكثر ليس دائماً هو الأفضل، وأن المشكلة لا تكمن في ما لا تمتلك، ولكن في توقعاتك للحصول على المزيد .ولكن إن تود أن تكون راضياً عما تملك لا يعني أنه لا يمكنك ولا ينبغي لك أن ترغب في الحصول على أكثر مما تمتلك حالياً، بل في الاعتقاد بأن سعادتك ليست متوقفة على الحصول على أكثر مما لا تملك. ويمكنك أن تشعر بالسعادة بما تملك بأن يصبح تركيزها موجهاً تجاه اللحظة الحاضرة، وليس بالإفراط في التركيز على ما ترغب في الحصول عليه، فمع انشغال عقلك بأفكار ما قد يجعل حياتك أفضل، ذكر نفسك برفق أنك لو حتى حصلت على ما تظن أنك تريد، فلن يزيد رضاك قدر أنملة، لأن نفس الحالة النفسية التي ترغب في الحصول على المزيد من الوقت الحاضر، سوف ترغب في الحصول على المزيد في المستقبل. ضع تقديراً جديداً للأشياء التي حباك الله بها حتى الآن، أنظر لحياتك من منظور جديد، كما لو كنت تنظر إليها للمرة الأولى، ومع وضعك لهذا الإدراك الجديد، ستجد أنه عندما تمتلك شيئاً أو تحقق إنجازاً جديداً في حياتك فإن مستوى تقديرك سوف يزداد. ومن المقاييس الممتازة للسعادة، حساب الفرق بين ما تملك فعلاً وما ترغب في امتلاكه. فقد تقضي حياتك وأنت ترغب في الحصول على المزيد، بينما بمقدورك أن تقرر عن وعي أنك ترغب في الحصول على أشياء أقل . فهذه الطريقة أسهل وأكثر إشباعاً إلى أبعد الحدود.

 

* استفد مما عندك

يبدو أننا مهما فعلنا أو تملكنا أو وصلنا مرحلة من العلم والمنزلة الاجتماعية، يبدو أننا لا نكتفي بذلك أبداً. ولكي نتغلب على هذه العادة، فلابد أن نقنع انفسنا أن الكثير من أي شيء ليس أفضل. إنك عندما تتعلم الرضا والقناعة فهذا لا يعني أنه لا يجوز لك أن ترغب في المزيد، ويمكنك أن تصبح سعيداً بما تملك بأن تعيش لحظتك وتركز اهتمامك على ما تملك ،وعندما تطرأ عليك الأفكار التي تقول: لو حصلت على المزيد فهذا يجعل حياتك أفضل، هنا ذكر نفسك أنك حتى لو حصلت على ما تعتقد أنك بحاجة إليه، لن تشبع أبداً، لأن نفس القاعدة ستنطبق عليك، وهي من يريد أكثر الآن سوف يريد أكثر بعد ذلك.

أعد تقرير النعم الحالية التي تنعم بها، أنظر إلى حياتك مجدداً، كما لو كنت تفعل ذلك للمرة الأولى. وعندما ينمو لديك هذا الوعي، فإنك ستجد أنه بينما تدخل هذه الممتلكات الجديدة أو النجاحات إلى حياتك، فإن مستوى تقديرك أيضاً سوف يرتفع.

يقول «ديل كارنيجي»: «أعرف هارولد أبوت منذ سنوات، يعيش في شارع ساوث ماديسون رقم 820، وقد كان مدير معهدي. في ذات يوم، التقينا في كنساس سيتي، فأوصلني إلى مزرعتي في مدينة بُلتون، بولاية ميسوري، وخلال الطريق سألته: كيف يتجنب القلق والكآبة، فأخبرني قصة لن أنساها أبداً. قال لي: كنت دائم القلق، لكن في أحد أيام الربيع من عام 1934، كنت أتمشى في شارع، دورتي الغربي، في وبي سيتي، حين رأيت منظراً أزال عني القلق. حدث ذلك خلال عشر ثوانٍ، لكن خلال العشر الثواني هذه، تعلمت كيف أعيش أكثر مما تعلمته في العشر السنوات السابقة. فمنذ سنتين، كنت أدير مخزن بقالة في وبي سيتي، لم أخسر جميع مدخراتي فقط، بل غرقت في ديون تتطلب مني سبع سنوات للتخلص منها، وقد أقفل مخزني وذهبت إلى بنك التجار والصناعيين لاستدانة المال الكافي لانتقالي إلى كنساس سيتي للبحث عن عمل.

كنت أسير كالرجل المهزوم، وقد فقدت ثقتي وشجاعتي. وفجأة رأيت رجلاً وقد بترت قدماه. كان يجلس على مقعد يرتكز على عجلات، ويزحف في الشارع بمساعدة قطع من الخشب يبثها في كل يد.

التقيت به بعدما عبر الشارع وبدأ يرفع نفسه ليصل إلى الرصيف، وفيما هو يفعل ذلك، التقيت عيناه بعيني، فابتسم لي ابتسامة عريضة قائلاً: صباح الخير يا سيّد، صباح جميل أليس كذلك؟ وفيما أنا واقف أنظر إليه، عرفت كم أنا غني. فأنا أملك ساقين، وأستطيع السير، شعرت بالخجل من نفسي، وقلت في نفسي: إذا كان هو سعيداً ومرحاً وواثقاً من نفسه، برغم من أنه فقد ساقيه فكيف يجب أن أكون أنا بوجود ساقي؟

شعرت بالارتياح، وكنت قد قررت أن أستلف مبلغ مئة دولار فقط من البنك، فأصبحت لدي الشجاعة الكافية لطلب مائتين. وكنت أتردد أقول إنني ذاهب إلى كنساس سيتي لأحاول العثور على العمل.

لكني الآن أعلن بثقة أنني أريد الذهاب إلى كنساس سيتي للحصول على عمل، فحصلت على القرض وحصلت على العمل، ويومها ألصقت هذه الكلمات على المرآة حيث يمكنني قراءتها كل صباح: «كنت أشعر بالكآبة لأن لا حذاء لي، حتى التقيت في الشارع برجل لا ساقين لديه»

ويضيف كارنيجي: «سألت مرة إدي ريكنباكر، ما هو أحسن درس تعلمه من خلال بقائه واحداً وعشرين يوماً في قارب النجاة مع رفاقه، تائهين بيأس في المحيط الباسيفيكي؟ فقال:

إن أكبر درس تعلمته من تلك التجربة، أنه يجب أن لا تتذمر أو تشعر بالتعاسة إن كان لديك الماء والطعام الكافي.

لم لا تتوقــــــف الآن وتســــــــــأل نفسك:» لماذا أنا قلق؟ وما هي أسباب شعوري بالكآبة»؟ ربما تكتشف أن الأمر غير مهم وسخيف.

إن حوالي تسعين بالمئة من الأشياء في حياتنا صحيحة، وحوالي عشرة بالمئة منها خطأ. فإن أردنا أن نكون سعداء فإن كل ما علينا هو التركيز على التسعين بالمئة الصحيحة وتجاهل العشرة بالمئة الخطأ، وإن أردنا أن نقلق ونتألم ونصاب بقرحة المعدة فما علينا سوى التركيز على العشرة بالمئة الخطأ وتجاهل التسعين بالمئة الصحيحة.

 

* «فكّر واشكر»

إن كلــــــــــمتي «فكّر واشـــــــكر» مكتوبتان منذ القدم، وقد دعت إليهما كل الأديان السماوية الكريمة. فكر بجميع ما يجب أن نكون ممتنين له، وأشكر الله على هباته وعطاياه.

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ}. (سورة البقرة /172)

يمكننا الإستفادة من هذه الآيات وهذا الدستور العظيم، وان الله يعلم ما يحيط بالإنسان، ولكن هل جميعاً نقدر ذلك الجواب: كلا البعض من يقدر ويتعظ والبعض كلا.

تصور أنك تشكر الله لأنك تستطيع أن تغسل الأطباق، وأن ترى العصفور يطير عبر كل مكان ، يجب أن نخجل من أنفسنا، طيلة الأيام والسنوات كنا نعيش في جنة من الجمال، لكننا لم نستطيع أن نرى ذلك او، نتمتع بما حولنا.

فإن أردت التوقف عن القلق والبدء بالحياة، إليك بهذه القاعدة:

 

* عدد نعمك، وليس متاعبك!

يقول الحديث: «من سعادة ابن آدم استخارته الله، ورضاه بما قضى الله، ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله وسخطه بما قضى الله». (بحار الانوار :ج77ص159).

من هنا؛ يمكننا تملس بصيص أمل وسط الاجواء الحالكة، المشحونة بالازمات والمشاكل، لاسيما في بلد مثل العراق، حيث يتشابك فيها الأمني والخدماتي والسياسي والاقتصادي..

 وبامكان المرء استبدال الحالة السلبية باخرى ايجابية، عندما ينظر الى «نصف الكأس المملوء» كما يُقال، ويتجاوز السلبيات الموجودة متطلعاً الى آفاق المرحلة والاستفادة ما امكن من الفرص المتاحة في اليد، حيث فرص التقدم والسعادة لا تعد، من النعم الإلهية الوفيرة في المياه والارض الخصبة والنسمة المتزايدة، والمعادن والثروات الطبيعية، يضاف اليها الموقع الاستراتيجي والإرث الديني والعمق الحضاري.

-------------

* مقتبس من كتاب: «كيف تتمتع بحياتك وتعيش سعيداً» لسماحة آية الله السيد هادي المدرسي


ارسل لصديق