هجرة العقول وهاجس بقاء التخلّف
كتبه: سعد مغيمش الشمري
حرر في: 2014/06/08
القراءات: 1107

الإنسان هو الثروة الحقيقية على سطح الأرض، فقد منحُه الله تعالى من القدرات العقلية والعضلية ما لم يهبه لسائر المخلوقات، ولذا قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم..}، يكفيه شرفاً أن سجدت له الملائكة بأمر مليكها الرحمن، قال تعالى:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}. وبهذه المنزلة والتكريم، تمكن الانسان من استخراج كنوز الارض، وتسخير الطبيعة لخدمته ثم التقدم في مسيرة تطوير حياته من خلال اكتشافات باهرة ومذهلة ما تزال ماضية دون توقف.

وهذا ما جعل مسألة الاهتمام بالعلماء في أي بلد، أمراً في غاية الاهمية والحيوية، وأي تسرب لهؤلاء الى خارج البلد او خسارتهم بشكل او بآخر، يمثل تهديداً ماحقاً، فهو يشكل إهداراً لموارد الدولة و للثروة البشرية، لذا ربط خبراء الاقتصاد، بين قدرة البلد على الاحتفاظ بعلمائه وعقوله، وبين قدرته على التقدم والتطور والنجاح. لكن بداية، لابد من معرفة الاسباب وراء ظاهرة هجرة ما يسمى بـ «الادمغة» والعقول الى خارج البلاد.

 

* رواج الظواهر السلبية في الوطن

لعل من ابرز دوافع تخلّي العالِم والخبير والمختص، عن وطنه وبلده، ظاهرة الفساد والمحسوبية، بسبب ان الاكاديمي - على الأغلب- متطبّع على النظام والقوانين والضوابط، بينما هذا ربما لا نجده بكثرة في دوائرنا ومؤسساتنا الحكومية التي يفترض ان تستوعب الخبير الاقتصادي او الطبيب او المهندس او الحقوقي وغيره.

هذا النظام الاداري هو الذي يضيع فرص الاستثمار، والعمل على توظيف أموال وثورات البلد، كما يعمل على تكريس التمييز على اساس المذهب او العشيرة او الانتماء الحزبي، وانتفاء العدالة، وعدم وجود بنية تحتية لازمة لنمو الاقتصاد، أهمها تقاعس الدولة عن العناية بأصحاب الكفاءات، وغياب إمكانات البحث العلمي.

وربما يكون العراق اليوم، الأبرز بين دول المنطقة في هجرة الادمغة والعقول الى الخارج، لاسيما الولايات المتحدة و اوربا بل وحتى الى الدول القريبة. هذه الظاهرة بحاجة الى المزيد من الدراسة والتحقيق لانها تسهم بتفريغ الوطن من الكفاءات والقدرات العلمية التي من شأنها ان تسهم في تقدم وتطور البلد، في حين هم يسهمون في الوقت الحاضر في تقدم الدول الاخرى، وقد تم اغراء الكثير من هؤلاء بمناصب كبيرة حتى لا يفكروا بالعودة الى بلادهم، علماً ان هذا لا يمنع بأي حال من الاحوال من ظهور الهوية الحقيقية لهذا العالم أو ذاك، عندما يعلن في وسائل الاعلام عن تقدم احدى البلاد الغربية أو غيرها في الطب او بناء الجسور او السدود او الطاقة وغيرها، يذكرون ان صاحب الفكرة والابداع هو من أصل عراقي مثلاً . والنتيجة؛ ان العراق، وهو البلد الحاضن دائماً وعلى مر التاريخ للعقول الفذّة والافكار المبدعة، يكتفي باسمه في هوية ذلك المبتكر والعالم ،البريطاني، أو ،الامريكي، او ،السويدي، وغير ذلك، أما احتياجاته من السلع الاستهلاكية وحاجاته الاساسية فانه سيستوردها من البلد الذي ربما يكون لذلك ،العالم العراقي، دور في تطوير تلك السلعة.

 

* أسباب الهجرة

ربما يكون التقدم العلمي والتطور التكنولوجي في بلاد الغرب، أحد المحفزات للهجرة لدى الاطباء والمهندسين وسائر الكفاءات العلمية، لكن هذا العذر او السبب تنحّى أمام اسباب جديدة بضغط الظروف والمستجدات، حيث يفضل الكثير لاسيما خلال السنوات التي سبقت الاطاحة بنظام صدام، بالهجرة الى الدول العربية مثل الاردن او اليمن او سوريا او قطر، لئلا يثير شبهة السلطات الامنية بانه يزيد من وطأة الضغوط الدولية المفروضة على نظام صدام، كما يضيف شماتة أخرى من العالم على صدام وافعاله الهدامة.

إذن، نفهم ان الاسباب واضحة لهجرة العقول والكفاءات العراقية الى الخارج، فهنالك الاسباب الامنية والسياسية وايضاً الاقتصادية - المعيشية.

في العهد السابق كانت جملة من الاسباب قائمة وتمثل حافزاً ودافعاً قوياً لهجرة العقول العراقية الى الخارج، وهي الاسباب الامنية والسياسية وحتى الطائفية، فقد كان العالم والاختصاصي ملاحقاً من قبل اجهزة السلطة في هويته الدينية والثقافية وفي حريته، وكان معروفاً عن صدام حرصه على صهر كل الكفاءات والقدرات في مشاريعه ومغامراته الجنونية، ومن يرفض فإن مصيره التخوين ومعاداة الوطن والشعب و... ثم غياهب السجون او الاعدام.

أما اليوم فان هذه الاسباب باتت من الماضي، لكن حلّت محلها المشكلة الامنية، حيث النزاعات الطائفية الدموية التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية ألقت بظلالها على الساحة العلمية في البلاد، على الاقل يشعر الرجل أو المرأة الاختصاص و الاكاديمي بانه مهدد في حياته وحياة اسرته قبل الخوف على مستقبله المهني او كفاءته العلمية. لذا فانه يفضل الهجرة للنجاة أولاً الى أي بلد يحتضنه ويوفر له الامان والاطمئنان، وهذا ما حصل خلال السنوات التي تلت عملية الاطاحة بنظام صدام، حيث شهد العراق تصفيات دموية لعدد غير قليل من الكفاءات لاسيما الاطباء منهم.

هذا الهروب الجماعي للكفاءات يشكل خسارة علمية ومادية، وكارثة لا يمكن تعويضها في الامد القصير.

هنا لا نستبعد ان هذه الهجرة الكبيرة كانت عفوية، لكن ربما كانت وراءها أيدٍ خفية لكي يفرغوا العراق من قدراته العلمية، وتحويل البلد، من الانتاج والابداع، الى الحاجة الدائمية للخارج في كل ما يحتاجه، ثم تركه يتخبط في دوامة العنف الطائفي والسياسي.

من الاسباب المستجدة التي تدفع إلى مزيد من الهجرة، عدم قدرة الجامعات على استيعاب الطلاب، مما يدفع بالبعض إلى السفر للخارج للدراسة على حسابه الخاص، وهناك ربما يحصل على مغريات للبقاء والعمل هناك، عندما يلحظ الاستقرار السياسي والوضع الاقتصادي المناسب، إضافة إلى ان هنالك من يذهب إلى الغرب للدراسة والتعليم، عن طريق بعثات حكومية، فيتلقى كثيراً من التشجيع خلال بعثته مما يجعله محط انظار الآخرين.

وخير دليل في الوقت الحاضر، البعثات الى اوكرانيا والهند وغيرهما من الدول، وهذا امر جيد ومطلوب لكسب المزيد من الخبرات والتجارب العلمية، لكن هل توجد هنالك متابعة للمسيرة العلمية لطلبتنا وارشادهم وتذكيرهم بأنهم سيكونون أمل العراق في البناء والتطوير في المجالات كافة، وليس على الشركات الاجنبية، او ربما الشركات الاوكرانية او الهندية..؟!

 

* المطلوب؛ خبرات وطنية

من الناحية النظرية يمكن القول إن الخبرات الاجنبية تستطيع الخوض في مشاريع الاعمار والبناء و تعويض النقص عن الخبرات الوطنية، ولكن يبقى الفرق كبيراً جداً بين الانطباع الذي تحمله هاتان الخبرتان، فالخبرة الوطنية والنابعة من صميم المجتمع، يكون العامل المحرك للعمل في معظم الاوقات، هو خدمة البلد وتنمية مؤسساته وبإخلاص، والسعي الحقيقي لدفع عجلة التقدم الى الامام، أما الأيادي الاجنبية فهي لا تمتلك أي قاسم مشترك مع ذلك الشعب، لذا فانها تفكر قبل كل شيء بالربح والمردود المادي والمصالح الاقتصادية، لذا نلاحظ الشركات الاجنبية ترفض وجود عيون من ابناء البلد على عملها ومشاريعها حتى لا يكتسبوا الخبرة ويتحولوا الى منافسين لها في المستقبل، والهدف هو ان تبقى الدولة المستوردة للخبرات تحت رحمة الخبرات والكفاءات الاجنبية حتى بعد تنفيذ تلك المشاريع، فالمنشآت او المصنع أو أي مشروع آخر عندما يصاب بعطل سيتعين الاتصال بالشركة المصنعة لرفع العطل وتشغيل الجهاز او المشروع وهكذا... وهذا بحد ذاته يكلف البلد المزيد من التكاليف والجهود ويزيد في الوقت نفسه من عدد العاطلين من ذوي الشهادات الجامعية والأيدي العاملة.

هذه الحقائق وغيرها لا تخفى على المعنيين من سياسيين واقتصاديين في العراق، حيث عليهم ان يعرفوا ان البلد بأمس الحاجة الى الكفاءات من أي وقت آخر، لأن الاعتماد على عائدات النفط وتوزيع الاموال والهبات يسرع من افلاس البلد وتخلفه ودماره، ولنا عبرة في دول دمرتها الحرب لكنها اليوم تقف على قدميها وتتطلع للحاق بالدول المتقدمة، وفي مقدمتها كوريا الجنوبية والصين والهند، ولم نذكر دولا مثل المانيا واليابان لأن لهما ظروفاً خاصة، لكن نذكر دولا من العالم الثالث، بل نجد حتى دولة مثل فيتنام تسعى لأن تتقدم في اقتصادها من خلال تصدير المحاصيل الزراعية.

هنالك عوامل عديدة من شأنها ان تحدّ من هجرة العقول العراقية الى الخارج، مثل توفير فرص العمل، وتطوير البحوث العلمية، والارتقاء بمستوى الخدمات وإبعاد الكفاءات عن المصاعب المعيشية مثل السكن والنقل والصحة وغيرها، والاهم من كل ذلك سنّ القوانين التي تكرم الكفاءات وتشجع على استثمار الابداع العلمي داخل الوطن وليس في خارجه.


ارسل لصديق