التعايش لتحقيق الأمن الاجتماعي
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2014/06/08
القراءات: 889

الشعـــــــــوب والمجتمـــــعـــــات ذات البصيرة الحضارية، والتي تعيش ضمن حدود جغرافية معينة، ترنو دائماً نحو الأمن والاستقرار، لمعرفتها بأهمية هذين العاملين في دفع عجلة البلد نحو التقدم والتطور في المجالات كافة، وهذا لن يتوفر بسهولة ويأتي على طبق من ذهب، إنما يأتي - على الأغلب - بعد حروب وصراعات دامية، سواءً على اساس عرقي او قومي او سياسي. فهذه الولايات الخمسون في امريكا، شهدت حرباً أهلية ضروساً في القرن التاسع عشر، أودت بحياة حوالي (600) ألف جندي من الجانبين، وفي القرن العشرين شهدت أوربا حربين عالميتين في اقل من ثلاثة عقود، أودت بحياة الملايين من البشر ودمار هائل، وحسب المؤرخين فان الحرب العالمية الثانية هي أكثر الحروب كارثية في التاريخ، حيث قتل فيها حوالي سبعين مليون انسان، بيد ان المخلفات النفسية والخسائر في الارواح والممتلكات لم تكن حائلاً أمام تشكيل الاتحاد الاوربي الذي يضم عدداً من الدول المتحاربة سابقاً، الى جانب المانيا التي انطلقت منها هذه الحرب المدمرة.

صحيح، إن المنطلق للتعايش والعلاقات المتوازنة بين الدول الاوربية، كان تحقيقاً لمصلحة اقتصادية مشتركة، بيد ان العبرة والفائدة، كانت في تحقيق الأمن والاستقرار الكاملين في هذه القارة، رغم تعدد الاعراق والقوميات واللغات، فالاتحاد الاوربي وسائر المنظمات الدولية التي تأسست في أوربا، لم تلغ الفوارق الثقافية والأثنية ابداً، إنما الموجود هو التوازن في العلاقات بما يخدم مصالح الجميع. لنأخذ العملة الموحدة «يورو»، فهي أرهقت كاهل الدول الصناعية المتقدمة مثل فرنسا والمانيا وايطاليا، لكنها ساعدت دولاً اخرى ضعيفة مثل اليونان، وايضاً الدول الحديثة العهد على الاتحاد، مثل رومانيا وهنغاريا وحتى دول البلطيق وغيرها. وربما يكون هذا حثّاً وتشجيعاً على بذل المزيد من الجهد لمواكبة التطور في البلدان الاخرى.

أما في البلدان التي تسمى بالنامية «اقتصادياً» او بلدان العالم الثالث «سياسياً» فمن النادر ان نجد من يبحث عن نقاط الالتقاء للانطلاق منها نحو البناء والتقدم، فالغالب، البحث عن نقاط الافتراق والتمايز وفرص الاحتراب، ضمن عمل ممنهج بأهداف تعبوية وغايات سياسية لإلغاء الآخر مهما كلف الأمر من الارواح والممتلكات والقدرات. ومما يمكن الاستفادة منه، تجربة شعب رواندا الذي أحيا قبل فترة الذكرى العشرين لوقوع أبشع إبادة جماعية للبشر في تاريخ القارة الافريقية، حيث قتل حوالي (800) ألف انسان خلال مائة يوم فقط، وذلك داخل حدود البلد الواحد، والسبب ليس سوى خلاف عرقي - سياسي بين قبلتي «الهوتو» و «توتسي». وربما تكون رواندا مثلاً بارزاً على عبثية الحرب الاهلية والحاجة الماسّة للإنسان الى التعايش وعدم المخاطرة بالحاضر والمستقبل من اجل مصالح ضيقة. ونستفيد هنا من مقاطع في كلمة الرئيس الرواندي «بُل كاغامي» الذي تحدث أمام آلاف المحتشدين يوم الذكرى الأليمة: «اذا كانت الإبادة تكشف عن جانب القسوة الصادمة للإنسان، فان خيارات رواندا تظهر قدرتها على الانبعاث من جديد..»، ثم ذكر بان نصف الشعب ولد بعد تلك المجازر.. وحسب المصادر فان هذا البلد الافريقي تمكن من طيّ صفحة الماضي وتحقيق شيء من التقدم الاقتصادي والمصالحة الوطنية وإلغاء التمايز القبلي والعرقي، حتى بات التصريح بكلمة «توتسي» و «هوتو»، لا تثيران أي مشكلة أو هاجس من ردود فعل رغم الجروح الغائرة في النفوس.

وللحقيقة نقول: ان مظاهر الاقتتال الرهيب في بلادنا الاسلامية، وتحديداً ما يجري في العراق، يفسّر حالة التطرّف والتقوقع والانطواء على غايات خاصة ربما لا تتجاوز حدود مدينة صغيرة او حتى جماعة على بقعة صغيرة من الارض. فهذا البلد كان يعبر عنه احد الخبراء الاقتصاديين الدوليين بأنه من شأنه ان يكون من اقوى اقتصاديات العالم، لتوفره على عدد السكان المتناسب مع المساحة، والايدي العاملة والعقول المبدعة مع ثروات هائلة، واليوم نجد أن أول خياراته هي الصدام الطائفي الدموي والحروب الكلامية والتسقيط السياسي السافر. والمفارقة أن الجميع يبحثون بين هذا المستنقع الدامي، عن الامتيازات والمكاسب، وأن لا عزّة وكرامة إلا بسحق الآخر..! بينما الحقائق التاريخية ولغة المنطق تؤكد لنا أن تسليط الضوء على القواسم المشتركة وتحفيز العوامل الانسانية والاخلاقية والدينية، هي التي من شأنها تحقيق العزّة والكرامة، بل ومصالح الجميع في اطار الوطن الواحد، كما فعلت ذلك دول عديدة. وفي كتابه «المتخلفون مليار مسلم» يشير سماحة الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي- قدس سره- الى هذه الحقيقة ويؤكد أن «من أسباب عزّة المسلمين، الأخوة الاسلامية، فان عامل الكثرة اذا اتحد مع عامل الأخوة، انتج العزة، وليس الكثرة وحدها..»، ولعل الشواهد على ذلك كثيرة ومعروفة. يبقى التفاضل في مسيرة البناء الواحد، فهي واضحة ولا لبس فيها، إذ حدد الاسلام الموازين بحيث «لا تَظلمون ولا تُظلمون». ففي الامور الشرعية، تقف «التقوى» في الخط الفاصل بين الصالح والطالح، فالعدالة - مثلاً- شرط في القضاء والشهادة، وهي ايضاً شرط في الحكم. كذلك الكفاءة العلمية، وهذا ما نلاحظه في أخذ النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، بمشورة سلمان المحمدي في أمر حفر الخندق.

ويستشهد سماحته بمثال تاريخي من العراق على تأثير التآخي والتلاحم في صنع القوة القاهرة، حيث ينقل قصة ذلك اليهودي القادم من اصفهان والمقيم في بغداد، فيما مضى من الزمن، وكيف ان بساطة حاله وفقره لم يمنع يهود العراق من تزويجه وتشغيله وإسكانه من قبل التجار اليهود في بغداد، لمجرد انه يهودي مثلهم. يقول سماحته: «.. وهكذا أخذ اليهود على قلّتهم يراعون الأخوة الدينية عندهم عملاً حتى استقووا وتمكنوا من اغتصاب فلسطين وإعلان سيادتهم عليها وعلى المنطقة. بينما نرى المسلمين صاروا شيعاً متناحرة، وأحزاباً متخاذلة، وقوميات متفاخرة، فهذا من قومية عربية، وهذا من قومية كردية، وهذا من قومية فارسية، وهذا من قومية هندية وهكذا.. وكل واحد منا يرى غيره أجنبياً عنه..».

ان الاحتراب الطائفي القائم في العراق، يبدو انه يتقدم دون هوادة مع وجود الكيانات السياسية والمنظمات المجتمعية والمؤسسات الثقافية والدينية الضخمة، أما الأدوات فهي تقدم الجديد بين فترة واخرى..! ففي مقابل العمليات العسكرية في المناطق الغربية ومناطق توتر اخرى، نشهد انتشار السيارات المفخخة والعبوات الناسفة في المدن والاحياء السكنية وهي تحمل رسل الموت والدمار، وفي مقابل حصار مدينة الفلوجة بدعوى الضغط لطرد عناصر «داعش» منها، نسمع، ويسمع العراقيون بغير قليل من المفاجأة تمكّن عناصر هذا التنظيم الارهابي من حرف مجرى نهر عظيم مثل «الفرات» عن مساره، لإغراق مناطق شاسعة تتجحفل فيها قوات الجيش لإجبارها على الانسحاب وحلحلة الحصار - حسب الرواية الحكومية- .

ان عدم وجود الماء لدى شريحة من الشعب العراقي، وعدم الأمان لدى شريحة أخرى، يجب أن لا يكون أمراً بديهياً في العراق، مهما كانت الاسباب والخلفيات، اذا ما كانت هنالك - حقاً- ارادة من الحكومة والشعب بتجاوز هذه المحنة والقضاء على هذه الفتنة العمياء. الامر الذي يستدعي الحكمة والتعقّل في اتخاذ القرارات وصياغة المواقف للوصول الى النقطة المركزية التي يجد الجميع انفسهم فيها. ففيها يتحقق التعايش السلمي مع وجود الفوارق في العقيدة والرأي، كما يتحقق التوازن في فرص العيش الكريم. وهذا ليس بالأمر الهيّن، او من قبيل الشعارات ذات النفع للاستهلاك الدعائي. إنما هي بحاجة الى تضحيات كبيرة، ليس في الارواح قطعاً، فهي حاصلة في خضم الفتنة القائمة، بل في المصالح والمكاسب وتقديم التنازلات الشجاعة.

واذا كان للسياسة الدور الكبير في إبعاد شبح الحروب المدمرة، بيد ان جذور الكراهية والحقد والعنف، ربما تتغذى على ظواهر اجتماعية وخصال وعادات فردية ايضاً، تتجسد على صعيد الأسرة (المجتمع الصغير) او على صعيد المنطقة السكنية والمدينة (المجتمع الكبير). فوجود الفوارق في الحالة المادية او المستوى العلمي ، الى جانب التنوع الاثني، من عرقي او طائفي او قومي او حتى مناطقي، كما هو الحال عندنا في العراق، كلها من شأنها تتحول في أي لحظة الى شرارة لنزاع او صراع، ربما لأتفه الاسباب، الامر الذي يجعل مسؤولية تحقيق الامن والاستقرار ملقاة على عاتق الجميع.


ارسل لصديق