ثوابت الجمود والتخلف وآمال التغيير
كتبه: الشيخ حسين صالح آل الشيخ
حرر في: 2014/06/08
القراءات: 781

أهم المفاصل الرئيسية في الوصول الى تغيير جذري في البنى والأساسيات لأي مجتمع، يفترض دراسة عوامل التغيير وعوائقه، وذلك لأن حدوث التغيير والإصلاح مرتبط بتجاوز العوائق، وإيجاد عوامل التغيير على أرض الواقع، وتحويلها من الذهن الى واقع المجتمع.

وطالما عاش المصلحون والدعاة والعاملون بشتى تياراتهم الفكرية و الإيديولوجية، واختلاف أزمانهم منذ نشوء الخليقة، محنة العوائق، وصعوبة إيجاد العوامل والأسباب للتغيير، ولذا في سيرة الأنبياء والمصلحين سوف نشاهد ذلك بشكل واضح، حيث تقف هذه العوائق حائلاً دون تحقيق رغباتهم في الوصول الى أهدافهم المقدسة.

وتمثل «ثوابت الجمود والتخلف» العائق الرئيسي أمام الجميع، حتى باتت ثوابت أشبه بالجبال الراسيات، يصعب تحريكها، أو زحزحتها، وهذا ما دفع بالكثيرين من أبناء الأمة الإسلامية، لتبني خيارات أكثر جذرية وعنفاً، لإحداث التغيير المنشود، وعند القسم الأكبر ولَّد ورسخ مبدأ صعوبة التغيير، وتنازلوا لهذه الثوابت وخضعوا لها، بدلاً من تحطيمها، فأصبحت هذه الغالبية في حالة مماهاة مع ثوابت الجمود والتخلف.

إن هذه الثوابت التي تعيق عميلة التغيير، هي في ذات الوقت الرقم الضائع في المعادلة الصعبة للتغيير، ومتى ما استطعنا تجاوزها من قبل العاملين في الساحة، استطعنا تحقيق التغيير في كافة الحقول المختلفة. ولذا فإن اسقاط هذه الثوابت الخاطئة، مهمة رئيسية و أولية لدى الدعاة والعاملين في سبيل التغيير، ولابد من التخطيط لها بشكل سليم ودقيق، للوصول الى تغيير حقيقي وعلمي، والأهم، للسير في طريق الإصلاح، هو تحديد هذه الثوابت ومعرفتها، وذلك لأن هذه الثوابت كثيرة ومتشابكة وذات فروع عديدة، نشير الى أبرزها:

 

* 1/ التخلي عن تحمل المسؤولية

المشكلة الأكبر التي تواجه المجتمعات اليوم هي «المسؤولية»، بكل أبعادها المختلفة، وبالخصوص في مسيرة التغيير، فغالبية المجتمعات تعتقد أنها غير مسؤولة عن إحداث التغيير، وليست مطالبة بأي شيء تجاه الظلم السائد في المجتمع بشتى أنواعه. حيث يعتقد الإنسان أن المطلوب منه أن لا يمارس الخطأ فقط، أما إذا قام الغير بالخطأ، فإن ذلك لا يعني له شيئاً، ولذا فإن الجميع يلتزم بالصمت تجاه الأوضاع الفاسدة في مجتمعاتنا. بينما الله - سبحانه وتعالى- يؤكد على حقيقة المسؤولية في القرآن الكريم بشكل دائم، ويعتبرها جوهرالأديان السماوية. وجاء في الآية الكريمة: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} (سورة الأحزاب /72)،وفي تفسير سماحة المرجع المدرسي، فإن لفظ «الأمانة»، تعني المسؤولية. والملاحظ على هذه الآية الشريفة، أنها سبقتها آية تدعو للإصلاح ولغفران الذنوب، بينما جاءت آية تذم المنافقين والمشركين.

وهذا يؤكد على حقيقة الأمانة، وهي المسؤولية، التي ترتبط في آيات القرآن بالعهد في كثير من الأحيان، إن الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال حملها، وأشفقن منها، لابد أن تكون ثقيلة على الإنسان، وهل هناك أثقل من مسؤولية التغيير؟

ولقد ورد لفظ المسؤولية المعبرة عن التغيير في آيات عديدة أبرزها: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}، (سورة الصافات /24). {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}، (سورة الإسراء /36).{وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً}، (سورة الأحزاب /15).

المسؤولية في القرآن تشكل القسم الأكبر منه، وما آيات الجهاد، وإصلاح النفس، والسيرة التاريخية الهادفة للأنبياء والمصلحين، وبالذات رسولنا محمد، صلى الله عليه وآله، إلا أكبر دليل على أهمية هذا المفهوم في حياة المجتمعات، ولا يستطيع أي مجتمع أن يعيش بدون روح المسؤولية، وذلك لأنها تشكل عماد هذه المجتمعات. و يخطئ من يتصور أن يعيش في حياة «اللاأبالية» ويتخلى عن مسؤولياته الحقيقية، لأن حماية المجتمع تنبع من ترسيخ مفهوم المسؤولية في عقول وقلوب الناس، وذلك لأن سيل الماء إذا انطلق في المدينة لا يفيد تحصين البيت الواحد، لأنه سوف يقتلع كل بيوت المدينة.

إن عدم تحمل المسؤولية لا يعفي أفراد المجتمع من آثار الوضع الفاسد المترسبة في المجتمع، وتاريخ أمتنا الإسلامية، أكبر شاهد على خطورة التخلي عن المسؤولية، حيث أوصلها الى الاستبداد، والتغرب، والظلم، والفساد، ولذا فإن حملة الرسالة لابد أن يستهدفوا هذا الثابت في سعيهم لتغيير الأوضاع الخاطئة، لأنه يمثل أهمها على الإطلاق.

إن غياب المسؤولية عن واقع الأمة الإسلامية، يكرس وجود الثقافة اللامسؤولة، وهذا يبشر بسيادة التخلف، في كل مناحي الحياة، ويبعدنا عن طريق التنمية الشاملة، وهذا ما يؤكده سماحة المرجع السيد محمد تقي المدرسي قائلاً: «إن السبب الأصلي في هذا التخلف الذي يسود الأمة يعود الى الثقافة اللامسؤولة التي انتشرت في ذهنية الأمة، فكرست عناصر الضعف، وابتعدت عن مصادر القوة». (1)

 

* 2 / التجزئة

التجزئة مقابل مفهوم «الشمولية» الفكري، ويمكن أن تكون مقابل مفهوم جغرافي - فكري وهو الوحدة، ولذا فإننا نشاهد ارتباط التجزئة بالاختلاف، في كلا الاتجاهين الفكري والجغرافي، لأن التجزئة في الفكر والثقافة تجر ويلات الفرقة والاختلاف، والاتجاه الآحادي الفرد. كما أنها تفعل ذات النتيجة السلبية في الجغرافيا والمكان، وهذا ما حدث في العالم الإسلامي، وتحوله الى دويلات متعددة ومختلفة في الفكر والجغرافيا والموقف، حتى أضحت فلسطين ضائعة ومحتلة من قبل الصهاينة.

يقول المرجع المدرسي: «من المشاكل التي ابتلي بها العالم اليوم مشكلة التجزئة المتوغلة الى حدود عميقة وبعيدة في كيان هذا العالم؛ فلقد توجه العلم الحديث نحو التحليل والتجزئة الى درجة أنه أنسى العالم الرؤية التكاملية الواحدة، والإطار المشترك الذي يجمع الأفكار والمعلومات». (2)

وبالفعل يشاهد المرء ان العلم الحديث توجه الى التحليل والتركيب، وأوغل في التجزئة بشكل عميق، حتى إنك تراه يبحث عن جزئيات العلوم، بدلاً عن وحدتها، بينما العلوم جزئيات مركبة ومترابطة، والأهم من ذلك أن هذه الحالة التجزيئية سوف تجرنا الى مخاطر عديدة.

ويؤكد سماحته في مكان آخر على خطورتها قائلاً: «التجزئة تشكل خطورة للبشرية، وخطورتها هذه تكمن في أن الله - تعالى- لم يخلق مجتمعاً من دون فرد، ولا فرداً من غير مجتمع، ولا نفساً تعيش في عالم الاجتماع، وأخرى في عالم الاقتصاد أو في عالم السياسة... فالله سبحانه خلق الكون وحدة واحدة مترابطة الأجزاء، ولا يمكن فهم هذا الكون من دون الرؤية التكاملية». (المصدر السابق/ ص 174).

إن الشمولية في التفكير، منهج إسلامي مقابل التجزئة، والتي نشاهدها في تطبيق الأحكام الدينية، أو في قيم الدين وأهدافه، وبالخصوص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو فريضة إسلامية متعينة على الجميع.

 

* 3 / ثقافة التبرير

كيف يستطيع الإنسان التخلي عن مسؤولية التغيير ؟‍ ‍

جواب هذا السؤال يكمن في استخدام ثقافة التبرير كسلاح، ومظلة يحتمي بها المتقاعسون عن العمل، بإشهار الثقافة التبريرية في الساحة وترويجها، ليواجهوا بها دعوات تحمل مسؤولية التغيير والاصلاح.

 إن ثقافة التبرير جوهر الأفكار اللامسؤولة، وسوف يلاحظ المتتبع بان هناك ارتباطاً رئيسياً بين التخلي عن المسؤولية، وإشاعة ثقافة التبرير في المجتمع، فالمبررون يحملون شعارات رئيسية أربعة تركز الثقافة التبريرية وهي:

أ- لن نستطيع تغيير الواقع الموجود، ويلاحظ ان هذا الشعار «لا أستطيع» تحول بسبب تراكمات الأفكار السلبية، وثقافة الهزيمة، الى ثابت في ثقافتنا، وبالخصوص الثقافة الشعبية، فكلما واجهت شخصاً بعمل أجابك أنه لا يستطيع القيام به.

ب- إلقاء المسؤولية على عاتق الآخرين، حيث يعتبر الفرد أنه غير مسؤول عن التغيير، وأنها مسؤولية كبار العلماء أو طلبة العلم، وأنه شخص عادي في المجتمع.

ج- غياب الاستراتيجية والوسيلة القادرتين على التغيير، حيث يبرر الفرد بانه لا يجد ما يعمل به، وهو تبرير شائع في أمتنا الإسلامية، وأن رقعة الوضع الفاسد أكبر من الشخص، فلذا لا يستطيع أن يجد الوسيلة الفعالة للتغيير، إضافة الى أن إيجاد التغيير يحتاج الى خطة كبيرة، تستطيع تغيير الوضع الراهن.

د- انعدام الجهة العاملة، كثيراً ما ترى أناساً يتحدثون عن الجهة الشرعية التي يعملون معها، فهم لايجدون من يعمل معه، وهذا نتاج حالة التفرقة في الساحة والاختلاف، فهو يشك في الجميع، ولا يجد شخصاً يثق به ويعمل معه.

هذه هي أبعاد ثقافة التبرير، والتي يحاول تيار التقاعس نشرها في الأمة، والملاحظ لسياق آيات القرآن الكريم، أنها تحاول التركيز على دحض الحجج، بحيث تقوم بتفنيد هذه الأبعاد.

فمن يقول: «لا أستطيع»، فإنه يتناسى القدرات الكبيرة التي أودعها الله فيه، والتي أعطاه إياها الخالق سبحانه وتعالى، حيث يقول في كتابه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}. (سورة إبراهيم / 32- 33 )

وعلينا أن نعرف أن القدرة صنو المسؤولية، فكلما كانت قدرة الإنسان كبيرة، كلما كانت مسؤوليته بحق قدرها، لأنه يستحيل أن يعطى الإنسان نعمة دون أن يطالبه الله إيفاء حق هذه النعمة، وهذا المعنى نراه متمثلاً في الآية الكريمة: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا}.(سورة الطلاق /7).

وما آيات القرآن الداعية للجهاد والتحرك، إلا جزءاً رئيسياً من التحريض لمقاومة التبرير والجمود في الأمة، لأن الجهاد هو الفريضة الأساسية والجوهرية، التي باستطاعتها إضفاء الحيوية في أبناء الأمة. أما من جهة غياب الوسيلة والخطة، فإن الإعداد جزء من تركيبة الإنسان العقلية، والله يقول: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}.(سورة التوبة / آية: 46). ويخطئ من يتصور أن ليس هناك جهة عاملة تستطيع القيام بواجبها الإصلاحي، لأن هذا يمكن أن يدخل في دائرة الظن بالآخرين والشك في النوايا، كما لا يمكن تصور جهة او جماعة خالية من الأخطاء، بيد أن هنالك موازين خاصة في الكتاب والسنة ما يكفي لمعرفة الصادق من غيره.

 

* 4/ إلغاء الآخر وإقصاؤه

عدم الاعتراف بالآخر وإلغاؤه من الساحة، مرض خطير يجتاح مجتمعاتنا الإسلامية، ويهدده بالانقراض، وذلك لأن الإلغاء يساهم في إذكاء روح الاختلاف والفرقة، وهذا يعني أن المجتمع يتجه نحو الذوبان والانقراض، بفعل التنازع والاختلاف. وهذه المشكلة التي ورثناها من عهود التخلف والهزيمة، ورافقت مسيرة الأمة الإسلامية، لا نستطيع التخلص منها بسهولة، أي باتخاذ قرار آني، بل تحتاج الى شجاعة وبحث وقدرة عالية من التفاني والروح الجماعية، لكي نستطيع تجاوز حواجز الأنانية والذاتية.

إن الإقصاء يعود الى جذر حقيقي وهو سيكولوجية الخوف من الآخر التي تكتنف نفوسنا، فنحن نخاف من الاعتراف بالآخر، لعدم وجود قدرات دفاعية نتحصن بها، فأضحينا ننكفئ على دواخلنا، مفضلين ذواتنا التي قد تخالجها بعض الأخطاء على الاعتراف بالآخر والحوار معه على أسس متينة. والأمر الغريب في هذا الثابت، أن الجميع يشتكي من هذا الإلغاء والإقصاء، إلا أنه يمارسه بشتى وسائله السيئة، والأكثر بشاعة في هذا الموضوع. إن الإلغاء يمارس على صعد شاملة، بدءاً من الأدب والإعلام الى السياسة والاقتصاد، وقد يكون العمل الحزبي أحد الساحات الرئيسية لممارسة هذا الإلغاء. ومعالجة هذا الوباء يكمن في إرساء قواعد الحوار مع الآخر، وعدم التهاون بأي طرف للاعتراف به، وذلك لأن الاعتراف به يشكل الخطوة الأولى لبدء الحوار، وعدم الاصرار على إلغاء تمايز الأطراف في الساحة، لأن كل طرف له خصوصياته ومميزاته، كما أن نشر ثقافة التسامح بين الأطراف، يشكل القاعدة الأساسية للاعتراف بالآخرين، والأهم من ذلك الاحترام بين الأطراف، لأنه الطريق الأسلم للتخلص من هذا المرض.

هذه الثوابت لا تمثل الجمود بواقعه الحقيقي، فقد يضاف إليها ثوابت أخرى مثل: الاستبداد السياسي، واختلافات العاملين في الساحة، وفقدان الهوية، والخضوع للآخر الأقوى، ولكن ذلك لا يعني أن هذه الثوابت الجامدة، لا يمكنها ان تزول من الوجود، وتبقى كالجبال الراسخة في الأرض. وذلك لأن الإنسان بقدراته يستطيع تغيير الظروف لأنه هو الذي يخلق هذه الظروف، ويقدر على مقاومتها، وفي تجارب الشعوب والأمم خير دليل، على قدرة بعض الشعوب للتخلص من نير العبودية، والسير نحو حياة العدالة بعد إنهاء حياة الظلم والذل.

------------------

1- تطلع أمة ، عبدالغني عباس / ص 333.

2- المعهد الإسلامي، المرجع المدرسيw / ص 173.

3- المصدر السابق/ ص 174.


ارسل لصديق