(التصفيق) .. مهنة!
كتبه: نعمان التميمي
حرر في: 2014/06/08
القراءات: 713

من منّا لا يتذكر كيف كان الناس يهتفون ويصفقون لـ«القائد الضرورة»، و«الحزب القائد» بمناسبة ودون مناسبة، بعضهم باختيار وقناعة منهم، ولا يزالون، واغلبهم خوفاً وكرهاً، حتى غدت «ثقافة التصفيق» والهتافات، ظاهرة مرضية في المجتمع لاتزال جذورها وظلالها مستمرة بشكل وآخر، حتى بعد زوال ذلك الطاغوت ونظامه القمعي!؟ هذه الثقافة - للأسف الشديد- تكاد تكون امتيازاً وماركة مسجلة للشعوب العربية، ابتكرها وصنعها و اعطى الشهادة عليها النظام العربي بعمومه، لما وجد و لايزال بيئة حاضنة ونفوساً متقبلة.

و اخيرا ظهرت للايادي التي «أدمنت» التصفيق، مهنة مربحة، فالفضائيات العربية ـ وعلى شاكلة الانظمة ـ الموغلة في تسطيح العقول والاسفاف، بحاجة دائمة الى تسويق بضاعتها الرديئة، ومكيجة برامجها الهابطة، بجمهور بائس يتم إحضاره للاستوديوهات لتسجيل برامج حافلة بـ»التصفيق» لكل ما يطرح وما يقال وما يعرض.. فقد أظهرت دراسة حديثة أن المئات من الشباب والشابات العرب يمارسون مهنة «التصفيق» في خلفيات برامج «التوك شو» على الفضائيات كوسيلة للحصول على مردود مالي. وتفيد الدراسة، أن هذه المهنة تلقى إقبالاً كبيراً من الشباب العربي وهي في تزايد كبير يوماً بعد يوم نظراً للظروف الاقتصادية التي يمرون بها ولتدني الأجور في الأعمال الأخرى، ولتحقيق حلم الشهرة على التلفاز. ويخضع العاملون في مهنة التصفيق في برامج الـ«توك شو» لتدريبات مكثفة لاتقان «فن التصفيق»!

نعم .. انه فن! ويحتاج الى إتقان، ومن اقدر منا نحن العرب على اتقان هذا الدور! ولا ادري أ هو من حظنا العاثر وهوان انفسنا وانكسارنا الداخلي؟ أم هو من حظ الانظمة والحكومات والرؤساء والساسة ان يلاقوا أناساً تصفق على الفضائيات، مقابل مردود مالي، أو كما كان التصفيق دون مقابل في السابق، ليستمر الحال على ماهو عليه، ناس تصفق وناس تبكي على المصفقين؟!

تصفيق للرؤساء والوزراء، وللعطايا والهبات و«المنح والمكرمات» من «كيس» الوالي والسلطان! تصفيق للسياسيين والاحزاب و المحللين، لاسيما قبل واثناء كل موسم انتخابي! تصفيق لكل مؤتمر وندوة، لكل منّة بزيادة بعض الدنانير الى رواتب المنسيين، كالمتقاعدين والارامل في شبكات تسمى بـ«الحماية الاجتماعية» ولا ادري كيف وبأي شيء، ومن أي شيء تحميهم وتوفر كرامتهم وهم يلاقون الاذلال في سبيل الحصول عليها؟!

تصفيق وبهرجة لكل تعبيد شارع ثم حفره لعشرات المرات وتعبيده مجدداً، لكل افتتاح رصيف، لكل مشروع مهما كان، أنجز أم لم يُنجز، لاسيما اذا ما تم وضع حجره الاساس ليبقى كشاهدة القبر! تصفيق وتهليل لكل قانون او تقديم مشروع قانون في البرلمان ليدخل نفق الخلافات والتسويف والمساومات.

تصفيق لكل وعد كاذب بزيادة و بتحسين مفردات التموينية، او التيار الكهربائي، وسائر الخدمات. واذا بالحكومة وكبار المسؤولين المساكين - رعاهم الله من حر الصيف وبرد الشتاء- يقومون بالمسؤولية على أكمل وجهها خلال فترة الدعاية الانتخابية مستغلين نفوذ السلطة والمنصب لاستخدام المال العام في تخريب وشراء الضمائر والاصوات ، بتخصيص تلك الاراضي، وتمليكها بل و مساومة الناس عليها، كما فعل نائب ومرشح أجد من العار تسميته «قاضي»، وهو يبتز المساكين في حقهم و حاجتهم لكي ينتخبوه وقائمته مقابل وعد بتمليكهم بضعة امتار من ارض بلادهم. بينما تغدق السلطة على رموزها وحواشيها و أبواقها بقصور على ضفاف دجلة وفي أرقى مناطق العاصمة، والمحافظات، تحنناً على هؤلاء المساكين الذين يعانون من ازمة سكنية خانقة!

 انها مسرحية «التصفيق» التي تكاد تتحول الى مهنة، لكل شيء وعلى كل شيء.. تصفيق احيانا بإرادة، و أحيانا كرهاً واستلابا، وفي كثير من الاحيان «على حس الطبل..»!  و تطبعاً واعتيادا، او  كالهلوسة،  دون ان نعرف لماذا، ومن أين والى أين! و «رَحِمَ الله امرءاً عرف من أين وفي أين وإلى أين».


ارسل لصديق