على ما اجتمع الناس..؟
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2014/07/06
القراءات: 874

كما عودوا الناس في حضورهم ومواقفهم ونشاطاتهم.. لا يستثنون احداً في المجتمع، ولا قضية على الارض، ولا همّاً في النفوس، فهم في الاتراح والافراح، وفي الشدّة والرخاء. موجودون في مراسيم الزواج، كما لهم حضورهم في المآتم، لهم علاقاتهم مع الطفل والشاب والمرأة في الشأن الاجتماعي - التربوي، ومع الفقير والغني في الشأن الاقتصادي، ومع المسؤول في الدولة في الشأن السياسي، كما لهم اهتمامهم بالجانب الانساني واحترامهم للفن والأدب و الابداع. ثم اذا داهم البلد، خطر من وراء الحدود، بهجوم عسكري، او حتى من داخل الحدود بهجوم ثقافي - فكري، فانهم ايضاً موجودون في الساحة. وبالنتيجة؛ اذا كانوا ذوي حضور فاعل وناجح في ظروف السلم والاستقرار، فانهم كذلك في ظروف الحرب واللااستقرار.

هكذا هي المرجعية الدينية، والحوزة العلمية في تاريخها، فكما هنالك التشجيع على فنون البناء والعمران وغيرها في اصفهان، وطلب العلم والجد والاجتهاد في النجف الاشرف ومدينة الحلّة وبغداد وغيرها من حواضر العلم، كان هنالك الموقف الثوري - الرسالي من كربلاء ومن سامراء المقدستين، بمقاومة الاستعمار البريطاني في العراق وايران.

هذا السجل الحافل بالمنجزات والتضحيات، تعرض للحجب عن الذاكرة بسبب الظروف السياسية القاهرة التي وضعت الناس في دوامة الازمات والبحث عن لقمة العيش والامان وفرصة العمل وغيرها من اسباب الحياة الطبيعية، فأي شيء يخطر على البال، مرتبط بالسياسة والحكومة والدولة.. فهي المتحكمة بالمال والثروة الوطنية وتشرع القوانين وتفرضها على الواقع، حتى خُيّل الى الناس أن لا مكان لعالم الدين في الحياة، لانه لا يتكلم فقط - حسب الترويج السابق- إلا عن الحلال والحرام وما يجب فعله او تركه. بيد أن الريح الصفراء التي هبت من غرب العراق، كانت سبباً في إزالة تلك الحجب ليتبصر الناس ثانية حقائق هامة في العلاقة بين الحوزة العلمية والمجتمع. 

إن التلبية الواسعة والسريعة لنداء المرجعية الدينية في العراق للتطوع والتهيؤ لقتال الجماعات التكفيرية، وإصدار فتوى «الجهاد الكفائي»، كشفت حقيقة - من جملة حقائق- وهي أن المجتمع في العراق، والامة بشكل عام، لن تكتسب عنصر التماسك والتلاحم ثم القوة، إلا من خلال تغذية جذور الفكر والثقافة، لتتشكل البنية المعرفية والمنظومة الاخلاقية المتكاملة، وبالنتيجة تكون الثمرة، مواقف رصينة ورؤية محددة ومسددة - ولو بشكل نسبي- فقد جرّب الناس السياسة والامن والاقتصاد، ولكل واحدة من هذه المفردات أهميتها وتأثيرها الواسع في الحياة. لكن لا يلبث الناس يجرون لفترة من الزمن خلف هذه او تلك، حتى يكتشفوا انهم يسيرون في طريق مسدود، والنتيجة هي التشظّي والتشرذم أمام الجدار الاخير، فبدلاً من ان تكون المشاركة في العملية السياسية أو الانصياع للاجراءات الامنية او الاجراءات الاقتصادية، عاملاً لخلق المصير الواحد لمجتمع واحد، باتت بشكل واضح سبباً لتكريس الذاتية في المصالح، وانتشار حالة اللامسؤولية لأن لسان حال الواقع؛ أن لا مسؤول هناك..! فكل خطأ يحصل في هذا البلد، لا أحد يتحمل مسؤوليته في الإصلاح والتغيير.

الحقيقة؛ إن تجربة التفكير بإمكانية تحقيق السعادة بحفظ المصالح الخاصة والحصول ما أمكن على الامتيازات، أدى إلى التفكير بان الشقاء هو الشيء الوحيد الممكن حصوله في العراق. لذا لابد من التفكير في مكان آخر أفضل وأكثر أمناً..!

كاد العراق ينفجر بأهله ألماً ويأساً من الحياة، حتى جاءت التجربة الذهبية في الفرصة الذهبية التي يتقن علماء الدين الاستفادة منها، بناءً على تجاربهم التاريخية الثرية، فأعادوا الهدوء والاطمئنان إلى النفوس عندما ذكروهم بالجذور الحقيقية للقوة والحياة، وهي العقيدة الحقّة التي اصلها ثابت وفرعها في السماء، فقد اكتشف الناس أن ما يواجهون به التكفير والعنف الدموي والتضليل وكل اسباب الانحراف الفكري، ليس الامتيازات المالية والتحالفات السياسية، إنما بالقيم والمبادئ التي جاء بها النبي الأكرم، واهل بيته، صلوات الله عليهم. وعندما نلاحظ التفاعل الكبير والتاريخي، للشباب والكبار والنساء، والجميع يبدون استعدادهم للتضحية لمواجهة المتضررين من سقوط صدام، نعرف أن الناس اكتشفوا الاهداف الحقيقية التي يجب الدفاع عنها، بعد ان التقوا بما يوحدهم في هذا الطريق. 


ارسل لصديق