الخطبة النبويَّة الرمضانية و شمولية الأبعاد الانسانية
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2014/07/16
القراءات: 999

تُعد الخطبة النبوية الشريفة التي استشرف بها الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وآله، شهر رمضان المبارك في آخر جمعة من شهر شعبان المعظم، مدرسة شاملة ومتعددة الابعاد والمستويات في تربية وتنشئة الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس.

ولقد دأب أئمة الهدى، عليهم السلام، على تذكير الأمة بهذه الخطبة المباركة لما تشمل من أبعاد وآفاق معنوية وتربوية واجتماعية وجهادية، يمكن استلهامها من معين النصّ النبوي الشريف وهو يتحدث عن عظمة الضيافة الرمضانية الكبرى.

فالخطبة يرويها مولانا الامام ثامن الحجج علي بن موسى الرضا، عليه السلام، عن آبائه، عليهم السلام، عن مولانا علي بن ابي طالب أمير المؤمنين، عليه السلام، عن خاتم الرسل النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، والتي يقول فيها: «إن رسول الله، صلى الله عليه وآله، خطبنا ذات يوم في آخر جمعة من شهر شعبان...»، ثم يشرع، عليه السلام، في ذكر نصّ الخطبة النبوية الشريفة التي ترويها اكثر كتب المسلمين مع اختلاف في بعض النصوص وتضعيف من قبل مدرسة السلف، كـ «الالباني» وغيره فيما يرويها الشيخ الصدوق في ثلاثة من كتبه، وكذلك العلامة المجلسي في «بحار الانوار»، وغيرهما لسبط رسول الله، على أبعاد الضيافة الرمضانية المباركة بقوله:

 

* البشارة والضيافة

«أيها الناس انه أقبل اليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة شهر هو عند الله افضل الشهور، وايامه من افضل الايام، ولياليه افضل الليالي، وساعاته افضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه الى ضيافة الله..».

فهنا يبين الرسول الكريم ،صلى الله عليه وآله، مغزى البشارة الالهية الرمضانية من خلال عبارة «أقبل اليكم»، باعتبار أن الذي يُقبل يحمل نوعاً من البشرى للمستقبلين، وكذلك يشير الى أن المستقبلين كانوا في انتظار قدومه المبارك، وهذا يعني ان الضيف الرمضاني القادم، يحمل أغلى الهدايا التي سوف يقدمها للمستقبلين لا يمكن قياسها بأي نوع من انواع الهدايا الاخرى التي يتداولها الانسان في حياته اليومية.

ان شهر رمضان أقبل مبشراً ومهدياً للامة المؤمنة، بل للناس جميعاً، بهدية الرب، التي لا تعوض، ألا وهي البركة، والرحمة، والمغفرة، ومن هنا لابد ان تكون ايامه ولياليه وساعاته من افضل الايام والليالي والساعات، بحيث لا يمكن للانسان ان يستغني او يرتوي من المعين والضيافة الالهية الرمضانية، فقد وضع في مائدتها ليس طعاماً مادياً شهياً، كان قد اعتاد عليه الانسان طيلة الـ (11) شهراً الماضية، بل انه طعام من نوع آخر و ذوق آخر، يستذكر المؤمن من خلال تناوله له لذائذ البركة والرحمة والمغفرة الربانية التي تقربه لله سبحانه وتعالى ونعيم جنانه.

ثم يخاطب النبي، صلى الله عليه وآله، الكريم جموع الامة واصفاً مكانتهم ببركة هذا الشهر الفضيل بقوله: «وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله». وهذا يعني ان الاسلام يستهدف تحقيق الكرامة الانسانية من خلال الكرامة الالهية، وعلى كافة المستويات و الصعد، خلال التكوينية والتشريعية والحياتية والأخروية، بفضل تطبيق واستيعاب لباب ومغزى دروس وبرامج شهر رمضان.

ان تحقيق «الجعل الالهي»، برقي السلم الى مرقى «اهل كرامة الله»، يرتبط بالاهداف الكبرى والغائبة، من خلق الكون والخليقة، كما صرح كتاب الله العزيز، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}، و لشهر رمضان الكريم الدور المحوري والمفصلي في إظهار وتحقيق هدف الكرامة الالهية للصائمين في هذا الشهر الفضيل.

 

* التوازن بين الدنيوي والأخروي

و يربط النص النبوي الشريف بين العلائق البشرية في البعدين الدنيوي والأخروي، وهي أهم حاجة يتغافل عنها انسان اليوم وحضارة اليوم المادية، التي تشرّع وتقنن وترسم لحياة الانسان في هذه الدنيا العابرة، بمعزل عن ماورائيات اللذات الفانية بقوله، صلى الله عليه وآله: «واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه». وهذه اشارة واضحة من النبي الكريم الى ضرورة الاستعانة بالصوم لاستقبال اهوال يوم القيامة والاعداد النفسي والروحي لذلك اليوم الخالد والازلي، وان لا قيمة لمنظومة عقائدية بشرية تهندس لحياة الانسان، وهي عاجزة عن توفير وتحقيق الاطمئنان النفسي لهذا الانسان بعد حياة عابرة ومؤقتة.

ويمضي النصّ النبوي الشريف في وضع ركائز ومقومات بناء صرح الامة الاسلامية عبر التأكيد على منظومة التكافل الاجتماعي، كونها الضمانة الاكيدة للتعايش الآمن والعيش الكريم بقوله، صلى الله عليه وآله، «وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم ووقروا كباركم وارحموا صغاركم وصلوا ارحامكم واحفظوا ألسنتكم وغضوا عما لا يحل النظر اليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع اليه اسماعكم وتحننوا على ايتام الناس يتحنن على ايتامكم»، وهذا ما تفتقر اليه الايديولوجية البشرية الوضعية، بحيث لا مكان في أدبياتها للتراحم وحب الفقير والعطف على الصغير وتوقير الكبير وتبني الايتام على أنها شريحة تستحق الكرامة الانسانية، كما لا مجال لعفة العين واحترام الآخر ليس على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي، بل حتى على المستوى الشخصي بحيث يمتنع المؤمن عن النظر المغرض و «الوقح» للآخر، وذلك لتعارضه مع ثقافة «الحرمة»، والاحترام التي أرسى الاسلام قواعدها.

ثم يشير النصّ النبوي الشريف في الخطبة الرمضانية الى قانون «الفعل والجزاء»، في البعدين الدنيوي والأخروي وفق سلطان السنن الالهية، وتحت رقابة الرب المتعال، قبل مراقبة قوانين البشر لافعال الناس ومكافأتهم وفق افعالهم، فيقول، صلى الله عليه وآله، «أيها الناس.. من فطر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه. قيل: يا رسول الله. وليس كلنا يقدر على ذلك، فقال عليه السلام: اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة ماء.. أيها الناس.. من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جوازاً على الصراط يوم تزل فيه الاقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه، خفف الله عليه حسابه، ومن كفّ فيه شرّه، كفّ الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع عنه رحمته يوم يلقاه ومن تطوع فيه بصلاة، كتب الله له براءة من النار ومن أدى فيه فرضاً كان له ثواب من أدى سبعين فريضة، فيما سواه من الشهور، ومن اكثر فيه من الصلاة علي، أثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين، ومن تلا فيه آية من القرآن، كان له أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور..».

وهكذا؛ يحثّ، صلى الله عليه وآله، الامة بشرائحها كافة للانخراط في مشروع؛ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ، الذي يرسي أسس وركائز بناء المجتمع الصالح والمتماسك الذي لا يعرف التصدع.

 

* ثمن الجنة

ويعرّج النصّ النبوي الشريف الى جنان الخلد التي يصبو اليها كل الناس إلا انهم متناسون شروط الرقي الى سماء الرحمة الالهية والاستزادة من نعيم الرب الخالدة، فيقول، صلى الله عليه وآله: «أيها الناس.. ان ابواب الجنان في هذا الشهر مفتحة، فسلوا ربَّكم ان لا يغلقها عليكم، وابواب النيران مغلقة، فسلوا ربَّكم ان لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فسلوا ربَّكم ان لا يسلطها عليكم»، مشيراً، الى ابتداء الرحمة الالهية، بفتح ابواب الجنان لكل العباد وبدون استثناء في هذا الشهر الفضيل، وغلق كافة ابواب جهنم ولكافة العباد في هذا الشهر المبارك، وايضاً تكبيل حركة الشياطين، خلال ايام وليالي وساعات هذا الشهر العظيم. وما على المؤمن إلا ان يسعى للاستفادة من هذه الفرصة التاريخية الكبرى لمسح كافة الذنوب وترك المعاصي والتوبة النصوح لله، والتعاهد مع الرب المتعال بعدم العودة للمعاصي واقتراف الذنوب لئلاّ تغلق ابواب الجنان وتفتح نيران جهنم وتنفلت الشياطين - لا قدر الله -.

وهنا ينبري رمز الولاية وبطل ميادين الجهاد، الأصغر منه والاكبر، ألا وهو أمير المؤمنين، عليه السلام، بقوله: «يا رسول الله! ما أفضل الاعمال في هذا الشهر؟ فقال، صلى الله عليه وآله: يا ابا الحسن..! افضل الاعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل». ثم بكى.. فقال: يا رسول الله؛ ما يُبكيك؟ فقال: يا عليّ! أبكي لما يستحلّ منك في هذا الشهر، كأني بك وأنت تصلي لربّك، وقد انبعث أشقى الأولين، شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك ضربة على قرنك، خضّب منها لحيتك، فقال أمير المؤمنين، عليه السلام: يا رسول الله! وذلك في سلامة من ديني؟ فقال، صلى الله عليه وآله: في سلامة من دينك».

وبذلك تكون خطبة النبي الأكرم الخاصة في شهر رمضان المبارك، مناسبة لإعلان كشف نبأ استشهاد مولانا أمير المؤمنين وخليفته من بعده، بل وكيفية حادث الاغتيال الغادر، ويكون النبي أول المعزين له خلال هذه الخطبة، ومؤكداً مبدأ راسخاً بان خليفته من بعده لا يهمه من مشروع الخلافة والولاية والامامة من بعده إلا سلامة الدين.


ارسل لصديق