في الطريق الى التبليغ .. استقامة المسيرة واعتدالها
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2014/07/17
القراءات: 775

تواجــــــــــه المبلغين الكثير مـــن المعوقات في طريق أداء رسالتهم الدينية السامية، الامر الذي يتطلب ازالتها، في محاولة للحفاظ على استقامة المسيرة واعتدالها وسلامتها من الانحراف، ولاستحصال أكبر الفوائد، وليتسنّى لخريجي الحوزة العلمية اتباع طريق المعرفة من منابعه الصافية، متمثلة في الكتاب والسنة المشرفة.

إن طلبة الحوزة العلمية أكثر قدرة من غيرهم على اكتساب المعارف الإلهية بالإضافة إلى العلوم الأساسية من الفقه والأصول واللغة العربية والمنطق، وايضاً اكتساب الفضائل والأخلاق، والتزام النهج والطريق الذي مضى عليه الأئمة المعصومون، عليهم السلام. لذا فان التركيز على الجانب العلمي والمعرفي لدى المبلغين يكتسب اهمية كبيرة لتحقيق الهدف المنشود.

 

* العلم حصانة المجتمع

اهتم الاسلام، أيما اهتمام بطلب العلم، لاسيما علوم القرآن الكريم الذي أنزله الله - تعالى- على صدر النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، لنتدبر بآياته المباركة، استجابة لدعوة القرآن: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (سورة القمر/22)، واذا كانت الدعوة للجميع، فان طلبة الحوزة العلمية وعلماء الدين أولى من غيرهم بدراسة كتاب الله، و إيصال المفاهيم القرآنية إلى الناس،  ليتسنى الناس السير على خطى الأنبياء السابقين والصالحين الذين سبقونا بالإيمان، يقول تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، (سورة الواقعة /9-10)، أي ان السابقين إلى فعل الخيرات في الدنيا، هم السابقون إلى جنات النعيم في الآخرة، وبذل الغالي و النفيس من أجل تحصيل هذا العلم للوصول إلى مقــــام رفيع وسـامٍ، وهو مقام العاملين في سبيل الله، حتى يكون العلماء بقدر المسؤولية، كدعاة للحق تجاه الامة التي تتكالب عليها الفتن كقطع الليل المظلم، وفي المقدمة الشعب العراقي الذي يتعرض لمحاولات ومساعٍ من دعاة التطرف والتضليل، لدفعه نحو الانحراف الثقافي والديني والخلقي وفصله عن هويته الحضارية، وإعادته إلى الجاهلية الاولى، قبل الإسلام، كما كان أسلافهم معاوية ويزيد، لتسهل قيادته بالشكل الذي تهوى به أنفسهم وتحقق مصالحهم ومصالح الجهات التي تقف خلفهم.

من هنا؛ ينبغي على رجال الحوزة العلمية ان يكونوا مجدّين للحفاظ على منزلة «عالم الدين»، الرفيعـــــــة، وعلى مكانــــة الحوزة العلمية، وأن يلتزموا بضوابطها، بما يحقق نشر كلمة الله - تعالى- و رفع راية الفضيلة والهدى في الأرض، وهذه مهمة رسالية عظيمة، تستقي الحوزة جذورها من مهمة الانبياء والاوصياء، وتحديداً من الرسول الأكرم وأهل بيته، صلــــوات الله عليهم.

وقد أكدت النصوص الواردة عن النبي، وأهل بيته الكرام، عليهم السلام، أهمية العلم. جاء عن النبي الأكرم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة». وهناك الكثير من النصوص والآيات التي تشير إلى تبجيل أهل العلم والعلماء ورفع شأنهم وبيان ما لهم من مقام كريم عند الله ورسوله وأوليائه، ولهم الأجر العظيم والثواب الجزيل والثناء الجميل، قال تعالى: «انما يخشى الله من عباده العلماء»، وقول النبي الأكرم: «إذا كان يوم القيامة وزن مداد العلماء بمداد الشهداء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء»، وقوله، صلى الله عليه وآله: «يجيء الرجل يوم القامة وله من الحسنات كالسحاب الركام أو كالجبال الرواسي فيقول : يارب أنى لي هذا ولم اعملها ؟ فيقول عز وجل : هذا علمك الذي علمته الناس يعمل به من بعدك».

ان بعض رواة الحديث من أصحاب الأئمة الأطهار المعصومين، عليهم السلام، من أهل الثناء الجميل والمدح العظيم، يوصفون بانهم نجوم الشيعة، وهم مستودع أسرارهم، عليهم السلام، فبهؤلاء تكشف كل بدعة ويدفعون عن الدين أباطيل المبطلين وتأويل المغالين، والله تعالى يصرف بهم عن أهل الأرض السوء، فما بالكم بالعلماء الابرار في عصر الغيبة وعصر تكالب الفتن حيث لا إمام ظاهر يرجع إليه ويُستضاء بنوره في ظلمات الجهل والشبهة والفتن والمحن.

إذا كان للمؤمنين عموماً في كل عصر، عند الله تعالى الشأن العظيم والمقام الرفيع حتى ورد في حديث عن الإمام زين العابدين، عليه السلام، في قوله لخالد الكابلي : «..ياخالد إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان، لأن الله تعالى أعطاهم من العقول والأفهام و المعرفة فصارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا والدعاة إلى الله سرا وجهرا». فإذا كان هذا مقام المؤمنين، في عصر الغيبة، فكيف يكون مقام علمائهم الذين يقول عنهم رسول الله، صلى الله عليه وآله: «علماء امتي كأنبياء بني اسرائيل»، وهم المخلصون الذين  يذكرون الناس بالله تعالى ويدعونهم إليه ويدلونهم عليه ويقربونهم منه ويوضحون لهم معالم دينهم وأصول عقائدهم واعمالهم ويرشدونهم في حال حيرتهم ويدفعون عنهم عادية الضلالات والشبهات والفتن.                  

 

* الاستعداد للاختبار

كلما ارتفع مقام الإنسان، وعظم شأنه وزادت معارفه وكثرت نعم الله عليه، تعرض للامتحان العسير حيث يصير اكثر من غيره عرضة للهوى وضغط النفس الامارة بالسوء ونزغات الشيطان، عند ذلك يلزم منه الحذر الشديد حتى لا يقع في المنزلقات المحيطة به لأن المسؤوليات الملقاة على عاتقه، أشد وأعظم، حتى ورد أنه يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد.

وعن النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، أنه قال: «وأن أهل النار يتأذون من نتن ريح العالم التارك لعلمه وأن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله سبحانه فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الجنة وأدخل الداعي إلى النار بتركه علمه واتباعه هواه وعصيانه لله تعالى». عند ذلك يشمله قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. (سورة الجمعة /5)

ان طلبة العلوم الدينية، عليهم ان يتعوذوا من أن يثيروا سخط الله - تبارك وتعالى-.. من هنا نستعرض بعض الامور التي تفيد الطالب في حوزته والمبلغ في وظيفته:

أولاً: تقوى الله: وكانت هذه وصية من الله تعالى حينما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. (سورة آل عمران /102)

لأن الأنسان معرض لدواعي النفس الامارة بالسوء ونزغات الشيطان الرجيم. وكلما كان موقع صاحب العلم أعظم في المجتمع، كان تعرضه للاختبارات والفتن أكثر، وكانت حاجته للتقوى أشد لان لرجل العلم ميزة تختلف عن غيره من الناس في ذلك لحصوله العلم ومعرفته بمقدمات الاحكام الشرعية وكبرياتها.

ثانياً: الاخـــــــلاص لله تعــــالى وحسن النية والاهتمام بالحقائق العلمية فان بها زكاة الاعمال: ان القليل من العمل مع الاخلاص خير من العمل الكثير من دون اخلاص كقوله عز وجل: {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، (سورة المائدة /100)

من دواعي الاخلاص، القدرة عليه، وهي نعمة من الله تعالى، والأجر عليه أعظم منه، ولا يقع ذلك إلا إذا وقع هذا العمل لله، وكلما كان العمل لله - تعالى- أقوى في الإخلاص وحسن الظن به، كان أحق أن يحصل على توفيقاته - تعالى- وتسديداته وتأييداته.

ثالثاً: تربية النفس وتهذيبها وتقربها من الله تعالى، وفي ذلك احاديث كثيرة عن المعصومين، عليهم السلام، منها، التفكر بالله تعالى، يقول الامام الصادق، عليه السلام، «التفكر يدعو إلى البر والعمل به»، ومنها أن يجعل الانسان نفسه ميزانا بينه بين غيره كما في وصية أمير المؤمنين لأبنه الحسن، عليهما السلام: «يا بني لا ترضَ لغيرك ما لا ترضاه لنفسك».

رابعاً: رجل العلم والمبلغ يعيش كسائر الناس أجواءً مشحونة بالعادات والتقاليد والاعراف قد تكون فيها بعض المفارقات والسلبيات تخرجه عن الاولويات المطلوبة شرعا، وهذا الامر لا يمكن تجنبه كليا ولكن الاقتصار على قدر الضرورة.

وعموما لابد للمؤمن عامة ورجل الدين خاصة، ومن هو في موقع القدرة بين الناس، أن يكون على بصيرة كاملة من أمره في جميع تصرفاته وأن يجعل الله تعالى نصب عينيه، فهو العالم بالسرائر ومطلع على الضمائر وهو ولي النعمة و ولي التوفيق.


ارسل لصديق