شهر الصوم .. منطلق للتغيير والانجاز
كتبه: سماحة السيد محمود الموسوي
حرر في: 2014/07/17
القراءات: 925

يكثر الحديث عن تحقيق المنجزات في حياة الإنسان، و يقترح الكثير من الباحثين والعلماء كل من جهة اختصاصه، ببرمجة معيّنة، ومنهجية خاصة تؤثّر في الذات الإنسانية، من خلال الإستفادة من كوامن الإنسان والأسرار الإعجازية التي أودعها الله تعالى فيه، كقوة يمكن أن تتحوّل إلى طاقة جبّارة في تحقيق الأهداف الكبرى.

فهنالك الكثير من الأهداف والغايات التي ينظر إليها الإنسان بعين العجز والضعف، فتضعف عزيمته عن الإقدام على البدء، حتى بأوّل الخطوات نحوها، فضلاً عن المحاولات اليائسة والخجولة التي لا تحقق إلا عذراً للنفس، فيظن الإنسان أنه قام بعمل ما، عن طريق المحاولة، ولكنه مني بالفشل الذي لم يكن بسببه.. فيبرّر لنفسه عدم انجازه بتلك المحاولات.

فيدّعي عندها أنه عاجز عن انجاز العمل المنشود.

نحن مطالبون بالإنجاز في شتّى ميادين الحياة، فنحن مسؤولون عن أعمالنا، ونُثاب على فعل الخيرات بدرجاتها وسعتها، سواء على مستوى الذات، (تربوياً، وإيمانياً، وفكرياً، وعلاقاتياً) أو على مستوى المجتمع وخدمة الأمة والقيم الكبرى التي أسّسها الدين الإسلامي، ليحيا الإنسان حياة طيبة، وتهطل عليه البركات من فوقه ومن تحت أرجله، وقد قال تعالى:

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}.

 

* شهر رمضان.. برنامج انجاز

شهر رمضان، كنظام تشريعي دقيق، كتب الله تعالى على المؤمنين صيامه، يمكن أن نستلهم منه مجموعة من القواعد الهامّة لتحقيق الإنجازات في الحياة، لأن شهر رمضان جاء ليحقق غاية عظيمة عبر برنامج متكامل يستغرق شهراً كاملاً، وعبر مجموعة من الإلتزامات التي يؤديها الإنسان ليصل إلى ذلك الهدف، ويمكننا من خلال التدبّر في الآيات القرآنية التي تحدّثت عن شهر رمضان وعن الصيام، أن نكتشف مجموعة مهمّة من أسرار الإنجاز.

إن الهدف من الصيام في شهر رمضان هو الوصول إلى صفة التقوى، وأن يكون الإنسان من المتقين، حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

فإن جميع تفاصيل البرنامج الرمضاني بتشريعاته وآدابه المعنوية، إنما تسير في اتجاه دعم هذا الهدف، وهي أعظم غاية يصل إليها الإنسان، لأنها مفتاح الحياة الدنيا ومفتاح الحياة الأخرى، وعندما يكتسبها الإنسان فإنه سينال الرضا الإلهي بحيث يكون من المقرّبين وفي جنّات النعيم، بالإضافة إلى أن شخصيته ستكون شخصية فاعلة تتحدّى الصعوبات وتشق طريقها نحو الإنجاز.

فعندما نحرص على التقيّد بآداب شهر رمضان، فإنه سوف يزوّدنا بشيئين:

الأول: مفتاح الإنجاز: يقول تعالى: {َمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.

وقال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}.

فالإنسان المتقي تنفتح له البركات الإلهية وينطلق من خلال أبوابها الواسعة، وهذا ما يكوّنه برنامج الصيام بآدابه.

حيث يعطينا شهر رمضان المبارك عندما نحقق غايته، مفتاحاً للإنجاز، يمكننا أن نفتح به الكثير من الأبواب الموصدة التي نظن أنها عصية على الفتح؛ لأن الإنسان المتقي يفتح الله له التوفيقات، ويكسبه مواصفات تساهم في إعطائه القوة والقدرة على الفتح. الثاني: الحصانة من الفشل: حيث سيكون في حصن الله المنيع ولن تجرفه أمواج الفكر الضال أو أهواء النفس أو وساوس الشيطان، ولن ترديه المحبطات والمعوقات المختلفة إلى أن يخلد إلى الأرض، كما يقول عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}.

 

* صياغة الذات ومنهجتها منطلق الإنجاز

إن المنهجة، هي أن يسير الإنسان وفق نظام مدروس وطريق معروف، وخطّة محكمة معدّة سلفاً للوصول إلى هدف ما، وعندما تخلو الأعمال من المنهجة، فإنها ستتصف بالفوضى والعبث، أو أنها ستكون غير محكمة، وأعمالنا لابد أن تصاغ وفق برنامج مدروس ونظام دقيق، لكي نحقّق أهدافنا، والنفس الإنسانية هي ذات الإنسان التي ينطلق إليها أولاً، وينطلق بها ثانياً، فعندما تكون في حالة منظّمة وواعية لأسرار الإنجاز وعارفة أبواب النجاح، وعندما تصاغ وفق ذلك المنهج، فإنها ستقود إلى التقدّم المستمر.

وشهر رمضان، هو عبارة عن خطّة لمنهجة الذات وتهيئتها، لأنها المنطلق للتغيير، و للفاعلية بإيجابية في الأعمال الأخرى، فإن الله تعالى يقول: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. فالنفس هي منطقة البداية في مشروع التغيير الشامل في شتّى المجالات، والإمام علي، عليه السلام، يقول: «أقوى الناس أعظمهم سلطاناً على نفسه».

والنفس هي الحالة الواعية والقوّة العقلية المدركة لدى الإنسان، والتي تستفيد مما حولها من إمكانات لخلق قوة دافعة بإتجاه الإنجاز، من خلال معرفة الإنسان بكوامن ذاته وعظمتها، ومقدرتها على فعل الكثير، وأن الذين أنجزوا ونجحوا في شتى الميادين ليسوا استثناء في دائرة البشر، ولكن الفاشلين والكسالى والمعوّقين هم الإستثناء، فلقد كرّم الله بني آدم على جميع خلقه، وأودع فيهم العقل والإرادة، وضمن لهم اجتراح المعجزات من الأعمال، وضمن لهم الهيمنة على قساوة الطبيعة، إذا ضمنوا له ثلاثة أشياء:

الأول: تزكية النفس.

قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.

الثاني: مسؤولية النفس.

قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}.

الثالث: استقامة النفس.

قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً}.

فـــــالبـــــركـــــات والإنجــــــــــازات والنجاحات كلها بانتظار الإنسان، وعليه أن يبدأ بالخطوات الحقيقية التي توصله إلى تحقيقها، وشهر رمضان هو فرصة لتكوين شخصية منجزة بذاتها.

 

* البرمجة والمنهجة

البرمــــــجة خطـــــوات لعمــــــــــل مخصوص ومعيّن، أمـــــا المنهجة فهي برمجة شاملة أي أن هذه الخطوات تكون منهاجاً عامّاً للكثير من التطبيقات الخارجية، يمكن أن تستفيد منها في تحقيق مقاصد عديدة.

وبرنامج شهر رمضان كما هو في القرآن الكريم، يعطينا منهاجاً يمكن أن نستفيد منه في تحقيق الكثير من الإنجازات، لما فيه من القواعد العامّة، فشهر رمضان الكريم، هو برنامج للإنسان لكي يصبح متقياً، ولكن آياته في القرآن الكريم تمثل منهاجاً أشمل، يمكن أن نطبق قواعدها على الكثير من الأعمال والمشاريع، لما فيها من نور يسعى ويتعدّى لسائر شؤون الحياة.

فإن النظر للمنهج القرآني في برنامج شهر رمضان، والإستفادة من معطياته العامة، هي بمثابة ما إذا رأينا برنامجاً ناجحاً في موضع ما، فاستفدنا من التجربة واستفدنا من الأفكار التي قام عليها ذلك النجاح، ولعل هذا يشمله التأدب والتخلّق بأخلاق الله تعالى.

إن ما سنقوم به من الإستفادة من برنامج شهر رمضان وقواعده في الإنجاز وتحقيق الأهداف، تماماً مثل ذلك المدير الأمريكي الذي كلّف بأن يذهب إلى اليابان عندما لاحظوا التقدّم الكبير في عالم الصناعة، ليرى ماهي القواعد التي اعتمدها المدراء في تلك الشركات الكبرى، التي جعلتهم ينطلقون في عالم الصناعة، فبحث عن القواعد وسجلها في كتاب أسماه «فن الإدارة اليابانية»، لكي يطلع عليها المدراء الأمريكيون ويستفيدوا منها.

 

* لا تنسَ مصدر النجاح

معرفة مصدر النجاح الحقيقي يجعل الإنسان متصلاً بذلك المصدر ليستمد منه القوّة ويستعين به في مسيرة النجاح، فأنت من يقوم بالتغيير وأنت من يحقق الإنجاز، كل هذا صحيح، إلا أنك لست مصدر ذلك النجاح والإنجاز، و واهم من يقول عكس ذلك، فإن النجاح من الله تعالى، وهو الذي يغيّر واقع الإنسان، وبفضله تهطل البركات، وما نقوم به نحن إنما هو تهيئة القابلية والعمل بالأسباب لكي نستوعب تلك القوّة الربانية عبر التوفيق في أعمالنا، كما يقول الإمام الجواد، عليه السلام: «المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله، و واعظ من نفسه، وقبولٍ ممن ينصحه».

أهمية معرفة هذه الحقيقة، هي لكي لا ننسى فضل الله علينا ولكي نتصل به بالدعاء والتوكل والإستعانة بشكل دائم، ولكي لا نضخّم ذواتنا إلى حد التأليه، فبعض الفرق والمناهج بالغت في الأنا حتى أصبحت تؤلّه الذات، حتى يشعر الإنسان كأنه هو المتصرّف الأول والأخير في نفسه وفي الكون ليأخذ شعوراً وهمياً بالإنجاز وما هو بإنجاز، وما هذا إلا انحراف عن النهج القويم.

يقول الإمام زين العابدين، عليه السلام، في دعائه: «..ومن توجّه بحاجته إلى أحدٍ من خلقِك أو جعله سببَ نُجحِها دونَك، فقد تعرّض للحرمان واستحق من عندِك فوتَ الإحسان».

من هنا؛ فان مسيرة النجاح بطبيعتها تحتاج إلى الإيمان بمجموعة من القواعد ومن ثم إنزالها إلى الواقع التطبيقي والإستمرار عليها، وكل طالب للنجاح أو لإنجاز تغيير ما، في واقع ما، يحتاج إلى تلك القواعد التي تشكل مفاهيمه، وهذه الخطوة الهامة تحتاج إلى معرفة وإطلاع على المفاهيم الدينية التي نؤمن بها، لكي لا تدخل بعض المفاهيم المغايرة والمناقضة لمقاصد الدين في وسط الطريق، كما هو الحاصل في كثير من المناهج والدورات المهتمة بشأن النجاح وصياغة الإنسان وما شابه ذلك، فقد يعتقد الإنسان بمفهوم مخالف للحق، بينما الحق هو الميزان وليس الواقع، فقد يكون الواقع سقيماً حتى لو كان له تأثير على مستوى من المستويات، وهذا قد يجعل الإنسان ينحرف في تفكيره وفي فهمه للنصوص الدينية، بحيث يفهمها من خلال تلك القاعدة وذلك المفهوم الذي تعلّمه، وهذا من مصاديق التفسير بالرأي والتأويل الخاطئ.

 سُئل الإمام الصادق، عليه السلام، عن قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}، ما طعامه؟ فقال: «علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه».

 

* يسألونك عن النجاح

هل إن كل ما يحقّقه الانسان يمكننا أن نسميه نجاحاً؟

 بالطبع ليس الناجح هو كل من ينجز شيئاً بغض النظر عن ماهية ذلك الشيء، وإلا كان السارق المحترف ناجحاً، فالبعض ينبهر بالمنجزات أو بالأشخاص ذوي الشهرة الاجتماعية أو السياسية أو العلمية، ويقيس بعد ذلك أعمال كل الناس من خلال منجزاتهم، بينما ينبغي أن نحقق في مفهوم النجاح الحقيقي والمطلوب، كأن ينجح الإنسان في الخير وأن ينجز شيئاً بالوسائل السليمة، ومن دون التخلّي عن القيم الربانية التي يؤمن بها، لذلك أنت عندما تحاول أن تنجز ويكون العائق لبلوغك ذلك الإنجاز هو عدم تخليك عن القيم، فأنت هنا قد حققت نجاحاً، حتى لو لم يعتبره الناس كذلك، لأنك حافظت على قيمك، وهذا يكفي في زمن يراد أن تسلب منك كل قيمة إلهية.

 

* النجاح الأكبر

قد يؤسس شخصٌ ما، شركة ضخمة أو يمتلك عشر شهادات عليا، إلا أنه لم يربِ نفسه تربية صحيحة، فإنه سيد الفاشلين، لأن الإنسان وتربيته هو المحور، وهو الأساس فما الذي ستربحه إذا خسرت نفسك، فالنجاح لا يقاس بالمقاييس المادية وحسب، وإنما النجاح الأكبر أن يصيغ الإنسان شخصيته ويربي نفسه ويكون إشعاعاً للخير والفضيلة، ولن يكون ذلك إلا من خلال مصدر الفضيلة ومصدر الخير وهو الله - تعالى- ومن خلال بصائر القرآن الكريم، وهدي الرسول، صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الطاهرين.

بعد معرفة هذه الأساسيات المهمة يمكنك أن تنطلق في مشروعك وتشق طريق النجاح. و شهر رمضان المبارك يمثل عملاً مبرمجاً له مقاصده وغاياته، وأهم أهدافه الوصول لحالة التقوى، وهو بلا شك برنامج دقيق، فإذا التزم به الإنسان سيوصله إلى الهدف المحدّد سلفاً. وعبر التفكّر في جوانب هذا البرنامج الإلهي، يمكننا أن نستخرج بصائر مهمّة لنستفيد منها في برامجنا الأخرى، حتى لو كانت تلك البرامج لتحقيق مكتسبات ماديّة. 

كيف ذلك؟

عندما نتفكّر في شهر رمضان وأحكامه، وكيف تكلّم القرآن الكريم عنه، ونتدبّر في آياته، فإننا سنتعرّف على كيفية التعامل الإلهي مع هذا البرنامج، كيف شرّع الله تعالى الصيام، وكيف نستفيد من الصيام في الحياة الاجتماعية والشخصية؟ كيف حدّد الهدف وهو التقوى؟ وكيف أن جميع الأفعال تصبّ في طريق الوصول إليه؟ وما هو العمل عندما لا يستطيع الإنسان أن يبلغ الصيام؟ وما هي البدائل لكي يصل إلى نفس الهدف؟ وهكذا هي أسئلة كثيرة، يكتشفها المتفكّرون، ويعتبر بها أولو الأبصار.


ارسل لصديق