الابتسامة تعبيرٌ حقيقي عن النبض الإنساني
كتبه: سعد مغيمش الشمري
حرر في: 2014/07/17
القراءات: 3554

تمثل الابتسامة إحدى لغات الجسد الإيجابية، ووسيلة من وسائل الاتصال غير اللفظي لدى الكائن البشري.

فالابتسامة سلاح قوي وفعال يستخدمه الإنسان منذ طفولته للاقتراب والتودد للآخرين، فالطفل يتعلمها بعد ولادته بستة أسابيع. ويمكن القول أنها واحدة من أهم العناصر في لغة الجسد التي نمتلكها، فالابتسامة الصادرة من القلب هي ما ينفرد به الانسان دون غيره من الكائنات الحيّة.

ويؤكد خبراء في علم النفس، ان الشخص الذي يبتسم كثيراً يكون له تأثير إيجابي في الآخرين أكثر من الشخص الذي يبدو وجهه جاداً دائماً، لذلك يعتبر المبتسمون أناساً اجتماعيين ومحبوبين اكثر.

ودائمأ نحن بحاجة لهذه الابتسامة لترافقنا بكل مراحل حياتنا والمواقف التي نتعرض لها سواء أ كانت ايجابية ام سلبية، و كثيراً من الناس يبدأ نشاطه اليومي والمعتاد عبوساً مليئاً بالهموم والاحزان، فينعكس ذلك على مشاعره وأحاسيسه تجاه الآخرين من خلال قسمات وجهه، فيظهر عابساً منقبض الوجه مما يعطي انطباعاً سلبياً عنه أنه شخص صعب المعشار.

هذه الخصلة والسمة الايجابية، يؤكد عليها الاسلام، كونها من مقومات النجاح في حياة الفرد والمجتمع، ثم الأمة بأسرها.. وقد جاءت الابتسامة، لفظاً ومفهوماً في نصوص عديدة، وهي تؤكد صفتها الايجابية، منها رد فعل نبي الله سليمان من قول النملة، في القصة المعروفة التي يذكرها القرآن الكريم: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا.... كما ورد عن الامام الرضا، عليه السلام، أنهُ قال: «..وَ مَنْ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً ، وَ مَنْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً لَمْ يُعَذِّبْهُ». (1)

ولعل هذا يفسر الأهمية البالغة لهذه السمة الانسانية والاخلاقية، وفوائدها في البناء الاجتماعي، وايضاً في الحالة النفسية للانسان. بل ان علماء الاخلاق يذكرون دائماً بأن لفظة «إنسان» إنما مشتقة من سمة الأنس التي أودعها في نفس البشر، فهو لن تكون حياته ذات معنى إذا لم يشعر بالأنس والألفة مع سائر اقرانه، من اصدقاء واقرباء وغيرهم. و لعل خير جسر واصل بين الانسان ونظيره الانسان الآخر، هو إظهار البشاشة والابتسامة في وجهه، لذا يمكن القول: أن الابتسامة، رسالة موجزة تحمل في طياتها السلام والود للآخرين.

 

* الابتسامة .. صحة

تحدث العلماء عن فوائد عديدة للابتسامة، بما يفوق دورها الاجتماعي والمعنوي، حيث تترك أثرها على صحة البدن وسلامته وحتى طول عمر الانسان. فمن عدّ الفوائد (14) ومن عدّها (18) فائدة، نشير الى بعضها في هذا الحيّز المحدود:

1- تساعد على تخفيف ضغط الدم.

2- تنشط الدورة الدموية.

3- وقاية من مرض العصر (الكآبة).

4- علاج لحالات كثيرة من الصداع.

5- يخفف من حموضة المعدة.

6- يزيد من إفرازات الغدد الصمّ، مثل غدة البنكرياس والغدد الكظرية والدرقية والنخامية.

وهناك فوائد عديدة أخرى يشير اليها العلماء والأطباء، تترك أثرهاعلى صحة وسلامة كل مبتسم، بشوش. والحقيقة؛ أن الابتسامة، كالحديقة الغناء، ومثل الكلمة الجميلة التي تحتوي على أحرف تملأ الصدر بالانشراح، وفي بعض الوجوه تتكون حفرة صغيرة في وسط الخدود تعطي الوجه جمالاً لا يوصف، وهي سبب للاستقرار النفسي.

وأثبت بحث علمي في مصر أن تجهم الوجه (التقطيب)، يؤثر بشكل فعال في ظهور التجاعيد على الوجه، ولاسيما حول العينين. وأثبتت التجارب أن الابتسامة سلاح فعال ضد التجاعيد أو على أقل تقدير، تؤثر الابتسامة في تأخير ظهور التجاعيد بسبب ارتخاء عضلات الوجه أثناء الابتسامة، ولذلك فإن العلماء يقدمون نصيحة ذهبية للناس ولاسيما النساء، ومن المهم للمرأة أن تكون دائمة الابتسامة حتى تحقق راحة النفس والاستقرار.

يقول أحد العلماء: إن كل إنسان منا لديه مواد كيميائية خاصة تفرزها أجهزة جسمه عندما يتعرض للخوف أو الحزن أو الكآبة أو القلق. هذه المواد تكون في أدنى مستوى لها عندما تنظر لشخص قدم إليك وهو يبتسم في وجهك.. لماذا؟ لأن هذه الابتسامة قد أزالت من ذهنك أي خوف أو قلق حول هذا الشخص. وبالنتيجة نستخلص أن الابتسامة هي أسلوب مهم للنجاح في الحياة. وحسب الأطباء فانه عندما يبتسم الإنسان تتحرك في وجهه من (5- 13) عضلة، بينما تتحرك (47) عضلة عندما يكون في حالة تجهّم وعبوس. وهو ما يسبب التجاعيد في الوجه.

 

* تذويب الخلافات وكسب المودة

ان البسمة يا أعزائي.. تعلمنا القناعة فيجب ان لا نبخل بها، كما تعلمنا ايضا بان كل ما يصيبنا هو قضاء من المولى تعالى، وهي سبب من اسباب الابتعاد عن الكآبة المزعجة، والابتعاد عن كل اسباب الجفاء وجفاف العواطف، كما هي من عوامل الهدوء والراحة.

بل هي طريقة بريئة لامتلاك القلوب، فمثلا النظر لوجه الطفل الوليد عندما يبتسم فيدخل الفرح والسرور الى قلوبنا فبراءته تكمن في ابتسامته الجميلة.

وليس كل الابتسامات جيدة ومثمرة، فهنالك الابتسامة الخجلة والابتسامة الزائفة، والابتسامة الساخرة، والابتسامة الغامضة، والابتسامة اليائسة، والابتسامة المجاملة، والابتسامة الصفراء، وغيرها.. لكن هذه الانماط لا يجب ان تدفعنا لان نكون سلبيين من حالة الابتسامة الحقيقية وخلقها على الشفاه، فمن غير الممكن تعويض الابتسامة بالعبوسية وتقطيب الجبين، والجدّية المستمرة في التعامل فيما بيننا، فالحياة ستكون آنئذ لا تطاق حقاً.

إن الابتسامة والبشاشة وطلاقة الوجه، من عوامل انتشار البهجة والألفة بين افراد المجتمع، فمجرد ابتسامة صادقة، يمكن أن يكون لها أثر السحر على أي إنسان يعاني أو يتألم، سواءً كانت هذه المعاناة نفسية أو بدنية، كما أن الضحك المشترك بين الناس يقوي التعارف ويشيع روح الألفة والإخاء بينهم، علما ان هذا لا يتعارض على الإطلاق مع حالة الاحترام والوقار التي يحاول أن يفرضها بعض الناس حين يحتفظون دائماً بمظهر الجد والصرامة، كما إن تعبيرات العبوس والكآبة والصرامة الزائدة يمكن أن تؤثر سلبا على الشخص نفسه وعلى الآخرين من حوله، حيث ثبت علمياً أن المشاعر الإنسانية لها خاصية الانتقال فيما يشبه العدوى، فالناس عادة ما يتأثرون بمن حولهم سواء بالإيجاب أو السلب. وهي ايضا لغةً تسمو بالرقة والزهاء فبدورها تقوم بالدخول الى القلوب بشكل سريع، ويبدأ تأثيرها السحري حيث انها تجعل الانسان في عالم آخر وتجعل كل من حوله سعيداً وتعتبر كالتحية الصامتة، وهي ايضا سبب للتهدئة والترويض وامتصاص الغضب والهيجان، حيث انك بابتسامة واحدة من الذي اغضبك سوف تسامحه على كل خطأ ارتكبه، لأن الابتسامة سوف تكفي عن الاعتذار وهي دليل على التربية الادبية السليمة، وهي ايضا سبب للبعد عن الهموم والاحزان، وتخفيف المعاناة وإنارة للشفاه لأن بريق الابتسامة حتما سوف يطغى على الزعل، بل انها ايضا سوف تضفي مناخاً أخوياً ودياً، كما تعد صمام أمان لتحقيق السلام النفسي والاجتماعي. وديمومة هذا المناخ، مرتبط بديمومة هذه الابتسامة على الشفاه.

قال الامام علي، عليه السلام: «اصحب الناس بأي خلق شئت يصحبونك بمثله»، ان الابتسامة هي نوع من انواع الضحك اللطيف، وهي علاج وقائي ومراعاة للأدب وممارسة لتحسين العلاقات وهي كالدواء الشافي من العلل العقيمة والجروح العميقة، وهي السلوى والسبب في تنمية العلاقات، وجعلها متقاربة، لأنها سلوك انساني رائع، ومعاملة فاضلة وجميلة لا تكلف الانسان شيئاً، بل هي من أبسط الطرق لكسب الصداقات، وربما مدتها برهة من الزمن، لكن ذات تأثير طويل الأمد. فكم من الشعوب والقبائل تصافحت وتسامحت مع بعضها بابتسامة واحدة.. وكم من زوجة سامحت زوجها والعكس ايضاً بابتسامة صادقة، وكم من صداقات تكونت من ابتسامة. وهي ايضاً سبب للحدّ من العداوة والمشاحنات والتوترات.

ان الابتسامة سبب من اسباب نجاح الفرد وكسب المجتمع باكمله، و إشعار الآخرين بالدفء الانساني، ولها رونق جميل ولا يوصف قد يجهله البعض، فهي شق الطريق المليء بالمسرات وهي شعور بالأمان والاطمئنان، رغم الواقع السيئ الذي نعيشه. وعليه؛ لابد ان نبتسم لهذه الحياة القصيرة المليئة بالواجبات والمنغّصات. فاذا لم يكن هنالك علاج جذري وحل شامل للأزمات والمشاكل المحيطة بنا، على الأقل، لنخلق الحلول بانفسنا من خلال هذه الابتسامة، علّها تكون طريقاً او نافذة لتحقيق أملنا بالخروج من تلكم الازمات، ثم السير في طريق التقدم.

-----------------

1- وسائل الشيعة (ج12 / ص 120).


ارسل لصديق