{الصلوات على النبي}.. منهج للتربية الايمانية
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2014/07/17
القراءات: 1066

لاشك أن للصلاة على محمد وآله، صلى الله عليهم أجمعين، فضلاً وكرامة عند الله تعالى بحيث استدعى لها عبادهُ المؤمنين؛ {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (سورة الاحزاب /56)، وايضاً ما جاء في كلام الأئمة، عليهم السلام، فنجد هذا الاهتمام بها لما فيها من الخير والصلاح والسعادة لنا في الدنيا والآخرة معاً، فنحن ندعو الله أن يترأف ويترحم على نبيه الكريم والمعصومين، عليهم السلام، كما تفعل الملائكة ايضاً. فيما ندعو نحن من خلال الصلوات بان يقربنا الله تعالى من المعصومين، لنجني بذلك الفائدة المعنوية العظيمة، والشرف، والعزة، والكرامة.

ولو تأملنا ملياً في الجمل المباركة المتشكلة لـ «الصلوات»، لوجدناها: «اللهم»، «محمد» و «آل»، فكل هذه العظمة - والعظمة لله تعالى- متجلّية في «محمد» وآله الطاهرين، هذا الشعاع الرباني المتصل بين الأرض والسماء، الممتد للخلق بكل ألوان الرحمة والبركة، فان اسم «محمد»، صلى الله عليه وآله وسلم، اذا ما امتزج بشيء من أشيائنا- المادية أو المعنوية- أفاض عليه من البركة والخير الإلهي.

ففي الرواية «ما من مائدة وضعت وحضر عليها من اسمه أحمد أو محمد، قُدس ذلك المنزل في كل يوم مرتين». وفي رواية: «من ولد له مولود فسمّاه محمداً، حُباً وتبرّكاً باسمي، كان هو ومولوده في الجنة». وإذا كان المنزل والولد مباركاً إذا ما امتزج باسم «محمد»، صلى الله عليه وآله وسلم، فكذلك الكلام الذي يمتزج بما هو اسم وكلام من الحضرة القدسيّة، فإنه سيكون مباركاً وميموناً وموفقاً إن شاء الله تعالى. لقد توافقت جميع المذاهب والطوائف الإسلاميّة على ثبوت الصلاة على نبيّ الرحمة محمّد، صلى الله عليه واله وسلم، وما اختلفوا في كيفيتها وتفاصيلها من حيث المبدأ، إلا أنهم اختلفوا مع الشيعة في التطبيق. وأصل هذه المسالة يبدأ من قوله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}. (سورة الاحزاب /56)

و واضح في هذه الآية أن الله تعالى، وملائكته يصلون على رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وفي آية أُخرى يُصلي- سبحانه وتعالى- على عباده المؤمنين كما في قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }. (سورة الاحزاب /43)

وفي آية اخرى يأمر نبيه، صلى الله عليه وآله وسلم، بالصلاة عليهم في قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (سورة التوبة/ 103)، وهذه الصلاة تعكس مدى الارتباط  والعلاقة الوثيقة بين الخالق ومخلوقه، وبين المؤمنين وحبيبهم ونبيهم، صلى الله عليه وآله وسلم، فالخالق اذا صلّى فإن صلاته تكريم، وتشريف، ورأفةُ ورحمة، وإعزاز، والمؤمنُ يصلي إذا صلى خضوعاً، و إطاعةً، وتسليماً، وتعظيماً لخالقه، وإيمانا بولاية رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم.

وأما صلاة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، على المؤمنين فانها زيادةُ في التفضيل عليهم، وإكثار في الخير لهم، ويمكن القول بأن الله تعالى خصّ نبيّه محمداً، صلى الله عليه وآله وسلم، بأسمى وأشرف الدرجات، وأعلى المنزلة حين صلّى عليه، وصلّت عليه ملائكته، وأمير المؤمنين من عباده بالصلاة عليه، صلى الله عليه وآله وسلم.

لابد أن نسلم بأن الصلاة على محمد وآل محمد توجب المراتب وزيادة المثوبة، لأنها سنّة إلهية سامية جاء بها القرآن عن خالق الأكوان، في أفضل بيانٍ، على أشرف وأعظم إنسانٍ، استحق ذلك إكراماً وإعظاماً له،صلى الله عليه وآله وسلم.

 فلابدّ أنّ في هذه الصلاة أثر بالكيفية الخاصّة وعبادة يتقرب بها العبد بالدعاء للأرواح المقدسة المتوسطة بين النفوس الناقصة، المنغمسة في الكدورات البشرية، وبين المبدأ الفياض المتنزه عن شوائب النقص في استفاضة العنايات والانوار منه وإفاضتها عليها، من الصلاة المأمور بها، وحيث أنه عز وجل قد أمر بها المؤمنين من عباده، فلا بد وأن لها من الفضل ما لا يدرك عظمته إلا هو سبحانه، وقد أكرمنا الله تعالى بهذه الكرامة، وفضلها بهذه الفضيلة، فما أجمل أن نلهج بها في كل حين، ونعطر بها أفواهنا لتختلط كلماتنا بما كرّم الله تعالى به أشرف وأعزّ خلقه، صلى الله عليه وآله وسلم.

 

* معنى الصلاة على النبي،

صلى الله عليه وآله

استند العديد من علماء اللغة والتفسير، وشُراح الحديث على روايات أهل البيت، عليهم السلام، في معنى الصلوات، بيد أن المعنى الذي اختلفوا عليه، فهو إما في إفرادها وصورها، وهي التي من الله ومن النبي الاكرم، ومن الملائكة، ومن الناس، أو في نفس معناها اللغوي، ومن كلَ ما قالوه تحصل لنا أن الصلاة عليه، صلى الله عليه وآله وسلم، تمثل الدعاء والتمجيد والتعظيم والتزكية والثناء والمباركة والترحّم والاستغفار والتبجيل والعناية والتصديق والإقرار بالفضل، وتجديد العهد..

وبالعودة إلى المعنى اللغوي للصلاة نجدها تعطي معنىً واحداً، إلا أن تطبيقه يرجع إلى نفس المصلّي، وما يريده من اللفظ وما يعنيه.

فإن كان المصلّي هو ربّ العزّة والجلالة - سبحانه وتعالى- فصلاته هي تعظيمُ منه للنبّي، صلى الله عليه وآله وسلم، وإعلاءٌ لكلمته وشريعته، وإحياء لذكر في الدنيا، وتعظيمٌ له وتعطٌّفٌ عليه في الآخرة، يرفع بها درجاته ويزيد من مثوباته، وأن للصلاة على محمد وآله، أجراً عظيماً وثقيلاً في الميزان.

 

* المعنى في الروايات 

ومن خلال بعض الروايات الشريفة يمكن أن نستفيد تعريفاً لمعنى الصلاة على النبيّ، صلى الله عليه وآله، ومنها:

عن الإمام الصادق، عليه السلام، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ... قال، عليه السلام: الصلاة من الله عز وجل رحمة، ومن الملائكة تزكية، ومن الناس دعاء.

 وسئل أبو المغيرة الإمام أبا الحسن الرضا، عليه السلام: ما معنى صلاة الله وملائكته وصلاة المؤمنين؟

قال، عليه السلام: صلاة الله رحمة من الله، وصلاة الملائكة تزكية منهم له، وصلاة المؤمنين دعاء منهم له. 

وفي رواية عبد الرحمن بن كثير قال: «سألته - الإمام الكاظم، عليه السلام- عن قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}. (سورة الاحزاب/56)، فقال، عليه السلام: صلاة الله عليه تزكية له في السماء. فقلت: ما معنى تزكية الله إيّاه؟ قال: زكّاه، بأن برّه من كل نقٍص وآفةٍ يلزم مخلوقاً. قلت: فصلاة المؤمنين؟ قال: يبرّؤونه ويعرفونه بأن الله قد برّأه من كلً نقصٍ هو في المخلوقين من الآفات التي تصيبهم في بنية خلقهم، فمن عرّفه ووصفه بغير ذلك فما صلّى عليه.

وعن الإمام الصادق، عليه السلام، من صلّى على النبيّ، صلى الله عليه وآله، فمعناه: أني على الميثاق والوفاء الذي قبلت في قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ. (سورة الاعراف /172)

 

* كرامات للصلوات

كان رسول الله، وأمير المؤمنين، صلوات الله عليهما، جالسين في بستان، فظهرت نحلة ودنت من رسول الله، صلى الله عليه وآله، فأخذت تحوم حوله. فقال: صلى الله عليه وآله، لأمير المؤمنين، عليه السلام: يا علي إن هذه النحلة تريد استضافتنا، وتقول: إن عندنا مقدار من العسل قد وضعته في المكان الفلاني، فابعث أمير المؤمنين، عليه السلام، ليأتي به.

فذهب الإمام أمير المؤمنين، عليه السلام، وأحضر ذلك العسل، فسأل رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، تلك النحلة: إن غذاءك من أزهار مرّة فكيف يصبح ذلك المرّ عسلاً حلواً؟

فقالت النحلة: يا رسول الله، إن هذه الحلاوة ببركاتك، فانّا كلما نمتصّ مقداراً من هذه الأزهار يأتينا إلهامٌ أن نصلي عليك ثلاث مرات، وببركة تلك الصلوات يصير المرّ عسلاً حلواً.

وكرامة اخرى:

رُئي الفضل بن الكندي في المنام- بعد وفاته- فسُئِل: ماذا جرى لك؟ وماذا صنع الله تعالى بك؟ قال: غفر الله لي وأكرمني (وأعزني)، بما صدر عن هذين الإصبعين (السبّابة والإبهام) من عمل.

فسُئل: وما ذاك العمل الذي أُكرمت به؟

قال: بإكثاري من كتابة، صلى الله عليه وآله.

وكرامة اخرى ايضاً:

رُئي أحد الكتاب في المنام- بعد أن توفي- في أحسن هيئة فقيل له: ما الذي أوصلك إلى هذا المقام؟

قال: وضعت أعمالي في كفّه وثواب الصلوات على النبيّ، صلى الله عليه وآله وسلم، التي كنت أكتبها، و وُزنت، فرجحت كفة ثواب الصلوات على النبي، صلى الله عليه وآله، فغُفر لي.

هذه الكرامات والإفاضات التي تقدمها لنا «الصلوات على النبي»، وهي لا تكلفنا الكثير من العناء، سوى حركة اللسان، لجديرة بأن تكون ضمن مناهجنا التربوية وبرامجنا اليومية، فالمسألة لاتتعلق بالأجر المعنوي والثواب في الآخرة، بل تشمل ايضاً آثاراً ملموسة على حياة الانسان الفرد والمجتمع.


ارسل لصديق