الاهداف الكبيرة وآفاق التفكير
كتبه: علي جواد
حرر في: 2014/07/17
القراءات: 844

يؤكد علماء النفس العلاقة الوثيقة بين طريقة التفكير وبين الاهداف التي يتطلع اليها الانسان في حياته، حتى وصف بعضهم عملية التفكير، مثل المدير او القائد، كيفما كانت ادارته وقيادته، كانت النتائج او نسبة تحقيق الاهداف المرجوة.

لذا نجد اهتمام الغرب بهذا الجانب من البناء الحضاري منذ قرون خلت، وتحديداً منذ بداية العهد الاستعماري، حيث انطلقوا من آفاق بعيدة في التفكير نقلتهم من البلاد الصغيرة في اوربا مثل بريطانيا واسبانيا والبرتغال، الى ما وراء المحيط الاطلسي واكتشاف القارة الامريكية، ثم التحول الى الجنوب الافريقي، والتوسع شرقاً الى الهند.

اللافت في هذا الاهتمام، ان طريقة التفكير هذه لم تخضع للجمود والتوقف، إنما حُظيت بالتجديد لمواكبة التطورات الحاصلة لدى شعوب العالم التي أفاقت على وقع أقدام المستعمرين وما عانوه من ويلات ومحن طوال قرون عديدة، فعندما تولدت افكار التحرر والاستقلال والبحث عن الكرامة لدى هذه الشعوب، وجد الغربيون انفسهم ملزمين بتغيير أنماط التفكير للحفاظ على المكاسب وتحقيق الاكثر في المستقبل.

وهكذا ولدت افكار، الحوار وتبادل الافكار ونشر المعلومة وغيرها عبر وسائل الاتصال السريعة.

كما تقدم علماء غربيون بافكار ذات مغزى استعماري واضح، وظاهر تقدمي - حضاري، لعل ابرزهم المفكر الامريكي - الياباني الاصل، فرانسيس فوكوياما الذي طرح فكرة «نهاية التاريخ»، مدعياً أن العالم ينتهي وينهار أمام الوجود الامريكي القوي. كما تحدث المفكر الامريكي الآخر «صموئيل هنتغتون» عن «صراع الحضارات». 

ومن العلماء الذين أضاءوا في هذا الطريق، سماحة الفقيه الراحل السيد محمد رضا الشيرازي - قدس سره- الذي ناقش مسألة التفكير لدى الانسان وأعطاه بعداً انسانياً شاملاً، فهو لم يحدد دور التفكير في حياة الانسان الخاصة، وما تضم من مشاعر ومواقف وسلوك، إنما يمتد ويصطحب الانسان الى آفاق بعيدة واسعة حيث الاهداف الكبيرة والسامية التي تحقق علاقات اجتماعية متوازنة وسعادة وأمان ليس لفترة معينة من الزمن، ولا لفئة خاصة من البشر، إنما تشمل جميع سكان المعمورة.

ومن أجل ذلك؛ يطلق سماحته على هذا النوع من التفكير بـ «التفكير العالمي»، علماً أنه - قدس سره- يشير الى وجود أنماط اخرى وشائعة، مثل التفكير «الشخصاني» الذي ينطلق من الذات وينتهي اليها، وايضاً التفكير العائلي، والتفكير العشائري والقبلي، والتفكير القومي، والتفكير الاقليمي والقطري.

ويؤكد سماحته على ان «التفكير العالمي»، ليست فكرة مجردة، إنما مرتبطة بواقع الانسان، فاذا كان تفكير الانسان عالمياً، ويجد أنه موجود في كل مكان، فان كل شيء لديه سينطبع بهذا النمط من التفكير، سواءً في مسكنه او عمله او زواجه او تجارته، او حتى نهاية حياته. واذا ما جانبنا الحقيقة، فان هذه الاضاءة من سماحة الفقيه الراحل تفسر للباحثين سر نجاح الغربيين في التوسع نحو العالم، ليس مادياً، إنما معنوياً ايضاً، لنلاحظ كيف أن شريحة لا بأس من المجتمع البريطاني عاش في شبه القارة الهندية خلال حقبة الاستعمار، وهنالك العديد من البريطانيين هم من مواليد الهند او حتى سائر المستعمرات، كما نلاحظ «الفرنكفونية» التي فرضتها فرنسا على الدول التي استعمرتها في تلك الحقبة.

 نعم؛ ربما يكون عندنا وجود في معظم انحاء العالم، حيث الحسينيات والمكتبات والمؤسسات الثقافية والبحثية، ثم تطور الأمر ليكون هنالك فكر وثقافة عبر الاقمار الصناعية، وهذه خطوة مباركة وحسنة نحو التفكير العالمي، بيد أن الخطوة الاخرى في الغاية من هذا الانتشار. فكلما كانت الغاية سامية وعظيمة، كان من السهل تحمّل التكاليف المتوقعة وغير المتوقعة في هذا الطريق.

واعتقد ان أول ما يعيق الانسان في توسيع نطاق تفكيره، هو الثمن او التكلفة التي تنتظره في الطريق، فالمسألة ليست دائماً محسوبة، او يمكن التخطيط لها مسبقاً من حيث الامكانات المالية او اللوجستية وغيرها، فربما تكون هنالك مفاجآت غير سارة او عقبات طارئة. أما الثمن الذي يستصعبه الانسان دائماً فهو قد يكون مادياً وقد يكون معنوياً ونفسياً، حيث الغربة وهجرة الوطن والأهل والاصدقاء، والتعرض لمختلف الشدائد والمحن.

ينقل سماحته عن والده المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي - قدس سره- أنه نصح أحد العلماء، وقد استشاره بما يجب فعله وقد أجهده العمر الطويل، بأن يهاجر الى احدى البلاد الغربية، فكانت المفاجأة والعجب من هذه النصيحة..! وكيف يتوجه الانسان في نهايات حياته الى بلد غريب وغير مسلم..؟! وكان الجواب: إن متّ في بلدك الاسلامي، فانك ستدفن مع سائر الاموات، وربما يضيع ذكرك، بينما إذا دُفنت في بلد غربي، فان مرقدك سيتحول الى مكان مميز ومعلم ديني يقصدك الناس من كل مكان، وربما يطلبون عندك من الله قضاء حوائجهم.

هذه الرؤية السديدة والثاقبة هي بالحقيقة امتداد لطريقة التفكير العالمي التي كانت لدى علمائنا العاملين في سالف الأيام، الذين تلقوا علومهم الدينية في الأزقة الضيقة في المدن المقدسة، مثل قم والنجف وكربلاء، ثم رحلوا بهذه العلوم الى البلاد البعيدة، ليستفيد منها الانسان في الفلبين وتايلند والهند وايضاً في تنزانيا وجزر القمر وفي الامريكيتين الشمالية والجنوبية. وفي كل مكان. 


ارسل لصديق