البيعة للإمام الغائب.. و دور الإيمان والوعي
كتبه: زهراء عباس صحن
حرر في: 2014/07/17
القراءات: 1329

«مَن مات ليلةً وليس في عنقه بيعةُ إمام مات ميتةً جاهليّة».

هذا الحديث مُسند عن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وجب من خلاله ان يبحث كل مسلم ومسلمة في زمانه عن امام يبايعه. وإلا مات ميتة جاهلية. وميتة الجاهلية تعني ان يتوفى الانسان، وهو على غير دين الاسلام. ويرضى بفعل أهل الجاهلية حيث أصروا على الكفر رغم معرفتهم بان الاسلام هو الدين الحق.

وموت الانسان على غير بيعة الإمام تكون ميتة جاهلية لأن الله تعالى ارتضى الاسلام ديناً فقط وفقط ببيعة الإمامة. والدليل على ذلك هو قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}. (سورة المائدة /3).

 فالاقرار بالإمامة هو ركن اساسي من اركان الاسلام التي بها ارتضى الله الاسلام ديناً للمسلمين وبدونها لا يقبل الله الاسلام من احد.

 

* مسار تحدده السماء

فسّر بعض المفسرين قول الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، بأن الامام المشار اليه في الحديث هو الحاكم. وان من خرج عن أمر سلطانه فقد مات ميتة جاهلية. إلا ان السؤال الذي يتبادر الى الاذهان؛ هل ان اولي الامر المقصودين والائمة المشار اليهم، هم فعلاً الامراء والسلاطين والحكام؟ ماذا لو كان هذا الحاكم فاسقاً او ظالما؟ هل يرتضيه العقل ان يطيع المسلم هذا الحاكم؟ اذن أين التدبر في أوامر الرحمن و رسوله، صلى الله عليه واله وسلم، في نهي طاعة الفاسق والفاجر؟ والنبي، صلى الله عليه وآله وسلم خاض الحروب وتحمل الصعاب وعانى ما عانى ضد الظلم والفسق والفجور.. اذن ما الفائدة من كل ذلك اذا كان على المسلم ان يطيع الحاكم مهما كان؟ ولماذا لم يخضع الرسول، ومن بعده أهل البيت، عليهم السلام، للأمراء والحكام والسلاطين والملوك؟

كل هذه الاسئلة تؤدي بنا الى ان للحديث عن معانٍ أعمق بكثير من هذه التفسيرات السطحية التي نقرأها في بعض الكتب والتفاسير. وهذه التفاسير ببساطة تخالف قوله تعالى: {لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}. (سورة آل عمران /28).

وكذلك قوله تعالى:{وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}.(سورة الكهف آية 28). وهنا نهي صريح عن طاعة من لا إيمان له.

فالإمام المقصود في الحديث المبارك لابد ان يتسم بسمات معينه ترتقي لمستوى القائد الذي ينهض بالأمة ويحافظ عليها من الانهيار. وان تتواجد فيه صفات يرتضيها الله والرسول ليكون حاملاً لهذه المسؤولية العظمى، ألا وهي ولاية امور المسلمين وحماية المذهب. ومن أحقّ وأجدر بهذه المهمة من أئمة اهل البيت عليهم السلام؟ حيث لا اختلاف ابداً على مستوى المذاهب، وكذلك على مستوى الانسانية جمعاء في تقواهم و ورعهم وطيب سلالتهم وطهارتهم وحكمتهم. اضافة الى النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في وصية النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، بالخلافة من بعده بأمرٍ الهي لابن عمه ووصيه أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب، عليه السلام. وتمت الاشارة والتنبؤ في احاديث عدة الى الائمة والأمراء الاثني عشر من بعد الرسول صلى الله عليه وآله.

ولما كان الاسلام ختام الاديان السماوية، فلا بد من وجود صلة بين الارض والسماء تظل ممدودة الى يوم القيامة ليستمر الرفد الالهي لعباده في الارض وليكون القاء حجة على الناس.

 وكان لابد من وجود مسار سليم وقويم يهدينا الى الحق والى الله في كل الأزمنة.

وهذا المسار لا نحدده نحن البشر بل هو مسارٌ تم تعيينه ورسمه من قبل اله الأكوان.

لعل البعض يقول انا أنوي الاحسان للآخرين، وافعل الخير و أؤمن بوجود الخالق وهذا يكفي. لكن هل هناك ضمان  يضمن نجاة الانسان من الفتن ومن الخطأ ومن الوقوع في المهاوي؟

ان الله تعالى جعل النية اساس كل شيء. إلا انه رسم لنا الطريق وأمرنا باتباعه. فلا مبرر لنا بعد ذلك ان نسير في غير هذا الطريق بحجة ان نيتنا كانت خيراً. والإمامة هي مسار واجب السير فيه. ومن سار بغير هذا الدرب فلن يؤدي به طريقه الى النجاة.

فعلى سبيل المثال لو كان هناك راعٍ يرعى غنمه. هل تكفي نية الراعي ان يوصل الكبش سالماً الى مرعاه اذا ما سلك درب الذئاب؟  فلا حجة لذلك الراعي اذا ما تم تحذيره مراراً وتكراراً واذا ما وضحوا له السبيل السالك فسلك غيره. ولا يلومن سوى نفسه اذا ما تعرض للخسارة في الطريق الذي اختاره.

وهكذا فان الله تعالى اوضح لعباده الاحكام والواجبات فلا يقبل من عبدٍ عملٍ ما لم يكن مقروناً بطاعته. فإذا كان هدفنا هو رضا الله والوصول اليه فلا بد من اتباع ما امرنا به. ولا نرتجل لأنفسنا طرقاً وسبلاً قد تؤدي بنا الى التهلكة.

 

* كيف نبايع إمام زماننا؟

بعد معرفة وجوب اتباع الامام. تُطرح امامنا عدة اسئلة.

من هو امام الزمان؟

كيف نعرف امام زماننا؟

كيف نبايع الامام في غيبته؟

لكل زمنٍ امام. لا يتوفى امامٌ حتى يوصي لإمامٍ بعده. وبالنسبة لنا نحن المسلمين فإمام زماننا الواجب الطاعة والبيعة هو الإمام المهدي المنتظر، عجل الله تعالى فرجه الشريف. ابن الامام الحسن العسكري عليه السلام.

ومعرفة الامام ليست فقط معرفة اسمه ونسبه. إنما تتضمن اقواله، افعاله، وصاياه. ومعرفة الظروف التي أحاطت به وتحيط به. وعرفان حقه والايمان بأنه امامُ مفترض الطاعة.

أما بيعة الامام الغائب فهو أمرٌ لا يختلف عن بيعة الامام الحاضر في زمانه. فسابقا كان الناس يبايعون امامهم بالمصافحة، ونطق الشهادة فتكون البيعة لفظية. إلا ان البيعة في زمن الغيبة تكون بيعة لفظية وقلبية.

وهنا قصة عن كيفية مبايعة الامام في زمن الغيبة.

«كان حذيفة عليلاً بالكوفة في سنة ست وثلاثين، فبلغه مقتل عثمان وبيعة الناس لعلي، عليه السلام، فقال: اخرجوني وادعوا الصلاة جامعةً، فوُضع على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي وعلى آله، ثم قَال: أيها الناس..! إنَّ الناس قد بايعوا عليّاً، فعليكم بتقوى الله وانصروا عليّاً و وازروه؛ فو الله إنه لعلى الحق آخِراً و أوَّلاً، وإنه لخير مَن مضى بعد نبيِّكم ومَن بقي إلى يوم القيامة، ثم أطبق يمينه على يساره، ثم قال: اللهم اشهد أني قد بايعت عليّاً، وقال: الحمد لله الذي أبقاني إلى هذا اليوم، وقال لابنَيْهِ صفوان وسعد: احملاني وكونا معه، فستكون له حروب كثيرة، فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا أن تستشهدا معه، فإنه والله عَلَى الحق، ومن خالفه عَلَى البَاطل، ومَات حذيفة بعد هذا اليوم بسبعة أيام». (1)

فالصحابي الجليل حذيفة بن اليمان بايع الإمام عليًّاً، عليه السلام، من غير حضور الإمام عنده، فقد كان الإمام في المدينة، وكان حذيفة في الكوفة، فوضع حذيفة يمناه على يُسراه وأشهد الله على البيعة. وبعد أن اتضح المثال، نقول: هكذا نبايع إمام زماننا المهدي المنتظر، صلوات الله وسلامه عليه، حيث إن للغيبة حكماً غير حكم الحضور. ولو افترضنا أن الإمام موجود، ربما لا يكون متيسراً مبايعته للجميع، كما أن الإمام عليًّا عليه السلام لم يكن غائباً، ولكنه بالنسبة لحذيفة كان غائباً.

ومن أوضح صور البيعة التي نمارسها مراراً وتكراراً: ما نتلوه يومياً في دعاء العهد:

«اللهم إني أُجدِّد في صبيحة يومي هذا وما عشت فيه من أيام حياتي عهداً وعقداً وبيعةً له في عنقي، لا أحول عنها ولا أزول أبداً..».

 في الواقع ان هذا الموضوع هو بحثٌ واسع ممكن ان نكتب فيه الى جفاف القلم. وما تناولناه ما هو إلا جزء بسيط جداً من قطرة في بحر.

جعلنا الله - تعالى- و إياكم من العارفين بإمام الزمان ووفقنا الله جميعاً لمبايعته في غيبته وتلبية ندائه عند ظهوره.

--------------------

1- مروج الذهب، للمسعودي/ ج2 - 23 المطبعة البهية - مصر.


ارسل لصديق