فتوى الجهاد و مشروع بناء الامة
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2014/09/11
القراءات: 1521

من خلال قراءتنا للتاريخ السياسي للعراق والمنطقة، لا نجد أي شائبة في ان المؤسسة الدينية الشيعية وعلى رأسها المرجعية، هي الاساس في تحريك السواكن داخل المناخ السياسي والاجتماعي، بالشكل الذي يحقق الاعتدال والاصلاح في المجتمع، وهذا ما نجده من خلال تتبعنا للدور المتميز لهذه المؤسسة منذ نهايات الحكم العثماني، وبدايات الاحتلال الاجنبي وصولاً الى دورها في رسم احداث ثورة العشرين الكبرى كحلقة اولى تتبعها حلقات أُخر، والى يومنا هذا في اصدار فتوى صادعة وتاريخية لمواجهة الفكر التكفيري وقوات الظلام التي هاجمت مدينة الموصل العراقية وما تبعها من تجاوزات على الاهالي الآمنين في العراق.

 

* أول فتوى، ضد الاستعمار

ان البدايات الاولى في الوعي السياسي لهذه المؤسسة ظهر في نهاية القرن التاسع عشر، اذ كان هناك سبب اساسي لهذا النمو متمثلاً بالفتوى التي اصدرها المرجع الديني الأعلى في زمانه، السيد محمد حسن الشيرازي - قدس سره- في مدينة سامراء بتحريم اتفاقية امتياز التبغ التي وقعها ناصر الدين الشاه (القاجاري) مع شركة الهند الشرقية البريطانية عام 1891م، والتي جاءت لتمثل تياراً عكسياً ضد النفوذ الاجنبي في ايران، اذ مثل هذا التصدي، الدور الاساس في التخلص من الازمة وتحقيق النصر ضد مطامع البريطانيين واستبداد الحكم القاجاري الايراني آنذاك.

اما الدور السياسي الذي خاضته هذه المؤسسة من خلال رجالاتها، فكان في بداية القرن العشرين وقبيل «ثورة الدستور» في ايران (1905 - 1911) والتي أدت الى انقسام الرأي في كربلاء المقدسة، الى فريقين: سمي أحدهما «المشروطة»، والتي أيدت قيام نظام حكم ملكي - دستوري، اما الفريق الثاني، فهو «المستبدة» وهم من رفضوا الدستور جملة وتفصيلاً، ومن ثم ولادة فكرة «المشروطة المشروعة» التي قادها الشيخ الشهيد فضل الله النوري في ايران. (1)

ان اليقظة التي أحدثتها هذه الثورة في ايران، قوضت البنى الفكرية السائدة آنذاك حول الحكم والسياسة ونجحت في إعادة الثقة في نفس الأمة وقدرتها على المشاركة في الحكم.

ونتيجة لذلك، أيدت الجماهير في كربلاء المقدسة، الحركة الدستورية متحدين بذلك ارادة الحاكم العسكري ومَن تحفظ على الحركة، ولما تحول ذلك التأييد الى مظاهرة عارمة امتدت الى جميع مناطق المدينة سارعت السلطات الحاكمة الى قمعها بعنف وحصلت مذبحة تفرق بعدها الناس هرباً من الموت والتجأ قسم من المتظاهرين الى القنصلية البريطانية مما أزعج هذا السلوك العديد من العلماء والجماهير الذين عملوا على ادانته، اذ كان لهذه الادانة الاثر الكبير في تحجيم دور السفارات الاجنبية في العراق. (2)

 

* تبلور الوعي في العراق

ان الوعي السياسي الجديد في العراق اخذ يتجسد عبر مواقف سياسية جريئة تتواتر على رؤية واضحة للموقف، واصبحت محاربة الاستبداد مبدأ متكاملاً لدى علماء الدين في الحوزة العلمية الشريفة في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة، الامر الذي دفعهم للتعاون مع «حزب الاتحاد والترقي» التركي ضد استبداد السلطان عبد الحميد الثاني واستمر التعاون بينهم لمدة ثلاث سنوات. (3)

كما إن موقف المؤسسة الدينية لم يكن مقتصراً على تحريك الأحداث السياسية العراقية الداخلية إبان تلك الفترة، بل تعدى الى المساندة الاقليمية في الاحداث التي تتعرض لها المنطقة بأسرها خصوصاً عام 1911، عندما اجتاحت القوات الروسية شمال ايران اثر الخلاف الحدودي على المياه الحاصل بينهما، وقيام القوات البريطانية باحتلال جنوب ايران حيث بررت تلك الدولتان ان الهجوم على ايران جاء استناداً إلى اتفاقية عام 1907، كما وعمدت القوات الروسية الى قتل علماء الدين في تبريز واشاعة الرعب في صفوف الناس، وعندها أعلن علماء الدين في العراق الجهاد ضد القوات الروسية الغازية ومنهم الآخوند الخراساني، الذي دعا الى نصب الخيام خارج مينة النجف لتعبئة الجماهير استعداداً لمواصلة الجهاد ضد الغزاة، فيما انبرى المرجع الديني السيد محمد المجاهد من كربلاء للحضور بنفسه وجمهور كبير من المجاهدين للمرابطة في شمال ايران لمواجهة الروس الغزاة.

وعندما قصفت القوات الروسية مرقد الامام علي بن موسى الرضا، عليه السلام، اجتمع علماء الدين في مدينة الكاظمية وهم: السيد مهدي الحيدري والشيخ مهدي الخالصي والسيد اسماعيل الصدر والسيد عبد الله المازندراني والشيخ فتح الله الاصفهاني والشيخ محمد حسين النائيني والسيد علي الداماد والسيد مصطفى الكاشاني، وكذلك الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي، قائد ثورة العشرين المقيم حينها في سامراء.

وعندما بدأت النوايا الاستعمارية البريطانية تظهر للعيان باحتلال العراق تبعاً لتنوع المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، وتنفيذاً لهذا المخطط، عملت بريطانيا على تسيير حملة عسكرية من البحرين، و نزلت في الفاو يوم 1/2/1914، فما كان للسلطات العثمانية إلا العمل لتعبئة الجمهور لمقاومة الغزو البريطاني، اذ اصدر شيخ الاسلام «خيري افندي» فتوى الجهاد ضد الغزاة في يوم 7/2/1914 وكررها في يوم 11/2/1914، وقد اشار في فتواه الى ضرورة الدفاع عن مكة المكرمة والمدينة المنورة والنجف وكربلاء، بيد أن أثر هذه الفتوى كان ضعيفاً، لما كانت الجماهير قد لاقت من ظلم واستبداد وقتل من قبل العسكر التركي لشيعة العراق واعتبارهم «مرتدين» في بعض خطابات الدولة العثمانية!(4)

 

* انطلاق «الحركة الاسلامية»

ان مواقف المؤسسة الدينية، وخاصة المواقف السياسية لم تأتِ من فراغ، بل كانت بداياتها متمثلة بنمو الحركة الاسلامية في المدن الشيعية المقدسة، وكيف ان هذه المدن شكلت الاتجاه الفكري السياسي والرئيس في تلك المدن خلال المدة الممتدة بين اوائل القرن العشرين وحتى الاحتلال الانكليزي للعراق عام 1914 حيث تمثل ذلك النمو بعدد من المظاهر السياسية والفكرية للتيارات التي تولدت عنها، وكانت النجف وكربلاء، وعلى الرغم من اهمية المدن الشيعية الاخرى، قد شكلت المركز القيادي الاساسي للحركة الاسلامية ومظاهرها الفكرية وتياراتها.

في هذا الوقت قام علماء المسلمين الشيعة بمبادرة منهم مماثلة لفتوى شيخ الاسلام في الآستانة، خيري افندي، تدعو الى الجهاد ومقاومة الاحتلال الانجليزي وتأييد العثمانيين في الحرب على الرغم من انهم كانوا على يقين بأن العثمانيين لا يمثلون الوجه الاسلامي الصحيح، إلا ان شرّهم أهون عليهم من خطر الانجليز الكفار، حيث قاموا بتعبئة سكان المدن والعشائر وحثهم على الجهاد وتنظيم تطوع المجاهدين وقيادتهم الى جبهة الحرب. (5)

وعبر هذين التطورين الهامين دخلت المؤسسة الدينية حقبة جديدة وهامة من تطورها السياسي والفكري الذي امتد نحو عقد من الزمن كانت المواجهة المسلحة هي السمة البارزة لهذه الحقبة.

وكانت هذه اولى المواجهات المسلحة التي قادها واشترك فيها رجال الدين والعلماء والشيعة ضد الاحتلال، والتي شكلت تجربة مهمة وناضجة لمواجهتين مسلحتين هما: ثورة النجف عام 1918 وثورة العشرين عام 1920. (6)

ومنذ تلك الحقبة الى يومنا هذا، مرت المنطقة والعراق بالذات بمتقلبات كثيرة سادتها انعطافات سياسية واجتماعية عديدة، مثل تشكيل الحكومة العراقية الحديثة، وما رافقه من موقف المرجعية في الدفاع عن الوطن و إبعاد يد الاجنبي عنها، كذلك حرمة الاقتتال الداخلي بين المسلمين وابناء الوطن الواحد، كالفتوى التي اصدرها السيد المرجع الحكيم في حرمة مقاتلة الاكراد وحرمة غزو البلدان المجاورة مثل الكويت.

وفي قمة صعود المد الاحمر (الماركسي) في العراق، وما شهده من انتهاكات فاضحة للقيم الدينية والاخلاقية، انبرت المرجعية الدينية بفتوى شجاعة بأن «الشيوعية كفرٌ والحاد»، رافقتها مواقف في كربلاء المقدسة، من لدن المرجع الديني الراحل الميرزا السيد مهدي الشيرازي- قدس سره- بمواجهة الالحاد وتبيين معالم الرموز المقدسة والنماذج العظيمة، عبر اطلاق مشروع الاحتفال العـالمي بذكرى مولد الامــام علي بن أبي طالب، عليه السلام، في الثالث عشر من شهر رجب، وتكرار البرنامج كل عام، ودعوة الأدباء والشعراء والشخصيات الدينية والسياسية لحضور هذا المهرجان الكبير في كربلاء المقدسة. وكانت اول تجربة ناجحة لهذا المهرجان عام 1960.

ان مؤازرة الثورة الاسلامية في ايران بقيادة الامام السيد روح الله الخميني، وحرمة مقاتلة ابنائها وغزو اراضيها، هو الآخر كان موقفاً تاريخياً تشهد له الساحة الدينية والسياسية. كما ان دعم الحركات الاسلامية الفاعلة والمعارضة للبعث الصدامي، ودعم الانتفاضة الشعبانية، وتخصيص اجزاء من الاموال الشرعية لعوائل ضحايا المجاهدين والمشردين العراقيين، وغيره كثير، يأتي في نفس سياق الحضور الميداني والجهادي الديني للمرجعية الدينية. كما ان دعوة المرجعية الدينية في العراق لتحذير المحتل الاميركي بعدم البقاء في العراق، وفي الوقت نفسه الحثّ على المشاركة الفاعلة في التصويت على الدستور العراقي الجديد والمشاركة في الانتخابات، وآخرها الفتوى التاريخية لمواجهة عصابات الظلام والتكفير ممن صنعهم اعداء الامة وزجهم في هدم بلاد المسلمين في الشام والعراق بعد دخولهم الموصل وصلاح الدين، يُعد موقفاً جهادياً تاريخياً واضح المعالم والمقاصد من مرجعية حريصة على المصالح العامة للامة والعراقيين ومكتسبات جهادهم المضني.

كما ان اصطفاف المرجعية الدينية في العراق وايران ودول المنطقة ومؤسساتها الدينية والثقافية، وفي وقفة رجل واحد لدعم قضية الشيعة في البحرين والسعودية، لاسيما مظلومية آية الله الشيخ النمر باقر النمر، المعتقل لدى سلطات الامن السعودية، وتلفيق التهم عليه والمطالبة بإعدامه، قد اذهل اعداء الامة والمؤسسة الدينية، وأجبرهم على تجميد مخططهم الرهيب في النيل من كل صوت هادر مطالب بالحقوق المشروعة للمظلومين في البحرين والسعودية ومناطق اخرى.

------------------

1/ د. علاء عبد الحسين الهيمي، حقائق عن المواقف في العراق من الثورة الدستورية الايرانية (1905 - 1911) جامعة الكوفة، كلية التربية.

2/ ماجد الغرباوي، الشيخ محمد حسين النائيني (منظر الحركة الدستورية) مؤسسة الاعراف.

3/ المصدر السابق.

4/ احمد باقر علوان الشريفي، كربلاء بين الحربي العالميتين (1918 - 1939/2004).

5/ عبد الحليم الرهيمي، تاريخ الحركة الاسلامية في العراق (1900 - 1924) الدار العالمية للطباعة والنشر، بيروت.

6/ دور رجال الدين الشيعة في الاحداث السياسية العراقية (1900 0 1920) ، الحلقة الاولى، باسم احمد هاشم الغانمي/ باحث اكاديمي في التاريخ السياسي.


ارسل لصديق