أزمة النازحين .. مشاكل وحلول
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2014/09/11
القراءات: 5496

بين ليلة وضحاها وجد العراقيون انفسهم امام حقيقة مريرة، لو انها قُصّت عليهم، ولم تكن ماثلة امامهم لكانت في نظر الكثيرين منهم، انها الى الخيال اقرب منها الى الحقيقة. فعصابات الارهاب قد سيطرت على مساحات شاسعة من العراق، وعاثت في الارض فسادا. فمن الذبح والاغتصاب وسبي واستعباد النساء والسلب والنهب، الى تفجير البيوت وصولاً الى التهجير الجماعي، ونزوح مئات الآلاف من المواطنين من محافظات الموصل وكركوك و ديالى، الى باقي مناطق العراق. فالشيعة من التركمان والعرب في تلعفر وسهل نينوى وطوزخورماتو وغيرها، قد نالوا القسط الأوفر من هذا التهجير والنزوح، والقتل على الهوية وكذا الحال مع الشبك والايزيديين و المسيحيين. وتحولت مناطقهم الى ساحات للمعارك وموطن للتكفيرين.

 

* رحلة النزوح .. مأساة ما بعدها ماساة

من يلتقي بالنازحين ويستمع قصص نزوحهم، لاشك انه سيصاب بالذهول؛ لعظيم معاناتهم ومأساتهم، فلنا ان نتصور: كيف ان الناس خرجوا من مناطقهم وكثير منهم لا يعلم عن حال باقي افراد عائلته واين هم وما هي وجهتهم؟! والبعض الآخر من لهم معاق اومريض او مسن في اسرهم، فاضطروا الى الهروب وتركه في الدار، او تركه على طريق الهروب؛ بعد ان داهمهم الخطر. بل ان البعض تركوا بعض افراد اسرهم؛ حينما أعياهم التعب والجوع والعطش، ولم يكن لهم وسيلة لحملهم، فالكثير من الناس قد نزوحوا هاربين سيرا على اقدامهم. ومنهم من لم يستطع دفن ذويهم حينما قتلوا امامهم! او ماتوا من الخوف او إعياء الهرب.. ولنا ان نتصور ماهو شعور الاسرة بجميع افرادها وهي تترك احد افرادها ميتاً بلا دفن في دارها.. اوعلى قارعة الطريق! والأصعب منه ذاك الشعور الذي ولا شك انه سيقضي على صاحبه بعد حين، حينما يتركون ذويهم من المسنين او المرضى او الذين اعياهم التعب على قارعة الطريق ليستقبلوا الموت بلا معين.. فعلا انها ماساة ما بعدها مأساة. ولا أدري ان كان بامكاننا ان نستشعر بوالدين تغتصب ابنتهما امامهما او انها توخذ من بين ايديهما او اطفالاً يذبح والدهم امام اعينهم وينتهك عرض والدتهم ويسبون معها.. وغيرها كثير.

 

* النازحون في المخيمات

وفي مناطق النزوح تبدأ معاناة اخرى للنازحين، أولها: اماكن سكنهم؛ فمنهم من سكن المخيمات، ومنهم من سكن خربة قديمة، والبعض الآخر سكن بنايات قيد الانشاء، ومنهم من سكن المدارس، والبعض الآخر حصل على وضع أفضل الى حد ما؛ بان سكن الحسينيات، وبنايات المواكب الحسينية. ورغم تعدد شكل مساكن النازحين إلا انها تشترك في سمات عامة تشملها جميعا؛ ففي الظروف المناخية القاسية حيث الحر الشديد؛ فان هذه المساكن لاتلبي ادنى متطلبات الحماية من الحر. كما انه قد لا تتوفر في بعضها أي خدمات صحية كافية او مناسبة.

 

* المشاكل الصحية

ان الاماكن الحالية التي يسكنها النازحون، وبسبب عدم وجود تناسب بين مساحة المكان وعدد العوائل، فان احتمال ظهور مشاكل صحية يكون كبيراً، كما ان الازدحام بالاساس، يساهم وبسهولة في انتقال وتفشي الامراض السارية. وهنا على الدوائر الصحية في عموم العراق، استحداث وحدة عمليات صحية خاصة بالنازحين في كل منطقة يتواجدون فيها، وتركز على الامراض التي يمكن ان تنشأ في اوساطهم، وتحويل المخصصات الصحية للمناطق التي نزحوا منها الى المناطق التي نزحوا اليها، من لقاحات و ادوية، ونخصّ بالذكر الادوية الخاصة بالامراض المزمنة، مثل السكري وضغط الدم وغيرها. وكما تم دمج المنتسبين في الدوائر الصحية في المناطق الساخنة، فانه بالامكان الاستفادة من هذه الكفاءات في مراكز صحية قريبة خاصة قريبة من مساكن النازحين، وعقد الندوات لزيادة الوعي الصحي والاستفادة من وسائل الاعلام، وطبع المنشورات في بث هذا الوعي.

 

 

* الآثار النفسية

ان مشاهد الدماء والذبح والموت والاغتصاب والدمار واصوات اطلاق النار ومحنة الهرب وفقد الأحبة، لها آثار سلبية عميقة في نفوس النازحين عامة وعلى النساء والاطفال خاصة. مضافا الى ان ظروف حياة النزوح الجديدة هي بحد ذاتها بركان يغلي ويولّد حمماً لامراض نفسية قاسية. وهذا يتطلب تشكيلاً فورياً لوحدات العلاج النفسي تقوم بمهمة المباشرة الفورية لمتابعة هذه الحالات قبل استفحالها. والتي ربما تحتاج لسنوات حتى يتعافى المصاب منها.

 

* الآثارالاقتصادية

ان النزوح وما رافقه من سيطرة الارهاب على مناطق النازحين كان له آثار اقتصادية وخيمة على النازحين انفسهم وعلى سكان المناطق التي نزحوا اليها. فالارهابيون جردوا النازحين من ممتلكاتهم، ودمروا عددا كبيرا من منازلهم، وسلبوا ونهبوا، لذا فانهم يفتقدون تماماً لفرص عملهم الحر، ووجدت الغالبية العظمى من النازحين انفسهم في مناطق النزوح بلا ادنى مردود مالي.

وكما لا يجهل المسؤولون في المحافظات التي تستضيف النازحين، أن مشاكل البطالة والغلاء في المواد الاساسية والسكن، من ابرز سمات الوضع الاقتصادي والمعيشي في العراق، فان وجود الاخوة النازحين مع حاجتهم لفرص العمل والدخل البسيط لسد حاجاتهم، فان المطلوب منهم، ايجاد حلول منهجية وخطط متكاملة، لتوفير فرص عمل لا تؤثر على الوضع المعيشي الصعب لدى السكان المحليين، لاسيما فيما يتعلق بفرص العمل وقيمته، واسعار السكن والايجار.

 

* الآثار الثقافية

ان اختلاط العوائل وبخاصة المراهقين والاطفال في بنايات غير معدة للسكن، وبأعداد كبيرة جداً، يؤدي الى انتشار بعض العادات السلبية، بين المراهقين وكذا الاطفال. هذا فضلاً عن ظهور مشاكل ومشادات بين العوائل المختلفة الطباع والعادات. وهنا يتوجب على أولياء الامور الالتفات الى ذلك، والعمل على حماية اطفالهم من اكتساب هذه العادات السيئة، من خلال برنامج مكثف لاطفالهم، وللاطفال الآخرين الساكنين معهم، لغرس ثقافة الاحترام والتعاون والمحبة والتعايش.. وبهذا نحول أزمة النزوح من كونها احد عوامل التدهور الثقافي الى عامل للبناء الثقافي؛ وذلك بتحويل المساكن المزدحمة الى مراكز ثقافية، تشارك فيها الاسر، وتتعاون فيما بينها لغرس الثقافة السليمة في نفوس الابناء. وهنا تقع على المسؤولين مهمة كبيرة، لاسيما في وزارة الشباب و وزارة التربية، في توفير الاجواء اللازمة لانجاح التربية والتعليم والتأهيل خلال فترة النزوح، من خلال فتح رياض للاطفال، بتخصيص عدد من المباني او وضع الكرفانات لهذا الشان، بالاستفادة من موظفي رياض الاطفال النازحين او التعاقد مع نازحين او محليين، وتوفير وسائل توعية للعوائل وبخاصة أولياء الامور عن كيفية التعامل مع الوضع الجديد. ويجب ان لا يغيب دور منظمات المجتمع المدني المهتمة بشؤون الطفولة والمراهقين والثقافة في تحقيق هذا الهدف. وينبغي بالحوزة العلمية ان تتحمل مسؤوليتها الشرعية في هذا الاتجاه، بفتح دورات تعليم الاحكام ونشر الثقافة الدينية والقرآنية والاخلاقية، وخاصة اذا ما علمنا ان معظم النازحين قد تمركزوا في محافظات تنشط فيها الحوزة العلمية. وان اكثرهم يسكنون في الحسينيات الممتدة مع الطرق الخارجية مما يسهل عملية الثقيف والتبليغ السيّار.

 

* الآثار التعليمية

كما هو معلوم ان مناطق العراق كافة تعاني من تردي خدماتها التعليمية بشكل كبير، فعدد طلاب الصف الواحد، قد بلغ ارقاما قياسية، وان كثيراً من المدارس خفّضت ساعات دوامها؛ لتشارك اكثر من مدرسة في بناية واحدة، والبعض الآخر طالته صفقات الفساد؛ فهدِّم ولم يعمّر، اضافة الى تردّي خدماتها الصحية بشكل كبير. والبعض الآخر سكنه النازحون.. واليوم فان هذه المؤسسة امام تحدٍ جديد وكبير ألا وهو الطلبة النازحون. فهؤلاء الطلبة قد تركوا مدارسهم، ومن لديه امتحانات للدور الثاني، ومنهم لم يبق على تخرجه من الكلية إلا امتحانات الدور الثاني، وقد نزح وترك جامعته؛ فصار مستقبله في مهب الريح. فصار من المهم وضع حلول سريعة لهم، خاصة ونحن على ابواب امتحانات الدور الثاني، وبداية العام الدراسي الجديد. ولعل ما يمكن ان نسميه حلاً هو السماح للطلبة في المدارس والجامعات باداء امتحانات الدور الثاني في مناطق نزوحهم، واستدعاء موظفي التربية والتعليم كافة للعمل في غرفة عمليات خاصة بالطلبة النازحين في مناطق النزوح يضاف اليهم عدد من موظفي التربية والتعليم في مناطق النزوح. ولعل مشكلة الطلبة الجامعيين قد يمكن - بطريق او آخر- استيعاب نسبة كبيرة منها. إلا ان الامر الصعب هو استيعاب مشكلة طلبة الثانويات والابتدائيات. وهنا لابد ان تقوم ما يمكن تسميته «غرفة العمليات المشكلة من الاداريين التربويين النازحين والمحليين»، بدعوة المعلمين والمدرسين النازحين، والتعاقد مع المحليين غير المعينين اذا تطلب الامر، وبالاستفادة من البنايات المدرسية بدوام ليلي، او الحسينيات كمدارس وبالتعاون مع وزارة النقل لتوفير سيارات لنقلهم الى هذه المدارس او الحسينيات، وهي فعلا متوفرة، وحل هذه المشكلة بالكامل.

 

* التحديات الامنية

تواجه الجهات الامنية في المناطق المنزوح اليها تحديات امنية؛ وذلك لاستغلال الارهابيين موجة النزوح والتخفّي بين النازحين؛ لاختراق هذه المناطق وهذا يتطلب من الجهات الامنية القيام ببعض التدابير، والتي قد يكون منها: اصدار بطاقة خاصة لجميع النازحين حتى الاطفال منهم تكون مرجعاً لإثبات الشخصية، ومعرفة مكان استقرارهم الجديد. و تشتمل على بعض معلومات هوية الاحوال المدنية، ومعلومات بطاقة السكن الاصلية للنازحين، ومعلومات تماثلها للسكن الجديد وتحمل مع هوية الاحوال المدنية لجميع النازحين. وفتح شبكة معلومات موحدة ومترابطة في جميع العراق خاصة بهذه البطاقة، ومن خلالها يمكن معرفة التحركات المحتملة للارهابيين المتخفين بين الاخوة النازحين، ودعوة المختارين النازحين، والمسؤولين الامنيين المحليين في المناطق المنزوح منها، وكذا اعضاء المجالس المحليين النازحين، والتواصل مع جميع هؤلاء الكترونياً للاستفادة من المعلومات عن الشخصيات المشبوهة في مناطقهم الاصلية. ومن المهم تأسيس مجالس محلية جديدة للنازحين وتحديد مختارين لهم للمتابعة الامنية، وتسهيل توفير الامن لهم، وتسهيل امورهم المتعلقة بالجانب الامني، كمعرفة مصير المفقودين منهم، وتحصيل اوراقهم الثبوتية المفقودة، واستصدار غيرها، وغيرها من الامور المرتبطة بالموافقات الامنية.

 

* الآثار الاجتماعية

واذا كانت الآثار النفسية والاقتصادية والامنية المترتبة على النزوح وخيمة، فان آثارها الاجتماعية هي الاشد خطورة، فما جرى مؤخراً في العراق قد مزق النسيج الاجتماعي العراقي بشكل خطير جداً. فمعلوم ان النازحين انما نزحوا هرباً من قتل الارهابيين لهم، ولا يخفى على احد ان النازحين انما ينتمون الى مكونات معينة ياتي الشيعة التركمان في مقدمتهم، والشبك والايزيديين والمسيحيين، وعدد قليل من السنة الفارين من القتال، او اولئك الرافضين لتوجه الجماعات الارهابية والتكفيرية والطائفية والبعثية والانتهازية، ومعلوم ان هؤلاء انما ينتمون بغالبيتهم العظمى ان لم يكونوا جميعهم، الى الطائفة السنية. وطبعا هنا فان الكلام لايشمل جميع السنة بل يشمل من ساند «داعش» من الطائفيين والبعثيين والانتهازيين. والسؤال هو كيف يمكن لهؤلاء النازحين بعد عودتهم ان يتعايشوا مع من هربوا منهم، بل شاركوا في قتلهم واستباحوا حرماتهم و اعراضهم و سلبوا ممتلكاتهم؟!الحقيقة ان هذا الامر صعب للغاية قد يحتاج الى فترة طويلة لعلاجه. ان المشكلة الاجتماعية الاكبر في تزاحم الاعداد الكبيرة من العوائل في مكان واحد وهي عادةً عبارة عن قاعات كبيرة، لايفصل بين عائلة واخرى سوى قطعة من القماش او «بطانية»..! وهذا بحد ذاته يمثل ثغرة ربما تتوسع لتخلق ازمات ومشاكل اسرية صعبة الحل، ففي معظم اماكن سكن النازحين، لا وجود لخصوصية لرجل ولا لإمرأة.ولا لطفل او شيخ، ولا لصحيح او سقيم..!

وباختصار فان أزمة السكن أمام انظار المسؤولين في جميع المدن التي تستضيف الاخوة النازحين، ولابد من وجود حلول سريعة وملائمة لتفادي ظهور مشاكل تزيد هموم النازحين، على ما هم عليه.

 

* خطوات اساسية على طريق الحل

1- الخطوة الاساسية والاهم على طريق الحل هي القضاء على سبب النزوح، ألا وهو القضاء على الارهاب، وطرد عناصر «داعش» من المدن والمناطق المحتلة، وهو ليس بالامر العسير، وجود القدرات المالية والعسكرية الهائلة لدى الدولة، يعاضدها الدعم الدولي والتفاعل الجماهيري في الداخل. وما يضمن نجاح هذه، مشاركة الشباب والرجال الاشداء من الاخوة النازحين في تطهير مناطقهم. مما يتطلب تشكيل قوات خاصة من هؤلاء بعد تنظيمهم وتأهيلهم في مجاميع عسكرية، ثم يتم تدريبهم وتسليحهم على مستوى عالٍ.

ومن جانب آخر فان هؤلاء المتطوعين سيحصلون على رواتبهم أسوة بالمنتسبين في القوات المسلحة.

2- تشكيل غرفة ازمة كبرى تتشكل من المؤسسة الدينية، والبرلمان والحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني. وتقسم هذه الغرفة الكبرى الى غرف فرعية في المحافظات وتقسم كل منها الى اقسام: اقتصادية وعسكرية وامنية واجتماعية وتعليمية وثقافية ونفسية وادارية.

3- تخصيص لجنة اعلامية خاصة للنازحين، وموقع الكتروني، يتولى الاهتمام بشؤون النازحين الخدمية، وتهتم بالوعي الثقافي والامني، وعلاج المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وتكون المرجع لهم في تلقي التبليغات والتعليمات واستقبال الشكوى، وكل ما يتعلق بشؤونهم.

4- تشكيل هيئة من النازحين تتولى مسؤولية الضغط على الحكومة والمجتمع الدولي على حد سواء ؛لوضع حد لمعاناة النازحين، ورفع شكوى قضائية في المحاكم المحلية والدولية ضد المتورطين في دعم الارهاب من الداخل والخارج ومحاسبة المقصرين.


ارسل لصديق