الحاجة إلى رؤية وطنية
كتبه: محمد علي
حرر في: 2014/09/11
القراءات: 781

أخطر التحديات التي تواجهها المجتمعات هي تلك التي يقف فيها المجتمع حائراً بلا حلول أو معالجات، حيث يبقى المجتمع أسيراً أمام أزماته من دون قدرة على تلمس الطريق نحو الحقيقة، ولذلك نرى أن بعض المجتمعات تراوح مكانها لا تستطيع الخروج من عنق الزجاجة بينما تتقدم مجتمعات أخرى على طريق التنمية والتغيير، وهو المائز الحقيقي بين المجتمعات، فلا تخلو الحياة على مختلف الأصعدة من تحديات تطل برأسها حسب الظروف والمتغيرات وهي ليست مختصة بأناس دون آخرين وليس هناك من مجتمع «محظوظ» وآخر «منحوس» ولكن الذي يصنع الفارق في كل الأحوال هو الرؤية والمنهج والمشروع، والقرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة الدامغة حيث يقول ربنا عز وجل {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} .

وهذا هو ما ينبغي علينا أن نسعى لإيجاده في بلادنا حيث نواجه أزمات ليست قليلة تعصف بواقعنا على أكثر من صعيد، ولا يمكن التستر عليها كما يحلو للبعض الذي - بقصد أو من دونه- يرتكب جرماً بحق الناس والوطن حينما يحاول التقليل أو التعتيم وقد يصل البعض إلى درجة من الجهل حينما لا يعترف أساساً بوجود أزمات ويعدّ الحديث عن ذلك هو مجرد «تشويه» لصورة الوطن..!؟ ولكن الحقيقة تؤكد على حاجتنا الماسة لـ»رؤية» نستند إليها في وضع المنهج والمشروع الذي يمكن لأبناء الوطن قراءته وفهمه بوضوح وهو ما سيجعل من الناس هذه الكتلة الأساسية في أي دولة، الرأسمال الحقيقي للوصول إلى تطور وبناء و تنمية حقيقية.

لا يمكن لأي نظام سياسي أن ينطلق من دون «رؤية»، و التي تتلخص في مشروع سياسي يحمل التطلعات والآمال، وهذه القضية بحاجة إلى مناقشة جادة وصادقة. فهل توجد لدينا رؤية واضحة؟ وأين معالمها وآثارها ونتائجها؟

لقد انطلقنا كمجتمع على أكثر من صعيد حين كان من حولنا من المجتمعات يتعثر وربما كان البعض غائباً ولكن واقع الحال في بلادنا اليوم يتحدث عن مؤشرات سيئة ومع الأسف ففي الألفية الثالثة لا يزال المواطن يعاني من أزمات أولية ترتبط بوجود «الوظيفة» و»السكن»، ناهيك عن الفقر ومشاكل ترتبط بالسياسة و صنع القرار، وغيرها من القضايا التي لا تزال تثير قلق المواطن .

إن الحل لا يكمن في استثارة العواطف سلباً وتأجيج المشاعر بطريقة سيئة بقدر ما يرتبط باستثارة الهمم واستنهاض الطاقات من أجل التواصل والترابط والتكامل، كما أن الحل لا يكمن في دفع الناس للتصادم والتقابل، بل ينبغي أن ترشد حركة الناس بطريقة راقية من خلال «التنافس» على طريق العلم والمعرفة والانجاز، وهو ما يميز المجتمعات المتقدمة التي تسعى دائما لصناعة الفارق من خلال «استثمار» الإنسان في بلادها، بينما تعمل المجتمعات المتخلفة على «استحمار» الإنسان. وبدلاً من اعتماد «تفعيل» العقول تعمل على «تعطيل» العقول والقدرات وتقييدها تحت مسميات لا طائل منها، ولا شك أن الكثير من المتابعين والمراقبين في بلادنا يتساءلون إلى متى سنبقى على هذه الحال؟ ومن هو المسؤول عن ذلك؟ وأين هي الحلول؟

إن ما وصلت إليه الدول المتقدمة التي سبقتنا ليس سحراً ولا هو ضربة حظ بقدر ما هو وضوح في الرؤية على مستوى التخطيط ودقة في المشروع على مستوى التنفيذ، فوصلوا إلى مراحل متقدمة في الإنجاز على أكثر من صعيد حتى تحول كل شيء عندهم إلى حالة أشبه بالإبداع.

لقد أثبتت الوقائع في عالم اليوم أن من يمتلك «رؤية» يستطيع أن يجد له مكاناً على الساحة، حتى أن العبرة ليست بالمساحات الجغرافية وليست بالتعداد السكاني مع أهمية ذلك في الحسابات السياسية والاقتصادية، إنما بما يمتلكه المجتمع من رؤية تحقق السبق في الميادين السياسية والاقتصادية والعلمية وتصنع الفارق على مستوى الحضور ، ولكن هذه «الرؤية» المطلوبة بحاجة إلى صناعة «جمعية» من خلال شراكة حقيقية يستطيع فيها جميع المواطنين أن يلتقوا حول دائرة الوطن فيكمل بعضهم زاوية النظر والرؤية لجميع أطراف الدائرة ، وليس من خلال رؤية واحدة فقط قد لا تستطيع أن تحيط بكل أطراف الدائرة وهذا ما يسبب حالة من الإرباك و»التدوير» و»التدويخ»، فيبقى الوطن يدور في فلك الأزمات التي تبدأ ولا تنتهي.


ارسل لصديق