الناجون من ارهاب «داعش» و ثمن الهوية والانتماء
كتبه: محمد علي جواد
حرر في: 2014/09/11
القراءات: 1141

الحديث عن النازحين من المدن التي تعرضت لاجتياح عناصر «داعش»، تحيط به مشاعر الألم والمعاناة، ويستدعي مشاهد الدماء والدمار ومحنة الهرب من الموت.. اطفال ونساء يهرولون مذعورين، ودموع واضطراب يعمّ سكان مدينة كاملة مثل تلعفر ومناطق واسعة في سهل نينوى ومناطق اخرى استهدفها الارهاب الطائفي البغيض. إنها مأساة انسانية مريعة، تستدعي وقفات - وليس وقفة واحدة- في الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي لاحتواء هذه الازمة التي ألمّت باخواننا النازحين.

هذا وجه واحد من الحكاية، بيد أن هنالك وجهاً آخر لا يقل أهمية في تسليط الضوء عليه. فاذا كان من المهم تسليط الضوء على المعاناة التي خلفها النزوح، من فقدان للسكن وفرص العمل والاستقرار والاضطراب النفسي، وقبل ذلك؛ الاعراض التي انتهكت والشهداء الابرياء الذين راحوا ضحية صفقة سياسية - مخابراتية لم تتضح معالمها بعد. فان المهم ايضاً الاشارة ولو من خلال جولة صحفية خاطفة الى التجربة والعبرة من وراء هذا الحدث غير المتوقع للجميع.

لذا عندما نتحدث مع الاخوة النازحين من مناطق مختلفة، فانهم يرفقون الحديث عن معاناة النزوح وارهاب «داعش».. بعبارات الشكر لله تعالى على ما رأوه من تضامن وتكافل ومساعدة مذهلة من الاهالي الذين استضافوهم، سواءٌ خلال رحلة الوصول الى مدن الوسط والجنوب، أو خلال تواجدهم في الحسينيات وأماكن السكن الحالية. والاشارة الأهم منهم والأقوى الى الهوية والانتماء الذي من اجله يتحملون كل شيء - كما يقولون هم- لذا يمكن القول، إن هذا التحقيق البسيط، وسط امواج هذا الحدث الانساني الضخم، كان عبارة عن انعكاس للمشاعر الصادقة التي أدلى بها بعض الاخوة النازحين، وهي رسالة بليغة الى المسؤولين في الدولة، وايضاً الى المؤسسات الثقافية، بل والى عموم ابناء الشعب العراقي بان هنالك شعباً كبيراً ومضحياً وصامداً ومؤمناً يعيش حالة الأقلية ضمن الاكثرية في محافظات الموصل وكركوك وصلاح الدين وديالى. وهؤلاء لا يحتاجون الى الطعام والشراب والسكن والمال فقط، إنما الى التفهّم والتضامن ليشعروا بانهم ليسوا وحيدين في الساحة ويمتلكون من القوة والمنعة ما يمكنهم من الدفاع عن هويتهم وكرامتهم.

 

* لمحة من حياة الشيعة في تلعفر

قضاء تلعفر التابع لمحافظة نينوى، يبعد عن مدينة الموصل حوالي سبعين كيلومتراً، شرقاً باتجاه الحدود مع سوريا، ويُعد بالنسبة للشيعة في المحافظة، بانه يضم اكبر عدد من الشيعة قياساً بمناطق سهل نينوى وسنجار وغيرهما. علماً أن الشيعة والسنّة يتقاسمون تقريباً نسبة السكان في هذا القضاء. هذا القضاء شمله، ما شمل سائر الاقضية والمدن المماثلة في محافظات صلاح الدين وديالى وكركوك، من سياسات التمييز والإقصاء والقمع الممنهج منذ نظام حكم صدام البائد. يروي أحد النازحين، أنه كان معلماً آنذاك، وبدلاً من ان يتخذ غرفة الادارة مكاناً للاستراحة وتبادل الحديث بعد انتهاء الدرس، كان يتجول في الساحة لان من غير المسموح للمعلم الشيعي الدخول الى غرفة الإدارة في مدارس تلعفر! هذا حال المعلم، وهو يعد موظفاً لدى الحكومة، فما بال الانسان العادي في القضاء، مثل الكاسب او العامل او المزارع وغيرهم..

وبعد الاطاحة بنظام صدام، وسريان الشعور بالارتياح والانفراج في صفوف شيعة تلعفر، بالمقابل سرى شعورٌ عارم بالامتعاض والانزعاج من لدن بعض الاوساط السنّية في الموصل على وجه التحديد، حيث هي مركز المحافظة وبيدها الحل والعقد.. وبدأت المشاكل والمنغّصات مع بداية اشتعال فتيل الازمة الطائفية في العراق، عام 2005.

هذه الحقائق التي ربما الكثير منها كان خافياً علينا، جاءت خلال الحديث الجميل والأخوي مع اثنين من الاخوة النازحين من مدينة تلعفر، وهما شقيقان: الاستاذ محسن محمد يونس - مدير مدرسة، والاستاذ سالم محمد يونس - صيدلاني، فكان جلّ الحديث للاستاذ محسن الذي قال: «حملت كفني على يدي طيلة السنوات الماضية،ولم أكن أخشى احداً من الدفاع عن عقيدتي وهويتي».. ثم أوضح بالقول: إن مدينة الموصل كانت تمثل لهم عنق زجاجة ضيقة من الصعب المرور منها بسلام. فأي تعليمات او أوامر تأتي من بغداد الينا، يفترض ان تطبق من قبل مجلس المحافظة او الدوائر المعنية، مثل التربية او الصحة وغيرهما، لكن نلاحظ التسويف والتجاهل وحتى الرفض المعلن.

فيما تقدم الاخ الصيدلاني، بمداخلة عن الاوضاع الصحية ومعاناة اهالي تلعفر، فقال: كان الناس هناك يعانون الأمرين اذا صادف ان وصلت الحالة المرضية بأحدهم الى درجة اللجوء الى مستشفيات الموصل، فكان هذا بمنزلة الهمّ الكبير على صدورهم. فجميع مستشفيات الموصل ترفض بشكل عنيد استقبال اي مريض شيعي من تلعفر، لذا يضطر ذوو المريض الذهاب بصاحبهم الى دهوك، كأقرب مدينة تتوفر فيها مستلزمات العلاج، وهناك ينفقون مبلغ (1.5) مليون دينار لعملية رفع المرارة - مثلاً- بينما التكلفة الحقيقية لهذه العملية في الموصل (400)الف دينار فقط!

ولمن تتأزم به الحالة الصحية، عليه اصطحاب أحد المواطنين السنّة، من الجيران او الاصدقاء، ليكون هو من يسجل اسمه في سجل الواردين بالمستشفى هناك، وعليه أن يحرص على التخفّي خوفاً من العقاب الشديد..!

هذا الوضع التعسفي جعل الاخوة الشيعة هناك، يزدادون تلاحماً وتواصلاً وإصراراً على الانتماء والهوية، لمواجهة المخاطر والتهديدات المحتملة. وهذه ليست المرة الاولى التي يتعرض لها ابناء تلعفر للنزوح والتشريد، إذ كان النزوح الاول؛ عام 2006، عندما نشطت المجاميع الارهابية - التكفيرية، وبدء النشاط الارهابي من داخل القضاء، فجرت عمليات اغتيال وتصفيات بحجج واهية، مثل «العمالة للاميركان» وغيرها. فغادر السكان القضاء، وبعد تطهيرها من قبل القوات الامريكية، عادوا الى ديارهم ثانية، أما النزوح الثاني، فكان عام 2008، بعد عودة العنف الطائفي والعمليات الارهابية التي استهدفت المؤمنين من شيعة اهل البيت، عليهم السلام، فغادر السكان هذه المرة وبقوا بعيدين عن بيوتهم لمدة عشرين يوماً، عادوا بعدها الى ديارهم بعد استتباب الامن والاستقرار.

 

* رحلة النزوح.. معاناة وتجارب تاريخية

قمة المعاناة في ازمة انسانية تلمّ بشعب ما، هي معاناة النزوح والهرب من الموت، فيكون الكبار والصغار والنساء والاطفال، في حالة من الهلع والاضطراب، وقد تركوا منازلهم و هجروا حياة الاستقرار ولا يفكرون إلا بشيء واحد؛ النجاة.. وهذا ما حصل لسكان مدينة تلعفر، وهي من اكبر أقضية العراق، حيث يسكنها حوالي 400ألف نسمة، غالبيتهم من الاخوة التركمان، واذا كان حوالي نصف هذا العدد من الشيعة، فمع التهديد الماحق لهم من قبل التكفيريين والدمويين، فان حوالي 200 الف نازح ترك المدينة باتجاه الوسط والجنوب..

ليس من السهل الحديث عن حالة النزوح، وكيف تمت، لان المسموع والمقروء غير ما يراه الانسان بعينه ويكون بين النازحين ليعرف حقيقة ما جرى.

لكن لابد من نقل صور مصغرة عن ما جرى لاخواننا المؤمنين من معاناة ومأساة خلال هذه الرحلة المريرة، فكان لنا احاديث مع عدد من النازحين في مناطق مختلفة من كربلاء المقدسة، مع التذكير بأن هنالك الآلاف من النازحين لهم حكايات مريرة ومأساية عن هذه الرحلة، لم يتسنّ لنا زيارتهم.. احدهم قال لنا: بأن النزوج الجماعي وبصورة مريعة، كان يرافقه القذائف والنيران من «داعش»، فكان يفترض ان يكون بين سيارة واخرى مسافة معينة لتفادي الاصابة، لكن من فرط الخوف والهلع الذي عمّ الجميع فان الطريق العام المؤدي الى قضاء سنجار كان مليئاً بالسيارات التي تتحرك بشكل متقارب جداً، كما لو ان الناس - يقول الاخ المتحدث- قد نسوا الموت تحت نيران القذائف. وآخر يتحدث عن قذيفة سقطت على سيارة «كيّة» امامه فقتل من كان فيها، ورغم هذا التهديد الماحق، واصل سيره الى حيث النجاة بعيداً عن «داعش». 

وقبل الاسهاب في الحديث عن النزوح الجماعي لاهالي تلعفر، تجدر الاشارة الى ان النزوح لم يتم لمجرد وصول «داعش» على ابواب تلعفر، إنما صمد الاهالي والغيارى من المؤمنين، لمدة يومين لمواجهة العناصر الارهابية، علماً إنهم طلبوا المساعدة والدعم العسكري واللوجستي من الحكومة المركزية، لكن دون جدوى.. يقول الاخ محسن: كنا نترقب الاوضاع الامنية والسياسية بعد احتلال الموصل لمدة 15يوماً، ولما وصلوا تلعفر كان جميع افراد القوات المسلحة العراقية قد وضعوا السلاح أرضاً وهربوا..! الامر الذي خلف حالة من الهلع والخوف لا مثيل له في المدينة، حيث وجد الناس انفسهم بلا حماية أمام موت محقق.

ويؤكد هذه المعلومة، احد الاخوة النازحين من سهل نينوى بان الاخوة في تلعفر سطروا ملاحم بطولية بالمقاومة وطرد «داعش» من مدينتهم ثلاث مرات، قبل نفاذ الذخيرة لديهم واضطرارهم للانسحاب.

ويضيف الاخ محسن، انه وصل مع عائلته الى قضاء سنجار شرق الموصل، حيث كانت المأوى الوحيد لاهالي تلعفر، وبالرغم من الحجم الكبير للنازحين من مدينة كبيرة مثل تلعفر الى مدينة صغيرة مثل سنجار، إلا انه يتحدث عن الاستقبال الحافل وكرم الضيافة الذي رأوه من اهالي سنجار، ويخصّ بالذكر «الايزديين». ولدى وصولهم الى مدينة مندلي في محافظة ديالى، تكرر مشهد التضامن والتكافل الاجتماعي من الاهالي، حيث فتحوا ابواب بيوتهم وقدموا لهم كل ما يلزمهم من طعام وشراب ومسكن، بل حتى قدموا المساعدة المالية.

ويقول الاخ محسن، انه ربما كان افضل من الآخرين حالاً، لامتلاكه سيارة نقل بها افراد عائلته، فقد ترك اناساً قتل العديد من افراد عوائلهم قبل ان ينجو الآخرون، او ان البعض ترك مدينته وهو لا يحمل في جيبه سوى (250 دينار)..!

ويشيد بدور المرجعية الدينية التي وصلت بمساعداتها المالية الى قضاء سنجار لتسهيل أمر سفر النازحين نحو المدن الاكثر استقراراً في الوسط والجنوب لمن لا يمتلك القدرة المالية وليس لديه وسيلة نقل.

يقول أحدهم وهو يمتلك سيارة شحن كبيرة، انه ساعد الكثير على نقلهم من مناطق الخطر ممن لا حول لهم ولا قوة، وفي سنجار كان هناك «مركز السيدة زينب» يتم فيه تسجيل اسماء الراغبين بالسفر والرحيل ولا يملكون المال اللازم، فيتم تسهيل امرهم.

 

* بكى الرجال لجوع وعطش الاطفال..!

أما اهالي سهل نينوى فلديهم قصة أخرى من الاحداث، فهم كانوا قريبين من الموصل - المدينة التي سيطر عليها «داعش» بسهولة، حيث قال احدهم: نحن في قرية القبة، وهي من القرى الشيعية في سهل نينوى، طالبنا الحكومة والقيادة العسكرية بتزويدنا بالسلاح للدفاع عن انفسنا، على الاقل، فلم يستجيبوا لنا، حتى وصل عناصر «داعش» الى قرانا، واجتاحوها بكل سهولة امام انظارنا، ومضت اربعة ايام، لم يحصل أي احتكاك بهم، وكانوا يطمئنون السكان بأنهم لن يتعرضوا لهم، لكن حصل تغير في الموقف عندما دخلوا جامع العباس - عليه السلام، وانزلوا راية الجامع، ومزقوها في الارض، عندئذ شعر اهالي القرية بعددهم البالغ اربعة آلاف نسمة، بالخوف على حياتهم بعد الاساءة لعقيدتهم، فقرر الجميع مغادرة القرية، وبقي في بعض البيوت عدد من كبار السن، على أمل عودة العوائل، وبهدف حماية البيت من السراق، بيد ان المفاجأة الرهيبة حصلت في اعتقال جميع هؤلاء الشيوخ الطاعنين في السن، وكان عددهم بين 70 الى 80 شخص، واقتادوهم الى اماكن مجهولة، ولا يعرف مصيرهم حتى الآن. كما اشاروا الى شيوخ طاعنين في السن مثلهم ألقي القبض عليهم في تلعفر، وبنفس الحالة، لكن هناك اتهموهم بالتجسس، علماً انهم وجدوهم داخل البيوت، فحكموا عليهم بالاعدام فوراً، وعلقوا اجسادهم في أعمدة الاضاءة في شوارع المدينة.

الاخ القادم من سهل نينوى يؤكد ما اشار اليه الاخ الآخر من تلعفر، على الضيافة والكرم والتعامل الانساني الرائع للسكان الايزيديين في القرى القريبة من الحدود مع كردستان، وسمع من احدهم: «اننا نقسم الخبز بيننا وبينكم..». قد بقينا لمدة شهرين في ضيافة هؤلاء قبل ان نصل الى كربلاء المقدسة. ويضيف القادم من سهل نينوى، حقيقة ناصعة، اشار اليها الاخ من تلعفر، وآخر التقينا به، وهي أنهم - الشيعة- كانوا يشكلون الخط الأمامي للمواجهة مع التكفيريين، ليس اليوم، وإنما منذ سقوط الطاغية صدام. يقول احدهم: لا تجد في بيت شيعي بمدينة تعلفر إلا وقدم شهيداً او اكثر في الانفجارات والهجمات الارهابية طيلة السنوات الماضية. فكان ثمن هذا التمسك، القتل والسلب والنهب، في جميع المناطق الشيعية في محافظة الموصل، وربما سائر المحافظات التي يعشعش فيها الارهاب الطائفي.

يقول احدهم ان بيته في سهل نينوى، لانه كان مقراً لموكب حسيني، فقد دمر وسوي مع الارض.. وآخر يتحدث كيف انهم اعتقلوا ابنه البالغ من العمر (21) سنة لان صادف دورية للدواعش فسألوه عن هويته المذهبية، فاجاب بعفوية بانه «شيعي»، وكان من خدمة الموكب الحسيني في قرية «القبة» بسهل نينوى. وقد بقيت اياماً طوالاً انتظر خبراً عن ابني او ان يفرج عنه دون جدوى.. فأتينا كربلاء. لكن هل انتهت المأساة..؟ في الايام الاولى من وصولنا، تعرضت زوجة ابني لحادث مروري وفارقت الحياة، بقي الطفل اليتيم «علي» امامي، لا أعرف كيف سيواجه مصيره في المستقبل..؟

في طريق النزوح - يقول الاخ الكريم- بكى الرجال لأول مرة أمام حالة الجوع الفظيعة للاطفال، ومن شدة الجوع والعطش والحر، لقي ثلاثة اطفال حتفهم امامي، فدفنوهم ذويهم في الطريق..!

 

* ضيافة من وحي الثقافة الحسينية 

كما اشرنا آنفاً، بأننا اكتفينا بتسليط الضوء على اوضاع واحوال النازحين في كربلاء المقدسة، في حين هنالك احاديث وحكايات ومعاناة اخرى في صدور نازحين آخرين يسكنون النجف الاشرف ومدناً اخرى مثل الكوت والحلة والسماوة والناصرية والعمارة والبصرة. من التقينا بهم، يبدي كثير امتنانه لحسن الضيافة التي لاقاها، ويتحدث عن سيل المساعدات الانسانية، من مواد غذائية وادوية وألبسة ومستلزمات اخرى للحياة، الى جانب توفير السكن بالقدر الممكن. وأتفقت كلمة معظم من التقيناهم على أن المسؤولين في العتبة الحسينية والعباسية، اسهموا بشكل فاعل وعلى اكثر من صعيد، في استضافتهم وتوفير ما يلزم للعيش الكريم خلال فترة اقامتهم في كربلاء المقدسة.

احدهم قال: اننا في كربلاء المقدسة، نجد أن مظلوميتنا امتداد لمظلومية الامام الحسين، عليه السلام، فهم قبلنا تم أسرهم واقتيادهم سيراً على الاقدام مقيدين بالسلاسل، ونرجو ان نكون على نهجهم وسيرتهم، وما لقيناه من حسن الضيافة والتضامن والتكافل الجميل، يعبر عن عمق المشاعر الايمانية والانسانية لدى أهالي كربلاء المقدسة المجاورين للإمام الحسين، عليه السلام.

 

* المرجعية الدينية وجهود الإغاثة

للوقوف على نبذة يسيرة من جهود الاغاثة التي حصل عليها النازحون في كربلاء المقدسة، كان لابد من الحديث مع أحد الاخوة الاداريين المشرفين على توزيع مواد الإغاثة، وهو الاستاذ سعد الشمري الذي أنطلق بجهوده المكثفة من الايام الاولى من شهر رمضان المبارك لايصال مواد الاغاثة الى النازحين، والساكنين في الحسينيات والمواكب على الطرق الرئيسية المؤدية الى كربلاء. فاوضح لنا، بانه «استجابة لدعوة المرجعية الدينية، لبذل الجهود لإغاثة النازحين. وقد تحول مكتب مرجعية السيد المدرسي - دام ظله- مركز استقطاب لمخلتف اشكال المساعدة من كربلاء وخارجها، فقد وصلنا من مدينة الحلة مبلغ ثلاثة ملايين دينار لغرض توفير المواد الغذائية، كما وصلتنا (3) طن من الطحين و (3) طن من الرز، تم توزيعها على اماكن اقامة النازحين. وعن طريق مكتب سماحة المرجع المدرسي في بغداد، وصلتنا (1200) حصة غذائية تتألف من الرز ومعجون الطماطة والزيت وغيرها.. كما وزعنا (1800) عباءة نسائية، كما تم توزيع المساعدات العينية وحتى الاموال على النازحين». ويشير الاستاذ الشمري الى تعاون اصحاب المواكب الحسينية لازالة ملامح الألم والمعاناة من وجوه النازحين، معبراً باننا «لاحظنا هبّة ونهضة للاغاثة من اصحاب المواكب الحسينية، فهم ليس فقط فتحوا ابواب الحسينيات للسكن، إنما بدأوا بتقديم المواد الغذائية المخزونة لأيام الزيارة وتوزيعها على النازحين. وقد بلغ التوزيع الى حد الفائض لدى النازحين.. كما تم توفير المبردات والثلاجات والطباخات بالقدر الممكن..».

 

* ماذا يريد النازحون..؟

الاستاذ سالم محمد يونس، اشار الى حقيقة هامة، وهي ان النازح، سواء من تلعفر او أي منطقة منكوبة بالارهاب، كان يعيش مثل أي مواطن عراقي، في بيت مؤثث وله فرصة عمل وحياة جيدة، ويقضي حياته بشكل سلس وطبيعي، حتى جاءت هذه الضربة العنيفة والمفاجئة فتركت في نفسه آثاراً عميقة.. يقول: «بالنسبة للانسان النازح، فهو مصدوم و مصاب، ربما يستفز بأي تعامل معين، لذا فهو يطلب التفهّم والمساعدة وتطييب الخاطر، لاسيما اذا توفرت الخدمات والمساعدات مثل السكن وغيرها للتخفيف من وطأة الازمة عليه.. فحتى الكلمة الطيبة لها اثرها في النفوس، وهي ربما تصدر من امثالكم عندما تتحدثون معنا، او من عالم دين او مبلغ، ، كما من المفيد تحرك الاعلام الحكومي، للحديث مع الناس عن النازحين ومعاناتهم وظروفهم وتصوراتهم، فهو يفيد النازح كما يفيد الناس جميعاً..».

أما اهم ما يفكر به النازح، لاسيما الرجال الذي يعيلون عوائلهم، فهو فرصة العمل والمردود المالي الذي يسمح له بادارة شؤون عائلته بشكل مريح - يقول الاستاذ محسن - بل انه يؤكد على المطلب الأساس، وهو ان تعجّل الحكومة اجراءاتها العسكرية وتحسم المعركة مع «داعش» ليعود النازحون إلى بيوتهم ومدنهم.

وعن الخدمات الصحية، تحدث شقيقه وهو صيدلاني في تلعفر، فكشف لنا عن أزمة الادوية الخاصة بالامراض المزمنة، وهي السكري وضغط الدم وغيرها، مع اشارته الى وجود سائر الادوية واللقاحات للاطفال.

ثم تحدث عن سبب نشوء المشاكل الاجتماعية او النفسية في اوساط النازحين، وهو السكن غير اللائق والزحام في المكان الواحد والمشترك، حيث يسكن معظم النازحين حالياً في صالات كبيرة مخصصة لاستراحة الزائرين السائرين مشياً على الاقدام في الطريق الرئيسية المؤدية الى كربلاء، من محاور بغداد والنجف الاشرف، وفي هذه الصالات يشترك احياناً ثلاث عوائل او اكثر في المبيت والسكن، والعازل بينهما هو عبارة عن بطانية او قطع قماش وغير ذلك.. ثم هنالك الاحتكاك بين الاطفال والتقاطع في السلوكيات والمزاجات وغيرها، ممكن يجعل العيش - ولو لفترة قصيرة- امراً عسيراً للغاية. الامر الذي يستوجب التعجيل في أمر السكن في «كرافانات» او غيرها، اضافة الى حل مشكلة البطالة بين النازحين. يعود الاستاذ محسن للحديث عن تقييمه للأداء الحكومي، فيقول: «على الحكومة ان تستفيد من التجارب والخبرات في هذا المجال، فهنالك العديد من الحالات حصلت في العالم ونزح الكثير من البشر، فمن المفترض الاستفادة من تجارب الآخرين وكيف تعاملوا ونجحوا..».

 

* جهود حكومية للحل

بعد لقائنا مع بعض الاخوة النازحين الحديث عن معاناتهم ومأساتهم، كان لابد من زيارة دائرة الهجرة والمهجرين في كربلاء المقدسة واللقاء بالاستاذ قيس حسين علي الغانمي، الذي تمكنا من اقتناص فرصة دقائق للحوار وسط زحمة المراجعين من النازحين ومتابعة شؤونهم ومتطلباتهم، حيث تعد الدائرة المركز الحكومي الاول المسؤول عن البيانات والاحصائيات الرسمية الخاصة بالنازحين في المحافظة. فرغم هذه المشاغل، كان الترحيب بنا موازياً لمسار العمل الانساني. فسألنا عن آخر ما انجزته الدائرة فقال: «لغاية اليوم (21- 8 تاريخ اللقاء)، تم تسجيل (9947) عائلة نازحة في بيانات الحاسبة و إرسالها الى ديوان وزارة الهجرة في بغداد - قسم المعلومات، وقد تسلمت حتى الآن (3400) عائلة منحة المليون دينار لغاية هذا اليوم». كما تحدث عن المساعدات العينية والغذائية، واشار الى حصول موافقة من الوزارة لتخصيص مبلغ (100) مليون دينار عراقي لشراء المستلزمات البيتية الاساسية مثل خزانات الماء والثلاجات والطباخات والمفروشات وغيرها، ونحن حالياً بصدد تنفيذ اجراءات الشراء ثم التوزيع» .

سألنا الاستاذ الغانمي عن المراحل التي وصلوا اليها لاصدار بطاقة التعريف الخاصة بالنازحين، فاجاب: «من جانبنا كدائرة هجرة ومهجرين سنقوم باصدار بطاقة تعريف، وقد أعددنا النموذج لذلك. علماً ان حجم النزوح الحالي فاق كل التوقعات والتصورات، ولم يمر على العراق نزوح بهذه الكثافة.. وشرط صدور بطاقة التعريف، هو إقفال سجل البيانات واستقرار النازحين في اماكنهم. حتى يمكن توفير السكن والدراسة وغيرها لهم، والمشكلة الحالية امامنا عدم استقرار النازح في مكان معين، فهو ربما يتنقل الى محافظة اخرى لسبب او لآخر..». وعن الضوابط الخاصة التي يعتمدونها في تثبيت هوية النازحين، اجاب: باننا نقوم بتسهيل العملية والقبول بأي وثيقة ثبوتية تدل على وجود النازح في مدينته، وعلى اساسها يتم تسجيله في قاعدة البيانات. واشار الى «تعاون مجلس المحافظة و ايضاً السيد المحافظ ولجنة الهجرة في مجالس المحافظة ، بتسهيل أمر التسجيل».

ونـــقلنا للاســـتاذ مـــعاناة النازحـــين بالنسبة لفرص العمل، فقال: «قمنا بتزويد جميع الموظفين بكتب رسمية للالتحاق بدوائر عملهم المعنية في كربلاء. اما عن العاطلين عن العمل او الحرفيين، فقد جاءتنا منظمات انسانية و اعلنت استعدادها للتنسيق مع الوزارة لتوفير فرص العمل لهم. والوزارة تسعى ما امكن لرفع هذه المشكلة عن النازحين».

أما عن المشكلة الكبرى حالياً، وهي السكن فاجاب بالقول: «بالنسبة لمسألة السكن فقد عقدت ثلاثة اجتماعات بين المحافظ والنائب الثاني ورئيس مجلس المحافظة لمناقشة امر توفير السكن للنازحين على شكل كرافانات قبل حلول فصل الشتاء و اخراج النازحين من الخيام والحسينيات.. وقد دعم السيد وزير الهجرة والمهجرين فكرة الكرفانات ومنتظرون حصول الموافقات لتنفيذ المشروع».

ثم تحدث الاستاذ الغانمي عن الجهود المكثفة والتفاني والتضحيات التي يبذلها العاملون في الدائرة في الاختصاصات كافة، وأن «العمل مستمر دون انقطاع، ونحن لا نشمل انفسنا في العطل الرسمية او الاعياد او ايام الجمعة وغيرها، وقد اكتفينا بعطلة عيد الفطر بيوم واحد فقط، ثم التحق الموظفون باعمال الاغاثة، فكما التحق جنودنا في جبهات القتال ضد الارهاب، نحن ايضاً التحقنا في جبهة الاغاثة الانسانية لضحايا الارهاب في كربلاء».


ارسل لصديق