العلم دون تقوى في خطر
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2014/09/14
القراءات: 788

التجارب التاريخية للأمم والشعوب، تؤكد حاجة العلم الى التقوى، فهي مثل البوصلة التي تحدد المسار الصحيح للعلم، فيكون مفيداً وبناءً. ولعل المآلات المأساوية للعلم في العالم، بفقدان التقوى، خير دليل على ما نذهب اليه، فهنالك الاكتشافات العلمية الكبيرة، مثل (انفلاق الذرة) و(الديناميت) وغيرها، بدأت بنية خدمة الانسان، لكن انحراف المسيرة، أدى لان تكون وسيلة قتل ودمار هذا الانسان.

والعلم على درجات ومراحل، فليست العلوم في مستوى واحد، فهناك علوم الأبدان وعلوم الأديان والأرواح، وعلم الأبدان بدوره ينقسم الى مئات بل آلاف العلوم، فقد إكتشف الانسان لحد الآن المئات من الحقول العلمية، و كذلك الحال بالنسبة الى علوم الدين، ففي علم التفسير - مثلاً- هناك من يعرف تفسير آية واحدة، وهناك من يحيط بتفسير القرآن كله، وهناك من يتقن التفسير من وجه واحد، وهناك من يتقنه من أوجه مختلفة.

وكما ان العلم درجات و أقسام فكذلك التقوى، وربما كان هناك الكثير منا يجهل هذه الحقيقة، فنحن نحسب ان التقوى حالة واحدة، في حين انها مجموعة متكاملة من الروادع و الملكات النفسية تجتمع الى بعضها البعض لتشكل التقوى، ولتوضيح ذلك نأتي بالمثالين التاليين على انواع وحقول التقوى ودرجاتها:

فبالنسبة لأنواع التقوى هناك من الناس من يخدعه المال فإن أعطيته ديناراً باع لك دينه. ومن الناس من لا يخدعه المال بل يخدعه الجاه، فإن أسبغت عليه بكلمة مدح تنازل لك عن دينه وعن تقواه، ومن الناس من لا يخدعه المال والمنصب ولكن تخدعه شهواته الجنسية، فلا يمتلك نفسه في مواجهة الإغراء الجنسي.

وعلى هذا الأساس، فإن حقول التقوى مختلفة، وفي جميع هذه الحقول يكون الانسان بحاجة الى مناعة تصونه من المغريات المختلفة التي تحاول أن تهدم التقوى في داخله وان اساليب تنميتها في النفس الانسانية تعتمد بالدرجة الاولى على استعداده ومن ثم مثابرته في رعايتها، وهناك الكثير ممن يفتقر الى هذه المناعة فنرى إن أبسط المغريات من الممكن ان تؤدي به الى الانحراف والكفر وبالتالي الى النار.

المثال الثاني هو حول درجات التقوى في المجال الواحد، و يتلخص هذا المثال في ذلك الرجل الذي بعث معاوية في طلبه وقال له: أريد منك ان تختلق حديثاً في ذمّ علي ابن ابي طالب.. وأن تثبت انّ هذه الآية الكريمة ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله.. قد نزلت في إبن ملجم..! وان الآية: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} نزلت في علي بن ابي طالب..

فقال الرجل: هذا الحديث يتطلب مالاً كثيراً فكم تعطيني؟ فقال: خمسين ألف درهم، فقال: البضاعة أغلى..! فقال: خذ مائة ألف درهم، فقال: انه قليل أيضاً، فأخذ معاوية يضاعف هذا المبلغ حتى إتفقا على نصف مليون درهم.

انّ تقوى هذ الرجل تعادل في الحقيقة نصف مليون درهم. كما وهناك أناس جاؤوا الى كربلاء لمحاربة الامام الحسين - عليه السلام- مقابل الدراهم والمناصب التي وعدهم إبن زياد بها.

وفي كل يوم  يمر علينا ونكتسب فيه علماً جديداً علينا أن نكتسب تقوى بنفس هذا المقدار، فإذا زاد العلم، ونقصت التقوى كان ضرر العلم أكثر من نفعه، كما يقول الحديث الشريف: (من ازداد علماً ولم يزدد خشوعاً، لم يزدد عن الله ألاّ بعداً)، ولقد كان إبليس عالماً ولكن علمه هذا أخلده الى الارض بدل أن يرفعه منها لأن علمه انفصل عن التقوى ، والى ذلك أشار الشاعر:

      لو كان في العلم من غير التقى شرفٌ     لكان أشرف خلق الله إبليس

من هنا نفهم، أن العلم لن يكون الوسيلة الصحيحة والسليمة لاكتساب الجاه والمنزلة في المجتمع عندما يكون بعيداً عن التقوى، وكم من عالم بذل سنين طوال من عمره، وأنفق وأجهد نفسه، ووصل ما وصل من درجات العلم والمعرفة، حتى اصبح يُشار اليه بالبنان بانه (العالم) إلا أن هذا الوصف او التسمية لم تسعفه من الانزلاق في احضان السلطة الظالمة او اتباع المصالح الفئوية او  الشخصية الضيقة بما يسبب الأذى والمعاناة لابناء شعبه وأمته، والنتيجة؛ بدلاً من ان يُشار اليه بـ (العالم)، سيعرف بـ (المجرم)..! كما هي عاقبة ذلك العابد - العالم في بني اسرائيل الذي تحدث عنه القرآن الكريم: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. (سورة الاعراف /175- 176).


ارسل لصديق