الغدير أمام محاولات قتل السلم والتعايش
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2014/10/21
القراءات: 760

غيوم سوداء داكنة، ليست كالغيوم المعطاءة في هذه الايام الخريفية، تكاد تحجب «الغدير» وما يحمله من مفاهيم السلم والتعايش وكل ما تحتاجه الانسانية للعيش الكريم، لتشد الخناق، ليس على شعوب المنطقة (الشرق الاوسط) فقط، وإنما على الامة بشكل عام.

كل شيء يدعو حالياً الى العنف والتمزق والاقتتال، بل هنالك دفع واضح بهذا الاتجاه من أطراف بعيدة كل البعد عن «الغدير»، فمن التعبئة الطائفية والعرقية، الى الانفاق على التسلّح، وليس انتهاءً بالاسفزازات المستمرة ضد الشيعة بشتى صنوف الارهاب الدموي، من تهديد وتشريد وقتل بالجملة وتفجيرات وحشية.. وما محاولة جسّ نبض الشارع الشيعي داخل السعودية وخارجها، باصدار حكم «القتل تعزيراً» على الفقيه النمر من قبل القضاء السعودي، وايضاً الاصرار على بقاء سياسة التمييز والإقصاء والقمع في البحرين، إلا محاولة من جملة محاولات رامية للدفع نحو مستنقع الحرب الطائفية.

فما ينقمون من «الغدير» إلا أن خلفه يقف شخصٌ لم ولن تلد الانسانية نظيراً له، حوّل السلطة والحكم الى رسالة انسانية وحضارية، فتجاوز عن حقّه في الخلافة والحكم، ليعرف الناس الحق ثم يعرفون أهله، بينما حوّل الآخرون الخلافة الى ملك عضوض، جعلوا الامة وعلى مر الاجيال والدهور تدفع ثمناً باهضاً لقاء تكريس هذا المفهوم الجديد على الرسالة.

 هكذا أُريد ان يكون حال الامة اليوم.. فمنذ الايام الاولى لانتصار الغرب بعد الحرب العالمية الاولى، حاولوا المساس بعقيدة الناس، من خلال إبعاد الناس عن كتابهم المجيد (القرآن الكريم) وقبلتهم الواحدة (الكعبة المشرفة)، كما ينقل عن ذلك السياسي البريطاني الذي طالب بالسيطرة على هذين المصدرين للعقيدة، للسيطرة على المسلمين، لكن يبدو ان فترة القرن من الزمن أثبتت فشل هذه المحاولات، فكانت المحاولات الجديدة في المساس بالمشاعر ثم التلاعب بالعقول والقناعات حتى اصبحنا نلاحظ تكاثر المدعين بـ «الحق» والناطقين باسم «الحقيقة»، مما يبرر لهم كل فعل وقول كل شيء، مهما كانت النتائج، ويبدو أن هذا تحديداً مسؤولية الحكام في بعض دولنا الاسلامية في ان يرعوا تنمية هكذا عقول وتوجيهها نحو كل ما يدعو الى الكراهية والعنف والإقصاء. 

أمام هذا الواقع المرير.. ما الذي يجب فعله..؟

عندما نقول: «الغدير» في خطر، فان الخطورة تمس المفاهيم والقيم، مما يجعلنا امام مسؤولية تاريخية وحضارية لصون «الغدير» بصون وحماية هذه المفاهيم والقيم التي رفع لواء الدفاع عنها أول مرة، أمير المؤمنين، عليه السلام، عندما حمل الغدير في ضميره ووجدانه وعاش بعيداً عن «حقّه» في الخلافة والحكم، فهو المحنّك والداهية الذي لم يغدر ولم يفجر - كما فعل معاوية - والغاية لديه لا تبرر الوسيلة، وهو الذي يعلمنا كيف نحقق العدل والمساواة من خلال نملة تنقل «جلبة شعير» بفمها ولم يسلبها منها. لذا فان الفكرة الجديدة المشبوهة التي تقف خلف كل هذه الاحداث الدامية في بلادنا، هي أن هنالك «دولة» قادرة على إثبات وجودها من خلال بناء علاقات مع المجتمع قائمة على الرعب والقسوة والدموية وإقصاء الاخلاق والانسانية، لتكون بديلاً عن نموذج الدولة التي أرسى دعائمها الامام علي بن أبي اطالب، عليه السلام، قائمة على اساس التعايش والتكافل والتسامح، وقد بين بنود هذه الدولة، عليه السلام، منذ الايام الاولى لرحيل النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم.

نعم؛ الكثير يتحدث اليوم عن الاستعداد والتهيؤ للمواجهة الساخنة والمباشرة مع الارهاب الطائفي في ميادين القتال، فيستلزم الامر التدريب على السلاح وسائر فنون القتال. وهذا حَسَنٌ جداً، لانه يفيد في حفظ الارض والانسان، والأحسن الاستعداد الكامل لحفظ العقيدة والدين والقيم والمفاهيم، من خلال إعادة النظر في كثير من المناهج والسياسات والبرامج وحتى السلوكيات الخاصة، وإلا فان السلم الاهلي والتعايش وصناعة الامن والاستقرار لن تكون هدية مغلفة وجميلة تقدم الينا من الخارج، إنما هي نتاج جملة عوامل داخلية تجعل الجبهة الداخلية متماسكة عصيّة على الاختراق والتصدّع.


ارسل لصديق