معركة الوجود وضرورة الإعداد الشامل
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2014/10/22
القراءات: 717

قد تخوض جماعة ما او دولة ما حرباً دفاعية ضد دولة اخرى او جماعة اخرى، تريد الاستيلاء على أراضيها، او قد تخوض تلك الحرب؛ دفاعاً عن ثرواتها ومكتسباتها، او قد تخوضها؛ لتحقيق استقلالها واسترجاع حقوقها المسلوبة. وهناك حروب تدور بين ابناء البلد الواحد تبغي فيها جماعة على اخرى لأسباب طائفية او عرقية؛ تبتغي منها الجماعة المعتدية انهاء وجود الجماعة الاخرى في ذلك البلد. وعادة ما تنحصر هذه الحروب ضمن حدود البلد ولا تتعداها، فاذا ما تخلّت الطائفة المعتدى عليها عن بلادها وارضها، توقفت الحرب وانتهت، ومثاله: القمع والحروب التي فرضت على الشيعة من قبل حكام الجور لولايتهم لأئمة الحق من آل بيت النبي المصطفى، صلى الله عليه وآله. لكن الغريب والعجيب في الامر ظهور نوع جديد من الحروب.. انها حرب إبادة شاملة، واستئصال من الجذور، ألا وهي الحرب التي فرضتها فئة ضالة مُضلّة على شيعة آل البيت, عليهم السلام، لا لأجل ارض ولا ثروة، ولا تتوقف ساحتها في بلد معين، و لا تنتهي بتغير الشيعة لولائهم ولا حتى لمعتقدهم؛ فمعتقد هذه الفئة الضالة يقضي بقتل الشيعة جميعاً على نحو الوجوب الشرعي، بادعائهم أن الله - تعالى- أمرهم باستئصال الشيعة ومحوهم من على الارض وجوداً ومعتقداً، ولا يشفع لنا أي شيء.. لان لا توبة لنا..! اذ اننا قد كفرنا بعد اسلامنا -حسب زعمهم- وعليه، فمالنا وما نملك حلال على هذه الفئة الباغية، ونساؤنا تُسبى جواري، واطفالنا تُسترق، ورجالنا تُذبح وتُنحر.

 

* معركة الوجود

حقاً انه لمنطق غريب تجاوز كل اشكال الظلم الجور والقتل السابقة؛ حتى اصبح قتل الشيعة عندهم تسلية، والتمثيل بهم قربة! ألا ترى كيف انهم جعلوا من رؤوس الشيعة -الذين نحروهم - كرة قدم يلعبون بها!! وهكذا لم تعد معركة الشيعة اليوم معركة دفاع عن وطن او ثروة او عقيدة او عرض فحسب، بل هي معركة وجود؛ فهؤلاء لن يقبلوا الا بمحو الشيعة والى الابد! وهذا ليس بأمانيهم، فسنّة الله في الارض قد اقتضت ان يكون النصر النهائي لدولة العدل الالهي على يد شيعة آل المصطفى محمد، صلى الله عليه وآله، بقيادة إمامنا صاحب العصر والزمان - ارواحنا له الفداء-.

 

* الاستعداد الدائم

وهكذا ونحن نخوض معركة الوجود، صار لزاماً علينا الاستعداد الدائم، والوقوف على أهبة الاستعداد، وعلى مدار الساعة؛ للدفاع عن عقيدتنا، والتي نمثل نحن ارضية وجودها. فخطورة المعركة وحساسيتها تتطلب منا استعدادا يتناسب و تلك الخطورة البالغة. فهذا الاستعداد يجب ان لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل يجب ان يكون استعداداً شاملاّ، وعلى كافة الاصعدة، وبخاصة في الجانب العقائدي والثقافي والفكري والنفسي. وكذا الاستعداد السياسي والاداري والعلمي و الاعلامي والاقتصادي والزراعي والصناعي، بل وحتى الاجتماعي. قال تعالى:

 {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}. (سورة الانفال، 60)

 

* الاستعداد العقائدي والثقافي والنفسي

ان الدافع الاكبر والمحرك الاقوى للإنسان للقيام بأعمال كبيرة تتطلب جهداً عظيماً، مثل الجهاد والتضحية والصبر والمصابرة، هي عقيدة الانسان نفسه. فأغلب اهل الارض يعتقدون بضرورة الدفاع عن الاوطان والاعراض والاموال؛ ولهذا نرى ان معظم اهل الارض ينبرون لحمل السلاح والدفاع عن تراب اوطانهم، واعراضهم واموالهم؛ ولهذا نرى ان الدول تربي أبناءها على حب وطنهم، وتزرع فيهم عقيدة وثقافة الدفاع عنه. وهذه التربية العقائدية تظهر كسلوك ثقافي للإنسان، فتراه يحمل السلاح ليدافع عن بلده، بل واحيانا يقوم بمهام تكون نسبة النجاة فيها محدودة جدا. أما نحن المسلمين فإننا نختلف كثيراً عن غيرنا من شعوب الارض في اننا اضافة الى عقيدتنا في الدفاع عن اوطاننا، فان ديننا الاسلامي جعل من الجهاد في سبيل الله أحد فروعه. وهو واجب شرعي لدى جميع المسلمين. وتميزنا نحن الشيعة عن غيرنا باننا نحمل أسمى و أعظم و أنبل راية للجهاد والتضحية والفداء، ألا وهي تلك الراية التي رفعها إمامنا أبو عبد الله الحسين، عليه السلام، في كربلاء. ومن ذلك اليوم والى الابد، سيبقى صوتنا يدوي هادراً: «هيهات منا الذلة».

ومما يساعد على تبني هذه العقيدة، اعتقادنا بالمعاد، و بالثواب والعقاب في الآخرة، وان الدنيا الى زوال؛ وما نعتقد به من الاجر العظيم الذي يناله الشهيد. ومن هنا فإن التكريس لعقيدة الجهاد التى جاء بها الاسلام وجسدتها عاشوراء هي الركن الاساس في هذه المعركة؛ لذا صار لزاما علينا ان نكرس ونغرس عقيدة عاشوراء في نفوس الناس، وبخاصة الناشئ الجديد، ولندق ناقوس الخطر من ان عقيدتنا اليوم بخطر؛ لما يتعرض له ابناؤنا من سيل ثقافي جارف يقوض اركان هذه العقيدة. وتقع مسؤولية ذلك على عاتق الحكومة بشكل اساس وتردفها في ذلك الحوزة العلمية؛ وذلك بتكريس هذه العقيدة في مناهجنا التعليمية. ولنتوقف عن تمجيد اعداء العقيدة في كتب ابنائنا، لأولئك الذين زرعوا في الامة هذا الفكر المنحرف، الذي يعتقد بوجوب ذبحنا!

 

* الاستعداد السياسي والاداري

لا يخفى على أحد ان الساسة هم من يمسك بزمام الامور التشريعية والتنفيذية، وما يتبعها من الادارية. وهاتان السلطتان تسيطران على كل شيء من امور البلاد والعباد. وإن أي إعداد لمعركة الوجود وفي كل المجالات، فانه لابد وان يمر عبرهم؛ ولهذا تتوقف نتيجة المعركة وحسمها على مدى كفاءة الساسة، واستعدادهم لإدارة هذه المعركة. ولا يخفى على احد أن تجربة السنوات الماضية كشفت عن خلل خطير في المنظومة السياسية. ولعل اهم اسباب تقدم الزمر الباغية هي المنظومة السياسية التي لم تقدم سوى هدر المال العام وسرقة قوت الفقراء، ولم تحرك ساكناً لوضع أي حل لهذا الواقع، غير أبهة لمصيرنا ومعركة الوجود التي نخوضها؛ وبعد ان عجزت هذه المؤسسة عن صد زحف الزمر الباغية، او بالأحرى لم تهتم لصدهم؛ اعتمد الناس على امكاناتهم المحدودة بتوجيه من مراجعنا العظام؛ لحماية انفسهم والدفاع عن بلادهم ومن هنا صار من المهم اعادة هيكلة هذه المؤسسة بالشكل الذي تكون فيه في مستوى معركة الوجود وتحدياتها وجسامتها وادارتها. لا ان تكون مؤسسة لادارة سرقة وهدر قوت الشعب بل وهدر حياته ووجوده إلا ما رحم ربي منها.

 

* الاستعداد العسكري

وبعد الاستعداد العقائدي والثقافي، والسياسي والاداري، تأتي اهمية الاستعداد العسكري. فقد كشفت لنا المعركة التي نخوضها اليوم ان الغالبية العظمى من الجيش كانت اشبه ما يكون الى شركة وهمية لسرقة المال العام، ولم يكن هناك جيش بالمرة إلا من «الفرقة الذهبية» و «جهاز مكافحة الارهاب» و «قوات النخبة»، وبضعة طائرات وطيارين لا غير، وما تبقى هو في غالبيته العظمى هيكل شكلي تتم من خلاله السرقة الكبرى. فمصطلح «الجنود الفضائيين» والذي يعني اسماء لجيش مسجل على الورق فقط لا وجود له، بات امراً مألوفاً، تُسرق باسمه اموال الشعب بعنوان رواتب الجُند، وصفقات تسليح وهمية، وضباط لا يعلم ما هو تحصيلهم الدراسي يقودون الجيش، ومناصب عسكرية رفيعة تشتـــــرى بالـــــدولار..! وجنود يستلمون سلاحاً لا تعلم صلاحيته مع عدد قليل من الاطلاقات. وجنود غالبيتهم العظمى دخلوا الجيش في مقابل دفعهم للمال ليجنوا بعدها المال كرواتب، علاوة على انه الجيش الوحيد الذي لا يتدرب. فهل يمكن ان نسميه جيشا؟! والصحيح ان نقول ان جيشنا عبارة عن فرقة تسمى بالذهبية، وجهاز لمكافحة الارهاب، وقوات النخبة الخاصة، وبضع طائرات وبضعة وطيارين. وهكذا فلا مناص لنا من التحرك السريع لبناء جيش مهني حقيقي، عقيدةً وادارة وتسليحاً وتدريباً.

 

* الاستعداد الاعلامي

اصبح للاعلام دوره الفاعل والخطير في كل مجالات الحياة، وبخاصة في حقل غرس العقيدة والفكر والثقافة، وفي مجال الحروب عبر رفع الروح المعنوية للجيوش و بث الاشاعات و خفض معنويات جيش العدو. او تبني رؤية معينة او معاداتها او اثارة الفتن او اخمادها. ولقد أظهرت السنوات الاخيرة ركاكة خطيرة جداً في أداء اعلامنا في مقابل الاعلام المعادي. ولعل الكثير يتفقون على أن أحد أهم اسباب سقوط الموصل وتكريت كان الاعلام، متمثلا بعدد من قنوات الفتنة، الذي أشاع حالة الانكسار والفوضى؛ بشنه الحرب النفسية على الجنود. فينبغي ان ترتقي المؤسسة الاعلامية بقدراتها الى مستوى معركة الوجود ، فكرياً و ادارياً وتقنياً؛ لتكون احد اهم اسلحتنا في هذه المعركة.

 

* الاستعداد الاقتصادي والزراعي والصناعي

ان الحروب والمعارك عادة ما تسبب الانهيارات الاقتصادية لأي بلد كان.

واذا ما اراد أي بلد المواصلة والاستمرار في دفاعه؛ لابد ان يكون لاقتصاده مقومات الاستمرار والمقاومة.

فأي بلد يعيش على انتاج وتصدير النفط كالعراق، وبموازنة تصل الى مائة وخمسين مليار دولار، يواجه - ولا شك- تحدياً بالغ الخطورة، ويعاني من نقطة ضعف قاتلة، فهل تصور الساسة ان انتاج النفط يمكن ان ينخفض او يتوقف في أي لحظة، خاصة ونحن نعيش في منطقة هي الاكثر سخونة في العالم؟ فأي توتر قد يحدث او حرب قد تنشب؛ فانه ولا محالة سيتوقف هذا الانتاج او ينخفض.

ولنا ان نتصور كيف يمكن توفير مائة وخمسين مليار دولار لتسيير البلاد؟! والغريب في الامر ان الزراعة التي كانت منتعشة في العراق، وكذا بعض الصناعات المحلية التي توفر حاجة السوق المحلية انهارت جميعها.

فلا نعلم حقيقة الاسباب التي حولت العراق من مصدر للمحاصيل الزراعية الى مستورد لكل شيء.. فأين الساسة من موضوع الزراعة في بلد النهرين و أرض السواد، وغالبية ابنائه مزارعون؟ وهل فكرنا ماذا يمكن ان يحدث لو قُطع طريق الامداد لسبب او لآخر؟! وكيف لنا ان نوفر طعام الناس؟! فمستوى الامن الغذائي في بلدنا معدوم تماماً، ولا يتناسب مع الاعداد لمعركة المصير. فحري بنا الاستفادة من النهرين وارض السواد، وخبرة الناس في تأمين أمننا الغذائي قبل فوات الاوان.

كما ان الصناعة انهارت تماماً إلا من بعض مطاحن الحبوب. ولا يعقل ان تتوقف بعـــــض الصناعات المهمة في البلاد، مثل: صناعة الاسمدة الكيمياوية، وهي الاساس في الامن الغذائي، وكــــــذلك مصانـــــع الحـــــديد والصلب وغيرها الكثير من الصناعات، وبخاصة ان موظفي هذه الصناعة يتقاضون رواتبهم من دون عمل! فمن المهم ان نهتم في اعادة تحريك عجلة الصناعة والانتاج، والمشاريع الزراعية والحيوانية وتطويرها، و ايقاف الوضع الاستهلاكي غير المبرر. وعلى الجانب الآخر فإننا اليوم بحاجة الى اعادة بعض المصانع العسكرية للعمل، فلا يعقل ان نبقى تحت رحمة الدول لكي تمدنا بالرصاص - مثلاً-.

 

* الاستعداد العلمي

ان الاستعداد وبكل جوانبه بحاجة الى مستوى علمي رفيع. ان مؤسستنا العلمية تعاني من حلقة مفقودة في سلسلتها وهو غياب التخطيط الجيد لدمج العلم النظري بالعملي؛ ولهذا لا نرى الثمرة المطلوبة من المؤسسة العلمية، علاوة على حاجتها الى اعادة النظر في المعلومة النظرية المقدمة الى الطالب. وهل انها موافقة للتطور الحاصل أم لا؟ ان الملفت للنظر ان مئات الطلبة ان لم نقل الآلاف في كل تخصص يتخرجون سنوياً ولكن لا نرى أثراً ملموساً على ارض الواقع لهذا العدد الكبير من المتخرجين.. وقد يكون تأسيس مراكز دراسات ومختبرات تخصصية غاية في الاهمية كخطوة على الطريق الصحيح. كما ان فتح مصانع ومعامل ومختبرات تعليمية ومنتجة في نفس الوقت كجزء من الجامعات كما هو الحال في المستشفيات التعليمية المعمول بها الآن، سيكون له دوره العظيم في الرقي بالمستوى العلمي والتطوير الصناعي والزراعي والاقتصادي. وهكذا فان التحدي الذي نعيشه اليوم مصيري، ويتعلق بوجودنا وعقيدتنا، بمستقبلنا ومستقبل أجيالنا، وبديننا ودنيانا، ولا يمكن بأي حال من الاحوال التهاون في استعدادنا لهذه المواجهة.


ارسل لصديق