سورة البينة (1-2) من أول السورة إلى الآية الرابعة منها
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2014/10/22
القراءات: 1707

(بسم الله الرحمن الرحيم)

لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ (4)

هذه الأسئلة طرحناها، فوجدنا إجابتها في موسوعة تفسير «من هدى القرآن» لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي «دام ظله الشريف» وتعميماً للفائدة ننشر، في كل عدد، مجموعة من الأسئلة مع أجوبتها المستوحاة من الموسوعة المذكورة مباشرة

• أين نزلت هذه السورة المباركة؟ ومتى؟ وكم هو عدد آياتها؟ وما هو ترتيبها النزولي وترتيبها في القرآن الكريم؟

- نزلت هذه السورة المباركة في المدينة المنورة بعد سورة الطلاق. آياتها (8). ترتيبها النزولي (99)، وترتيبها في القرآن الكريم (98).

 

* فضل السورة

• ما فضل هذه السورة المباركة؟

- وردت روايات كثيرة في فضل هذه السورة المباركة؛ نذكر، في ما يلي، روايتين منها:

فعن أبي عبد الله الصادق، عليه السلام، قال: «من قرأ سورة {لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا} كان بريئاً من الشرك، وأُدخل في دين محمد، صلى الله عليه وآله، وبعثه الله -عز وجل- مؤمناً، وحاسبه حساباً يسيرا».

وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: «لو يعلم الناس ما في ﴿لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا لعطلوا الأهل والمال وتعلموها». فقال رجل من خزاعة: ما فيها من الأجر يا رسول الله؟ قال: «لا يقرؤها منافق أبدا، ولا عبدٌ في قلبه شكٌ في الله عز وجل. واللهِ ان الملائكة المقربين ليقرؤونها منذ خلق الله السماوات والارض؛ لا يفترون من قراءتها. وما من عبد يقرؤها بليل إلا بعث الله ملائكة يحفظونه في دينه ودنياه، ويدعون له بالمغفرة والرحمة، فان قرأها نهاراً أعطي عليها من الثواب مثل ما أضاء عليه النهار  وأظلم عليه الليل». (1)

 

* الاطار العام

• ما هي المحاور التي تشكل الاطار العام لهذه السورة المباركة؟

- لن يقدر الانسان الخروج من نفق الضلال بغير هدى من الله؛ البتة، ولا يُكره الله الناس على إتّباع البينة حينما تأتيهم، فترى بعضهم يهتدون بها، وأكثرهم يضلون عنها بأهوائهم؛ وهكذا اختلفوا، وليست خلافاتهم في البينة؛ لأن البينة قد أمرتهم بعبادة الله وحده بعيداً عن أي خلاف.

حول هذه المحاور الثلاثة جاءت آيات سورة البينة التي خصت بصائر كثيرة فصلت في الكتاب الكريم، و اوضحت -كذلك- صفات البينة: انها تتمثل في رسول يحمل من الله كتاباً طاهراً من أي زيف أو باطل، وهو يدعو الى توحيد الله الخالص من أية شائبة مادية.

وهذا الخلاف الذي انتشر بينهم يرجع الى القرآن، وهو يحكم بأن شر البرية الذي يكفر برسالات الله، سواء أكان من أهل الكتاب أم من المشركين، و ان خير البرية هم المؤمنون الذين يجزيهم الله بجنات عدن، ويرضى عنهم، ويرزقهم الرضا عنه؛ كل ذلك لخشيتهم من الله.

 

* الرسالة الطاهرة

• الآية الأولى من هذه السورة المباركة تقول: {لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ}؛ فماذا تريد أن تقول بالتحديد؟

- يبدو أن الآية هذه، التي صعبت على فهم بعض المفسرين حتى اعتبرها أعتد آية، انما تذكرنا، وبعبارات بسيطة وبينة، بضـرورة الرسالة الإلهية؛ فمن دون رسالة الاسلام هل كان من الممكن إزالة تلك الحجب الكثيفة التي تراكمت عبر عصور الظلمات فوق بعضها، ومنعت إنارة العقل وهدى الفطرة، وحرفت تعاليم الدين، ومسخت شخصية الانسان؟

كلا؛ لأن الفساد كان قد أطبق على البشرية؛ فلم يعد أحد بقادر على مقاومته بسهولة؛ فبعث الله النبي  محمدا، صلى الله عليه وآله، برسالة طاهرة من دنس ضلالاتهم وخبث ثقافتهم.

 

* البينة بالرسول وبالرسالة

• ألم يكن النصارى أتباع نبيٍ متصل بالوحي؟ فكيف استسلم المؤمنون به للجاهلية حتى بعث الله خاتم الرسل محمداً، صلى الله عليه وآله، فتلا عليهم صحفاً مطهرة كما في قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ؟

- كلما انحسر الوحي أو ضعف دعاته، انتشرت الجاهلية، وكانت المشكلة العاتية عندما يستسلم المؤمنون بالوحي تحت ضغط الجاهلية، كما حدث قبيل بعثة النبي، صلى الله عليه وآله؛ اذ لم يعد اتباع آخر الانبياء عيسى، عليه السلام، يشكلون قوة تذكر؛ لا بسبب قلّة عددهم بل لأنهم بايعوا القياصرة في حقل السلطة، واتبعوا الفلاسفة في حقل الثقافة، وداهنوا المترفين والمستكبرين في المجتمع، ولم يبق من الدين -عندهم- إلا طقوس فارغة؛ فبدل ان يناهضوا سلطات الجور، ويدافعوا عن المظلومين والمحرومين، التهوا بمحاربة بعضهم، وخَلْقِ عداوات جانبية بين مذهب ومذهب.

 حقا؛ أصبحوا كما كانت اليهود من قبل، وتفشى فيهم ذات الاخلاق الفاسدة التي بُعث عيسى ابن مريم، عليه السلام، لإصلاحها. وكذلك في حقل الثقافة؛ فلم يدافعوا عن قيم الوحي في مقابل مفاهيم الفلسفة الضالة، بل تراهم يلهثــون وراء التوفيق بينهما، حتى ولو كان ذلك على حساب صفاء الوحي ونقائه.

أرأيت كيف ذهبوا الى فكرة «التثليث» إتباعاً للافلاطونية الجديدة؟ ومن هنا؛ أصبحت الرسالة الإلهية أشد ضرورة من أي وقت مضى؛ ليس فقط لإصلاح البشرية من الفساد العريض الذي أحاط بها، وانمــا -ايضــا-  لتطهير الرسالة مما لحق بها من زيغ وانحراف على أيدي أهل الكتاب الكافرين، ولإضاءة تلك المشاعل التي انطفأت - او كادت- بسبب عصف الشهوات العاتية؛ فلم تعد تنير طريق السالكين؛ ولكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، عليهم أفضل الصلاة و السلام .

وهكذا بعث الله رسوله الخاتم، صلى الله عليه وآله، بصحف طاهرة من دنس الإنحرافات الثقافية التي حرفت الديانات، وطاهرة من تأثير الحكام الظلمة والمترفين الأشقياء؛ وذلك قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً.

وهكذا تتم البينة بالرسالة والرسول معا؛ إذ الرسول، صلى الله عليه وآله، يدعو اليها بحكمة، ويمثلها في سلوكه لتتجلى للناس روعتها، ويدافع عنها بصبر واستقامة، ثم ان الرسالة التي يحملها مطهرة من شوائب الزيغ والانحراف؛ فتتقبلها الفطرة السليمة  والعقل الرشيد.

 

* الحقائق المكتوبة

• ماذا نقرأ في تلك الأوراق الطاهرة التي وصفها قوله تعالى بأن: {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} ؟

- نقرأ فيها كتبا أُحكمت آياتها وفصلت؛ لا تجد فيها عوجا ولا زيغا.

ويبدو ان معنى قوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ: الحقائق المكتوبة التي لا شبهة فيها وريب، وهي واضحة لا لبس فيها ولا غموض؛ مستقيمة لا زيغ فيها ولا تحريف.

وعلى هذا؛ فالآية الكريمة أشارت الى الآيات المحكمة التي هي تكفي الانسان هدى ونورا، والتي اليها يرجع ما تشابه من آيات الذكر بسبب تساميها عن مستوى كل الناس، وتخصصها بالراسخين في العلم منهم فقط.

 

* حاجة البشر الى الوحي

• كيف اختلف أهل الكتاب بعد بعثة رسول الله، صلى الله عليه وآله، كما في قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ}، في حين كان من المفترض أن تتوحد كلمتهم عليه بعيداً عن أي خلاف؟

- لعل البعض يتشابه عليه الأمر، فيظن ان تفرق أهل الكتاب واختلافهم في الدين كان من نقص في الحجة؛ فاذا تمت الحجة واكتملت البينة فلا أحد يختلف مستقبلا في الدين.

كلا؛ ان الكتاب يوفر للناس فرصة الهداية؛ ولكنه لا يفرضها عليهم فرضا، فإن آمنوا به فقد اهتدوا، وإلا فهم المسؤولون عن ضلالهم وشقائهم.

ويبدو أن أشد الضلال عند أهل الكتاب تفرقهم؛ أليس الايمان بالله ورسله وشرائعه يوحد أهله في إطار الغايات التي يرسمها، والمناهج التي يفرضها، والسلوك الذي يوصي به؟

واختلاف الأمم بعد رسل الله، عليهم الصلاة والسلام، وتمام الحجة عليهم دليل على مدى حاجة البشر الى الوحي، حيث تراهم يختلفون حتى بعد تنزل الوحي بينهم وبمجرد ان يخبو ضوؤه عنهم، فكيف بهم إذا حُرموه رأسا؟!

-------------

(1) تفسير نور الثقلين، ج5،ص642.


ارسل لصديق