الإيمان والتقوى خطّان متوازيان نحو تحقيق الاهداف المنشودة
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2014/10/23
القراءات: 1236

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}

يعلم الذين يؤمنون بالآخرة، أن هنالك ثواباً وعقاباً، يعلمون أن هذه الدنيا ما هي إِلاّ مقدمة لعالم الآخرة، وإنّها أشبه بالمزرعة أو المدرسة، التي يبذل فيها الانسان مساعيه ليحصل على ما يريد فيما بعد، والاستعداد لذلك اليوم لا يأتي إلا عبر تطبيق مجموعة من القوانين والمناهج والدساتير الإلهية التي جاء بها الأنبياء والرسل، وبما أن الانسان تتنازعه دوافع الخير والشر، لوجود النفـــس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامـــة، فإن الوعد الإلهي صادح للانسان بأن الطاعة والتقوى والايمان، واتخاذ السلوك الذي يُرضي الخالق تبارك وتعالى، يستتبع نزول الخيرات وانفتاح أبواب البركات من السماء والأرض. هذا للأمة الصالحة، أما للأمة الطالحة، فإن العكس يكون بالعكس قطعاً، لذا نقرأ التحذير والتذكير في القرآن الكريم: {أوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةَ الَذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَ مِنْهُمْ قُوَةً وَآثارَاً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاق}. (سورة المؤمن /21)

إن انحراف هذا النوع من البشر عن المنهج الإلهي، و التَّمادي بالغي و إتباع طرق الشر ، و فساد النيات، و شناعة الأعمال يوجب ظهور الفساد في البر و البحر، {ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس} (سورة الروم /41)، و هلاك الأمم بسبب إفشائهم للظلم و زعزعة الامن والاستقرار وغيرها من الشرور، هي التي تستوجب على الانسان العقاب الإلهي، وأنه تعالى لا يُهلكهم بظلم منه على غفلة منهم من غير تنبيه و تذكير من قبل الرسُل: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}. (سورة هود /117)

 

* بصائر من الآية المباركة

معنى «لو»: امتناع الشيء لامتناع غيره، و «لولا» في الآية المباركة تعني: امتناع الشيء لوجود غيره، وفي قوله تعالى: {ولَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا}، أي لو أنهم آمنوا بالله واتقوا من الشرك والمعاصي، ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أي لوسَّعنا عليهم من خيرات السماء والأرض، «وَلَكِن كَذَبُوا».. أي كذبوا برسلي فأخذناهم بما كانوا يكسبون من المعاصي.

جاء في الآية الكريمة «الإيمان» و «التقوى»، أليس التقوى من الإيمان..؟ والإيمان من التقوى؟ الجواب: نعم، هو كذلك ولاشك، إنما الإيمان لا ينفع إلا إذا كان معه عمل صالح، «الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ»، علماً أن العمل الصالح من الإيمان، بمعنى أن الإيمان هو ما يتعلق بالباطن، والتقوى ما يتعلق بالظاهر، فيكون الإنسان من حيث الباطن ومن حيث الظاهر على حالة ترضي الله عز وجل، فإذا كان كذلك، فليستبشر بوعد الله عز وجل، {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. (سورة المائدة /93)

في مقابل هذا المسار الايماني الذي يضمن الحياة السعيدة للانسان، هنالك مسار مدمر يفتحه الكفر بالله وأنعمه، ولهذا الكفر مراتب: «إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا «. فبالإيمان والتقوى تسعد المجتمعات ويعم الأمن ويعم الرخاء، وليست هذه الآية، الدليل الوحيد على ذلك، بل هناك أدلة كثيرة ، منها قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}المائدة66، ومنها {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}. فعندما يلتقي الايمان والتقوى بتوازن يكون الإنسان منظوراً من قبل البارئ، عزّ وجل.

 

* مراحل حياة الامم

ذكر القرآن الكريم، قصص الأولين من المرسلين وأقوامهم، فجاء في هذه الآية والآيات التي قبلها وبعدها، قصص الأمم السابقة وما فعلوه بالأنبياء والرسل، لذا نلاحظ أن هذه الأمم تمر بثلاث مراحل:1- مرحلة الشدة والضنك.2- مرحلة الرفاهية والرخاء.3- مرحلة الفساد والهلاك. والرسالات السماوية تتمحور في هذه المراحل الثلاث، والتي تكون في بداية حياتهم صعبة وسيئة في نفس الوقت، بسبب ابتعادهم عن أحكام السماء، فهم يتسببون في فساد حياتهم، ثم سألوا رسلهم أن يدعوا لهم ربهم ليسهل عليهم هذه الحياة برحمته تعالى، وبعد نزول خيرات السماء والأرض، يعيشون الرخاء والنعيم، لكنهم يفعلون ويتصرفون بهذه النعم بالشكل الذي يستحقون فيه العذاب والعقاب. ان هلاك الأمم لا يكون إلا بالكفر وعدم التزامهم بالأوامر الإلهية، وهناك أيضا أمر مهم وخطير آخر، تبتلى به الأمم وهو، «أنهم لا يأمنون مكر الله الخفي»، في حالة الرخاء الذي كانوا يظهرونه عندهم، فيخسرون في حالة اللعب والغفلة في الليل والنهار دار الدنيا والآخرة، فإن الأجيال اللاحقة يجب أن تتعظ مما حصل للأجيال السابقة بسبب الذنوب التي أُحيطت بهم والتي أخذتهم على حين غفلة، بسبب عمى قلوبهم، فلو أنهم سلكوا سبيل الإيمان والتقوى بدل الطغيان والكفر والتمرد على الله، فإنهم ليس فقط يأمنون من غضب الله فحسب، بل تفتح عليهم أبواب السماء والأرض.

 

* العقوبات الإلهية

هذه الآية المباركة تطرح مسألة العقوبات الإلهية، فما هي وما المغزى منها؟

الاجابة تتمثل في أفعالهم التي ارتكبوها بأنفسهم، وإلا لو كانوا مؤمنين طاهرين لنزلت عليهم البركات الإلهية وفيوضاته من السماء والأرض، إذاً؛ ما معنى «البركات»؟ هي جمع «بركة»، في الأصل تعني الثبات والاستمرار، وهي تطلق على كل نعمة لا تزول، مقابل الموجودات المادية السريعة الفناء، بسبب انتهاء مفعولها او أمدها. والملفت للنظر أن فائدة التقوى و الإيمان معاً، لا تقتصر على نزول البركات الإلهية فقط، بل هما حافز لأن يتصرف الإنسان بأمواله في المصارف الصحيحة، كالتي تصرف في وجوه البر والخير وتقدم المجتمع والامة.

 

* ما نستفيده اليوم..

اذا تحلّت المجتمعات بالتقوى والإيمان، فإن هذه المواهب الإلهية تخلد، وهي مصداق البركات. صحيح أن هذه الآية المباركة ناظرة إلى الأقوام الغابرة، ولكن من المسلم أن مفهومها واسع وعام ودائم لكل البشر وفي كل الأزمان، إنها سنة إلهية يُبتلى بها غير المؤمن، كالذين يسمون أنفسهم بالمسلمين من السلفية والوهابية وغيرهم المنغمسين في الذنوب والمعاصي ومخالفتهم السنن الإلهية لإرضاء أهوائهم وملذاتهم الشخصية، واتباع من هم على غير هدى الله، بل على طريق تدمير البشرية وإذلال الانسانية، كالذي نشهده اليوم، من اتباع البعض للجهات الاجنبية المشبوهة، لذا نجد تعرض الامة لأنواع مختلفة من البلايا والمحن..

وهنالك فرصة امام الانسان للحؤول دون السقوط والانهيار نتيجة الانحرافات والتجاوزات الكبيرة، وذلك عندما نعرف أن الابتلاء ليس نوعاً واحداً وكله شر، إنما هو ثلاثة أنواع، وهو ما يؤكده لنا أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: «البلاء للكافر عذاب وللمؤمن امتحان وللأنبياء والأئمة رفع درجة»، وربما ينزل البلاء على الراسب في الامتحان والكافر، على شكل أزمات وحروب وازمات خانقة. فيفارقهم الأمن والاستقرار، كما هو حال بعض الدول التي ساهمت في تدمير شعوب آمنة لتحقيق مصالح خاصة، فدارت عليهم الدائرة، واصبحوا هم ضحية الارهاب والقتل الجماعي والدمار الشامل، وهذه هي السنّة الالهية.

عن أمير المؤمنين، عليه السلام: «اعلموا أنه من يتقِ الله يجعل له مخرجاً من الفتن ونوراً من الظُلم ويخلده فيما اشتهت نفسه وينزله منزلة الكرامة عنده في دار اصطنعها لنفسه، ظلّها عرشه، ونورها بهجته، و زوارها ملائكته، ورفقاؤها رسله، فبادروا المعاد وسابقوا الآجال فإن الناس يوشك أن ينقطع بهم الأمل ويرهقهم الأجل ويُسَدُ عنهم باب التوبة».


ارسل لصديق