التشجيع و دوره في تنمية وتقدم الطالب
كتبه: سعد مغيمش الشمري
حرر في: 2014/10/23
القراءات: 1159

قال الإمام علي، عليه السلام، في عهده لمالك الأشتر النخعي:

«ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة».

بعد أشهر الصيف الطويلة التي تخللت العطلة المدرسية، والتي اعتاد فيها الصغار على  اللعب طوال النهار وحتى ساعات متأخرة من الليل، يعود الطلبة إلى مدارسهم بين الفرحة ببدء عام دراسي جديد، وبين الغموض في رؤية القادم من الوضع التعليمي بشكل عام. حيث المنهج وطريقة التعليم، ثم أضيفت مشكلة جديدة في تاريخ بدء العام الدراسي الجديد، والذي تأخر لشهر كامل ولأول مرة لاسباب مختلفة، هذا يُضاف الى هواجس الطالب الموجودة بالاساس من برنامج المراجعة والمذاكرة والتحضير اليومي في البيت.. هذا البيت الذي يشكو في معظم احيانه من الازمات والمشاحنات بين افراده من جهة وبين الطلاب من جهة اخرى.

 

* التشجيع واكتشاف الطالب

بداية نقول: إن الطالب، وهو صغير في  السن وحديث العهد بالتعلّم واكتساب العلوم والمعارف والتجارب، وربما يكون الامر عليه ثقيلاً او غير موفق او تعترضه عقبات وموانع ومشاكل بالمجمل، وهذا بحد ذاته بحاجة الى تعامل من نوع خاص مع هذا الطالب الفتى اليافع.. بيد أن المؤسف حقاً، أن نلاحظ بعض الناس يتصرفون بالمقلوب تماماً، فهم  يلجؤون الى تذكير ابنائهم بسلبياتهم ويظنون ان هذا التذكير يغير شيئاً ويصحح من أخطائهم.

إن ما يميز أي أمة متحضرة عن غيرها، مدى إقبال ابنائها على المطالعة وتشجيعهم على اقتناء الكتب لمختلف شرائح المجتمع، ولا يختص هذا بطالب المدرسة. فالمطالعة واكتساب العلوم والمعارف والتجارب، تعد البنية التحتية للحضارة الإنسانية والدعامة التي يبني عليها تراثه الفكري والثقافي والسياسي..  واثناء مطالعتي كتاب «كيف تنجح في صناعة العلاقات» لسماحة آية الله السيد هادي المدرسي، وجدت الكثير من الافكار الجديرة بالتأمل التي لها دلالات هامة في حياتنا اليوم؛ «ان التشجيع هو الطريقة المُثلى القادرة على ان تكتشف لكل انسان مواهبه، ومن يريد اصلاح الناس لابد ان يتعلم كيف يشجعهم على ادراك كفاءاتهم واكتشاف المخزون الضخم من الطاقات والقدرات التي اودعها الله تعالى فيه».

 

* طرق نحو التشجيع

وها نحن اليوم نعيش في زمن انفجار ثقافي كبير، مع انتشار تقنية الاتصال والتواصل عبر العالم والتي يتشوق لها الكبار قبل الصغار للعمل بها طوال اليوم من الهاتف النقال او الحاسوب، مع برامجه وتطبيقاته التي لا تُعد.. يبدو ان المسؤولية تكون علينا ثقيلة جداً اكثر مما نتصور، بحيث نولي اهتماماً اكبر للحفاظ على اجيالنا القادمة، قبل انتظار الاهتمام من الاخرين.

وهـــــنالك طــــــرق واســـــاليب للتشجيع تترك أثرها الطيب وتدر على الأبوين والمجتمع بفوائد كثيرة، منها:

1- تقسيم الوقت خلال السنة الدراسية، حيث تكون هنالك حصة للحاسوب، كمـــــا هنالك حصة لبرامج التلفاز أثناء يوم الإجازة الأسبوعية فقط، وليس اليومين بأكملها (الجمعة والسبت). ثم تحديد هذه الساعات، مع حثّ الطالب على اعتماد بعض المراجع والكتب البسيطة والمفيدة لدروسه، مثل «الأطلس» الجغرافي والعلمي وغيرها. والأهم من ذلك، تحديد فترات النوم والاستيقاظ، وعدم ترك الاطفال يقضـــــون الســـــاعات المديدة حتى اوقات متأخرة من الليل، حتى في أيام العطل، وذلك حتى يكون هناك انتظام في ساعات الراحة والنوم، وأيضا ساعات للعمل والمذاكرة.

2- يمكن الاستفادة من مسألة الترفيه عن النفـــــس، كفرصـــــة للتشجيع على الدراسة والمطالعة، فعلى الأبوين الاهتمام بهذا الجانب، كأن يكون الحثّ على زيارة احد الاقارب او الاصدقاء في الاسبوع القادم اذا كان المستوى الدراسي يبشر بخير.

3- على المعلم تقع مسؤولية كبيرة في إنجاح عملية التشجيع، عندما يبدأ عامه الدراسي مع الطلاب بالتعرف عليهم ومعرفة نفسياتهم وميولهم واهتماماتهم وقدراتهم الذهنية، وذلك حتى يفهم المداخل إلى نفسية كل واحد منهم، وبالتالي اختيار الطرق المناسبة لتحفيزهم وترغيبهم في مادته العلمية، في الوقت نفسه ينبغي على المعلم التعريف بنفسه وتوجهاته وما يريد تحديداً من طلابه.

4- عـــــدم محاســـــبة الطالب على أفعال او ممارسات بحاجة الى توضيح، وعدم استعجال العقوبة او اللوم الشديد، مما يعني ضرورة الاهتمام الى مسألة الأمل وضخها في نفوس الطلاب.

5- المكافـــــآت التشجيعية لهـــــا دور كبير في حثّ الطلاب على المضي قدماً في الدراسة والتعلم والتفوق، وقد يكون ذلك من خلال زيادة المصروف الخاص به، او شراء مستلزمات جديدة او اضافة اخرى الى حقيبته المدرسية، بل إغناء غرفته وخزنته الخاصة بوسائل تعليمية او ترفيهية جديدة.

6- متابعة الأبوين للطالب في المدرسة، وعدم الاعتماد كليةً على المعلم والمدرسة. إن مجرد متابعة الطالب لدى ادارة المدرسة للوقوف على المستوى الدراســـــي وعلاقته بزملائه في المدرسة، وأسباب حبّه أو كرهه للمدرسة، يبعث الشعور بالثقة العالية في نفس الطالب، ويشجعه على المواصلة والدراسة.

 

* التشجيع على التعلم والاستكشاف

يرى عدد من أساتذة التربية وعلم نفس الطفل أن ثمة علاقة إيجابية بين ثقافة الطفل، وبين قدرته على الإبداع، وأن تلك الثقافة لا تفيد في تكوين هويته وشخصيته فقط، بل تتعداها إلى جعله مبدعاً. ويوصون بضرورة التخلّي نهائياً عن نظام مدّ الطفل بثقافة الذاكرة التي تعتمد على الحفظ والتلقين.

أما معوقات الإبداع فهي كثيرة، وتصدر من عوائلنا أو مدارسنا دون قصدٍ، ومنها: التركيز على نواحي الضعف والخلل عند الطفل، كالقول له: «أنت ضعيف.. أنت غبي.. أنت فاشل». هذه الالفاظ تعمل على انهيار شخصيته، حيث يبدأ بالتراجع في مستواه الدراسي، وبالنتيجة تنهار ثقته بنفسه ثم ينهار الامل لديه بأن يتقدم خطوة واحدة الى الامام، بفعل التجارب الفاشلة والمتكررة التي يمرّ بها، وعدم تشجيع وتعزيز المحاولات الناجحة لديه.

مـــــن هنا تبـــــدو التنشـــــئة الاجتماعية والاهتمام بها لها بالغ الأثر على تنمية الإبداع والابتكار لدى الأبناء، إذ أكدت البحوث العلمية أن أكثر ما يميز آباء الأطفال المبدعين هو احترامهم وثقتهم في قدرة أبنائهم على أداء عمل مناسب، مع إعطاء الأبناء الحرية الكاملة في اكتشاف عالمهم، واتخاذ قراراتهم في مزاولة الأنشطة بأنفسهم دون تدخل الكبار، كما أكدت الدراسات أهمية أنماط التربية الأسرية، والبُعد عن نمط التدليل الزائد، والحماية الزائدة، وتوفير الاستقلالية في مزاولة الأنشطة المختلفة، كل ذلك يساعد على تفجير طاقات الطفل الابتكارية.

كما تقع المسؤولية على المؤسسة التربوية في تهيئة الاجواء اللازمة للإبداع والخلاَّقية عن الأطفال في المدرسة، فهي تتيح لهم حل المشكلات التي تجابههم، وتبث فيهم روح الاستكشاف العلمي، مع عدم تَقَبُّل الأمور على علاتها، فضلاً عن تنمية قدراتهم من خلال الملاحظة، وبذلك نصل إلى إثارة قدرات الطفل الإبداعية الكامنة، والتي يجب على المربين استثمارها بأشكالها المختلفة، فلا يستطيع معلم أن يستغني عن تحفيز الطالب على التعلّم، لأنه وببساطة طلاب اليوم يفتقرون للاندفاع الذاتي للتعلّم، فيحتاج المعلم إلى تحفيز الطالب و بشكل مستمر، وقد يكون التحفيز موجوداً في معظم مدارسنا ولكنه غير فعّال أو أنه غير كافٍ أو الاثنان معاً، والدليل على ذلك كثرة ما نسمعه من نفور الطلاب من المدرسة وما يتبعه من تراجع في مستويات التحصيل. مطلوب من المعلّم، كما هو مطلوب من الأبوين وأولياء أمور الطلاب، تشجيع الطلاب وجعلهم ينظرون إلى أنفسهم نظرة إيجابية وأن لا يترصدوا عثراتهم بل عليهم إبراز الجوانب الإيجابية لديهم وإن كانت بسيطة، كذلك ينبغي أن لا يغيب عن ذهن المعلم أنه لاعب رئيس في صناعة حياة الطالب فلا يبخل عليه بأي شيء يبث فيه روح الأمل والطموح.


ارسل لصديق