تحديات الصحوة الاسلامية و آفاق الأمل بالتغيير
كتبه: د. راشد الراشد
حرر في: 2014/10/23
القراءات: 895

الضجيج السياسي الهائل والمهيمن على مجمل الاوضاع في الساحة الاسلامية، أشبه ما يكون بالغمامة السوداء الحاجبة لضوء القمر المنير، فالساحة الاسلامية من حيث المفهوم، تضم الفكر والثقافة والعمل والآليات، بينما في عالم السياسة لا شيء سوى المصالح، ولسبب او آخر، فان كل شيء بات خلف هذه الغمامة السوداء، فلا نكاد نسمع ونرى اليوم عن الاسلام سوى «الارهاب» و»التطرف»، فيما غابت عن الاسماع «الصحوة الاسلامية» التي كان لها الفضل في بعث الاسلام من جديد وتعريفه للعالم على أنه البديل للخيارات الموجودة التي أغرقت العالم بالازمات والحروب والكوارث.

لذا من الجدير إعادة قراءة «الصحوة» للتوصل الى فهم صحيح ليس للإسلام كمنظومة أحكام وتعاليم، إنما للحالة الاسلامية المنطوية على النظرية والممارسة (التطبيق العملي) على ارض الواقع. واذا اردنا معرفة الاسباب الموضوعية والدوافع لانطلاقة الصحوة الاسلامية، فلابد من الاجابة المحددة على تساؤلات فكرية بشأن هذه الصحوة وخلفيتها ونشأتها.

 

* تحديات أمام الصحوة

بداية هناك مجموعة من الحقائق التي ترتبط بواقع الأمة فيما قبل بدايات هذه الصحوة:

أولاً: الركـــــــــــود في الحــــــــــــــــــركة والديناميكة.. حيث كان الفكر غارقا في الهوامش والتفاصيل التي أدت إلى تآكل حيويته وخصوبته في الموضوعات المتصلة بحركة الأشياء ومنظومة القيم في حياة المجتمعات البشرية ومسؤوليته في تحفيز قيم العدالة والحرية والكرامة في المجتمع.

ثانياً: الحركة بذهنية التراث لا بذهنية الحركة، وجعل الفكرة الإسلامية حبيسة طوق الموضوعات التشريعية العبادية والأخلاقية المجردة دون أن تصل إلى مسائل الحياة المتعددة في المجتمع. فبقيت الفكرة الدينية حبيسة فكرة إحياء التراث دون إحياء مجموعة القيم المتصلة بحياة ورفاه وتقدم المجتمع الإنساني والمسؤولية المتصلة بطبيعة الحياة السياسية والنظام الإجتماعي بشكل عام. ساعد في شيوع هذا التحدي، تبني البعض مشروع تجميد الفكرة الدينية في جانب المسؤولية السياسية، والتصدي الإجتماعي البناء لفكرة الانتظار لزمن الظهور بسبب عدم شرعية الحركة في الظروف الحاضرة التي لا أمكانية فيها لهزيمة القوى المهيمنة.

ثالثاً: تحـــــــــدي التجديد والمعاصرة والحداثة مع القناعة بشمولية الفكرة الإسلامية وصلاحيتها لتكون مصدر إلهام في القيم العامة، إلا أن البعض رأى بأن المرحلة الراهنة جد مختلفة عن الأيام الأولى لانطلاقة الفكرة الإسلامية وان المراحل الزمنية الطويلة التي قطعها الإنسان كفيلة بأن تضع الفكرة الإسلامية في خانة التراث، لا في خانة الحركة والتأثير. فالانسان المعاصر مربوط بأوضاع جديدة كليةً، لم تكن موجودة ومعهودة في مرحلة النشوء والتكوين للفكرة الإسلامية. وبالتالي هذا ما يفرض - بناءً على هذه الرؤية - على أن تتخلى الفكرة الإسلامية عن دورها لتتيح الفرصة للأفكار الجديدة والمعاصرة تشخيص ومعالجة مشاكل الإنسان المعاصرة التي فرضها التطور الطبيعي للأشياء. وسيطرة ذهنية الأصالة على ذهنية المعاصرة والحداثة فيما لم تجد تقنيات وأدوات هذا العصر طريقها في تحريك الأمة تجاه القيادة والريادة.

رابعا : تحدي الفكر المتخلف او الفكر التوفيقي الذي كرس ذهنية التحرك في النطاق الوطني او المدني او القومي بعيداً عن نطاق الفكرة الإسلامية بما تحمله من مضامين شاملة حول الحرية والقانون والنظام الاجتماعي، وذلك تأثراً وانبهاراً بالتجربة الغربية وما فرضه الفكر الغربي على الواقع السياسي وفق موازين القوة والضعف السائدة. لتكون عند اصحاب الفكر المتخلف او الفكر التوفيقي الذي لا يرى أية صورة قائمة من التناقض ما بين الفكرة الإسلامية وغيرها من الأفكار، وبدعوى أن الفكرة الإسلامية تتفق مع المعطيات الحديثة للفكر الإنساني والتقدم التكنولوجي وسائر العلوم المدنية، ولا تتعارض معها بأي شكل من الأشكال، ولتكون بذلك عناوين يتم من خلالها إزاحة نطاق الفكرة الإسلامية من التحول إلى رمز الحركة والريادة في الفكر الإنساني المعاصر، إلى هيمنة الفكرة الغربية بعناوينها المختلفة المدنية والعلمية.

تلك هي مجموعة التحديات القائمة في مواجهة انطلاقة الفكرة الإسلامية والتي وقفت سداً منيعاً وطوقاً مانعاً وجداراً حائلاً دون وصولها إلى مناطق التأثير من مواقع القوة والسلطة والسيطرة. وكان هو ذا واقع الحال لو لم يتجه بعض أبناء الأمة نحو تغيير الإستراتيجية بدل الجمود والركود والإنطوائية التي اصابتها إلى مواقع الحركة والتفاعل والتأثير.

وهكذا بدأت نواة الصحوة عندما فكر نفر من ابناء الأمة بالتخطيط والعمل من أجل بعث الحركة والفاعلية في الفكرة الإسلامية. وسرعان ما تحولت فكرة البعث والإحياء إلى انطلاق الحركة الإسلامية بإطارها الواسع فاتحة المجال لنشاط متعدد الأوجه والجوانب وفاعلية مجتمعية وفكرية وثقافية وسياسة واسعة وشاملة.

 

* البداية على جبهة الفكر

وكان من الطبيعي أن يبدأ نشاط الحركة الإسلامية على جبهة الفكر والثقافة، وكانت مهمتها في بداية الحركة إعادة الثقة بالنظرية والفكرة الإسلامية وقدرتها على الريادة والنهوض بالمجتمعات الإنسانية إلى حيث تسود قيم العدالة الإجتماعية وما يتصل بها من قيم الحرية والكرامة والحقوق.

بينما امتد النشاط الإسلامي ليصل في ذروته عندما نجحت الحركة الإسلامية في تجاوز المرحلة التأسيسية الأولى في إعادة الثقة بالنظرية والفكرة بأنها البديل الأفضل لما هو قائم على صعيد الفكر الإنساني العالمي من فكر وطني وقومي وعروبي وماركسي ورأسمالي وليبرالي وعلماني وغيره.

ولم تكن المهمة القادمة في دخول الحركة الإسلامية المعترك السياسي سهلة وبسيطة وإنما أدخلها في صلب المعركة، فيما بدأت القوى الفاعلة الأخرى تزرع حرابها في كل مكان لمنع وصول الحركة الإسلامية إلى أي موقع من مواقع القوة.

و استنفدت التيارات المسيطرة على مواقع القوة او تلك المتأثرة والمنبهرة بالمدنية الغربية كل ما يمكن، من أجل ضرب الحركة الإسلامية والحيلولة دون وصولها الى مواقع القوة والتأثير. بينما ساعدها في أداء مهمتها، الجمود والتخلف الذي ظل مسيطراً وسائداً في الأمة، كما ساعدتها تلك النظرة المتحجرة الى حد بعيد والتي حصرت الدين الإسلامي في دائرة العبادة وطقوسها المجردة دون دائرة الحياة العامة والتفاعل مع معطياتها.

 

* ايران.. التجربة الرائدة

لقد مرت الحالة الإسلامية بالعديد من المراحل طيلة القرون الماضية، ما بين مد وجزر، وعاشت الأمة لحظات ازدهار ونماء في بعض تلك الفترات بينما عاشت لحظات انكسار وهزيمة وتراجع في معظم فترات ما بعد أيام النهضة الأولى، حيث سعت القوى المسيطرة على مناطق القوة والنفوذ بكل ما أوتيت من قوة لمحاربة الفكرة الإسلامية ومحاصرتها ولم تذخر جهدا في إضعاف الروح الإسلامية وقتل الثقة بالفكرة الإسلامية، مستخدمة طاقتها القصوى في ذلك.

وفي وقتنا المعاصر، إذ تعيش الأمة الإسلامية، ملامح صحوة ونهضة إسلامية عريضة تجتاح ليس العالم الإسلامي فحسب وإنما العالم برمته، تحتل الفكرة الإسلامية محل الصدارة في الفكر الإنساني المعاصر، ويكاد لا يخلو منتدى من المنتديات الفكرية الإنسانية دون التعرض للفكرة الإسلامية من حيث ما تمتلكه من مقومات وحيوية لتشخيص التحديات المعاشة وقدرتها على استشراف المستقبل ووضع العلاجات اللازمة والناجعة لتجاوز تلك التحديات ومدى جدارتها في الانتقال بالمجتمعات الإنسانية إلى نور العدالة والحرية والكرامة، وبعيداً عن ظلام الجهل والظلم والإستعباد.

وكـــــــــانت البداية الحقيقية لهذه الصحوة الإسلامية المعاصرة ليس في حقيقة الأمر كما يتصور الكثير من المهتمين والمتابعين والمراقبين تكمن في إنتصار الثورة الإسلامية في ايران، وإنما في تقديرنا هي تكمن في اللحظات الأولى التي ثار فيها الإمام الخميني الراحل، - قدس سره- على منهج الجمود والسكون والركود الذي كان حاكما على حياة الأمة، مؤسساً ومنطلقاً بمنهج مغاير يضج بالحيوية والتفاعل والحركة مع قضايا الساعة، وتلك كانت البداية الحقيقية لهذه الصحوة.

ولم يكن انتصار الثورة الإسلامية في ايران، إلا نتيجة لذلك التحول الكبير الذي أحدثه الإمام الخميني «قدس سره» في استراتيجية التعاطي مع قضايا الساعة، وبما شكل الانعطافة الأهم والأكبر نحو تحقيق انتصار الثورة الإسلامية.

والحقيقة فـــــــــأن انتصار الثـــــــــورة الإسلامية العظيمة في ايران ما هو الا نتاج ذلك التحول الكبير الذي أحدثه الإمام الخميني «قدس سره» في الإنتقال بالفكرة الإسلامية من القشرية إلى الحيوية، ومن حال الجمود والركود إلى عالم الحيوية والحركة والفاعلية والتأثير المتبادل ومن أسر الفكرة الدينية في قمقم التراث إلى عالم الحياة والتفاعل فيها.

وهكذا بدأ الحس العملي المتحرك في الفكرة الإسلامية يتحرك في عقول الأمة، وبدأت رؤيتهم تقفز من هامش الحياة الى التفاعل معها. و اصبح لدى المسلمين الثقة بإسلامهم وبدينهم وبأنه الأقدر على ايجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية قاطبة. وبدأ حديث المسلم اليوم اكثر حيوية وحركة فيما يتعلق بنظام المجتمع ودوره ومسؤوليته في اصلاح ما يعانيه من مفاسد وضياع قيم، بل وحتى في تغييره تحت عنوان التغيير الجذري الشامل اذا تعذرت مشاريع الإصلاح والترقيعات السطحية وغير الجذرية.

 

* النتيجة.. الأمل بمواجهة التحديات

وتأسيساً على ما مرّ.. اصبح المسلمون اليوم في كافة بقاع الأرض يعجّون حيوية، يحدوهم الأمل والتفاؤل في قدرتهم على صنع الحياة والتأثير فيها. وهم بذلك اصبحوا اكثر ابتعادا عن سنوات الغفلة والغياب المطبق على عقول وأذهان الأمة.

ويعيش المسلمون اليوم حالة من النهضة الروحية والاندفاع في مواجهة التحديات مهما كبرت وتنوعت وتعددت مشاربها واتجاهاتها، وتتحمل شرائح واسعة منهم، في ما يحقق تطلعاتها، ما يستلزم من صبر وتحمل ألم ومكابدة. وها هم يفكرون بكل التحديات والسلبيات الكثيرة التي تعصف بالواقع الإسلامي وبالذات فيما يتعلق بمنظومة القيم المتصلة بالحرية والكرامة والحقوق والقانون ويبذلون طاقتهم في ايجاد الحلول والمعالجات الصحية اللازمة.

وبدأت حركة فكر مستنيرة في الحياة الإسلامية تضع كل تلك التحديات في إطار النظرية الإسلامية وعلى أساس المفاهيم الإسلامية. و اصبح المسلم اليوم يعيش في ظل مساحة كبيرة من المفاهيم والمعالجات لتلكم التحديات والإشكالات.

لقد أصبحت تتحرك في الساحة الإسلامية تفاعلات قيمية ضخمة تجاه ما يدور فيها من أحداث وقضايا، وأصبح الإسلاميون يمتلكون رؤية متفاعلة مع قضايا الساعة، ولهم وجهات نظرهم إزاء ما يدور حولهم، واصبح لديهم يقظة بما يثار بشأنهم من شبهات وأقاويل وإدعاءات ولديهم القدرة والعزيمة للرد عليها وتفنيدها.

وهكذا فان الحالة الإسلامية انتقلت من طور الجمود إلى طور الحركة، ومن حال السكون إلى حال النشاط، ومن حال التأثر وتلقي الضربات إلى واقـــــــــع التأثير والتفاعل الإيجابي مـــــــــع معطيات الســـــــــاحة، والتفكير إزاء كل المعطيات في نطاق الفكر والرؤية الإسلامية.

و اصبح للفكر الإسلامي محدداته ومرئياته تجاه كل تفاصيل الواقع المحيط وبكل تضاريسه التي يتشكل منها هذا الواقع. وله ملامحه التي يستند اليها في قراءة معطيات الواقع وبما يعبر عن الأصالة في الانتماء والموقع والحركة والامتداد والتوجه.

وهكذا تمددت رقعة الفكرة الإٍسلامية وتوسعت لتغطي رقعتها مساحة واسعة من بلاد العالم، ليس في محيطها العربي والإسلامي فحسب وإنما وصلت حتى استوعبت خارطة الفكر العالمي والإنساني برمته.. حيث تحول «الإسلام» بفعل ذلك إلى أهم فكرة مؤثرة اليوم في سياق الأحداث العالمية وفي سماء الفكر العالمي خاصة بعدما أنطلقت شعوب متفاعلة مع الفكرة الإسلامية بعيداً عن الأطر الحزبية والفئوية والسياسية الضيقة والمحدودة، واصبحت قوة الفكرة نابعة من قدرة الأمة على فرض إرادتها على الواقع وان تصبح جزءاً أساساً في تفاعلاته.


ارسل لصديق