الدور الاستراتيجي للأجيال الشيعية الصاعدة ديمقراطية أم ماذا..؟
كتبه: الشيخ عبد المجيد فرج الله
حرر في: 2014/10/23
القراءات: 849

هل عندنا ديمقراطية؟

سؤال على اختصاره، إلاّ أنه يحمل جبالاً من تراكم الآراء والسجالات، واختلاف الأهواء والمنابزات، بقدر ما ينطوي عليه من خلط الأوراق، وإثارة مكامن الأعماق!

ومع أن هذا السؤال سياسي محض، إلاّ أنني لا أتناوله من زاوية السياسة البسيطة، بل سأتناوله من زاوية الفكر العقيدي الذي هو محور هذه السلسلة من المقالات، ومن زاوية الفكر السياسي الذي هو الأصل الأقوى في عالم السياسة، مُسجّلاً على الضجيج السياسي العالمي في العصر الراهن أنه يتعاطى ويتفاعل مع الحدث السياسي، ولا يرتقي إلى مصافّ التنظير والتقعيد للفكر السياسي، هذا فضلاً عن المؤاخذة الكبرى بأنّ السياسات العالمية المعاصرة عاجزة عن التلاقح إيجابياً مع الفكر السياسي للآخر (الشيعي) الذي يمتلك رؤية ثاقبة لمشكلات العالم المعاصر، وعنده ثقة بالحلول التي يقترحها لحل تلك المشاكل المزمنة المستعصية.

سأنطلق بمنطلقين من الحوار، يشدّ أحدهما الآخر، ولا يتقاطع معه، بل يعطي مزيداً من نصاعة الفكر الشيعي كفكر عقيدي، والفكر السياسي الشيعي كفكر حديث لم يوله أرباب الفكر السياسي العالمي وحتى العربي ما يستحق من أهمية قصوى في الأبحاث والمقارنات والمقاربات، والاستنتاجات.. بل على العكس تماماً إذ حاربوه وحاولوا بكل وسيلة تشويهه وجعل المطبات أمام حركته على ساحات الواقع الراهن!

المنطلق الأول؛ الفكر السياسي الشيعي مصححاً للفكر السياسي العالمي.

المنطلق الثاني؛ الفكر السياسي الشيعي مصححاً للفكر السياسي العربي والمسلم.

وحتى يكون الحوار علمياً بانياً، ألتقط أهم نقاط الفكر السياسي العالمي، وأهم نقاط الفكر السياسي العربي، والمسلم، وأحاول ضغط مادة البحث و أُيسّرها لتكون في حدود المقال طولاً وأسلوباً.

 

* السيادة لمن؟

منذ أن ظهر الفرنسي جان جاك روسو بنظرية «العقد الاجتماعي» أصبح الحديث عن السيادة باعتبارها المعبرة عن «الإرادة العامة» كسلطة عليا لا تعلو عليها أية سلطة، ولا تكون حاكمة عليها أية إرادة، حتى أصبح بمرور الوقت مصطلح «سيادة الأمة» في الفكر السياسي المعاصر تعبيراً عن النظام الديمقراطي بمسحة قانونية، وبذلك تُعطى السلطة العليا في التشريع إلى الشعب أو الأمة، فالذي تُقرّه الأُمة هو القانون، وما تتفق عليه هو السقف الذي لا يمكن تجاوزه، لأنه حصيلة طبيعية لسيادة الأُمّة، وبذا يكون التشريع المطلق استحقاقاً طبيعياً للشعب أو الأُمة. ومن هنا فإن ثلاث مشاكل ستنبثق دفعة واحدة؛ الأُولى عقيدية في الصميم، والثانية فكرية في العمق، والثالثة استفزازية في المآل. أما الأُولى: فهي أن بإمكان الأمة أو الشعب أن يحرما كل حلال، أو يحللا كل حرام، بشرط الاتفاق! وأما الثانية: فهي ضرورة التبدل وعدم الاستقرار والثبات في القانون، لأن الأُمة أو الشعب في ترقّ معرفي وعلمي وثقافي مستمر، وبذا لا يملكان الفهم المطلق، ولا الصياغة النهائية للقانون الأصلح، ولذا سيكون القانون عرضة للتبديل والتغيير باستمرار كلما تطوّر العلم، وسما الفكر، واتسعت الثقافة.. فما تصفّق له الأُمة اليوم إذا أقرّته قانوناً، قد تبكي منه بعد حين وتطالب برفعه مندّدة به، حتى إذا اتفقت على إسقاطه صفّقت بحرارة لأنه سقط وسُحق بأرجل المصوّتين! مع أنها هي التي أقرّته سابقاً، وكافحت من أجل بقائه لاحقاً.. ومن يدري؟ فقد تعود الأُمة في نهاية المطاف إلى الاعتراف بأنها كانت تتخبط بالأخطاء، لتعلن أخيراً أنها عاجزة عن إعطاء القانون الأصلح والأتمّ.. فلمن تكون السلطة إذن؟ وما ذنب الأجيال التي سحقتها عجلات التجريب والتخريب المستمر؟! أما المشكلة الثالثة؛ فهي أن من المستحيل للأمة أو الشعب أن يتفقا بكل أفرادهما على قانون موحّد، ولذا فإن القانون سيكون للأغلبية، حتى وإن كانت أغلبية بسيطة، وهذا يعني أن رأي الأقلية سيُلقى في سلة المهملات، حتى وإن كانت أقلية بنسبة 49% مقابل أكثرية بنسبة 51%. وما يقال عن تشريع القانون يُقال أيضاً في اختيار الأفراد للحكم بآلية الانتخاب، وتجري المشاكل الثلاث السابقة الذكر على الأفراد المنتخَبين كما جرت على القوانين، وبعدها تسأل الأُمة نفسها: أما يكفي تجريباً لحكام يعبّئون الرأي العام بالإعلام حتى وإن كان كاذباً، ويتسنّمون المناصب العليا حتى وإن اشتروا أصوات الناس بأزهد الأثمان، ليحققوا الأغلبية البسيطة؟!

 

* فأين هي السيادة إذن؟

أما في فكرنا السياسي - العقيدي الشيعي، فإننا نمتلك إجابات شافية - وافية وكافية؛ السيادة المطلقة للخالق الذي لا يُخطئ، وهو الأعرف بمصالح خلقه فيشرّع لهم القانون الأصلح والأنفع، والذي يحقق العدالة الاجتماعية والمصلحة الشخصية الحقيقية في آنٍ معاً. وحتى تكون المسيرة في الاتجاه الصحيح جعل الله لها صراطاً مستقيماً تمشي فيه، يقودها فيه رسول من الله معصومٌ، وهو يحمل دستوراً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، عصيّاً على التلاعب والتحريف، ونعني به القرآن الكريم.. وحتى يتحقق استمرار للقيادة النبوية، من جهة، ويتحقق حفظ للقرآن من التحريف من جهة ثانية، كانت الإمامة المعصومة محققة لهذين الغرضين، على طول خط الحياة، وإلى قيام الساعة، بدلالة قول الرسول الكريم المتفَق عليه: «...كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

وبدون هذا الفكر ستبقى سهام الآخرين من أديان أُخرى، وتوجّهات مغايرة، تتوالى على فكر المسلمين السياسي من أتباع المذاهب الإسلامية الأُخرى، وهي سهام كثيرة وإصاباتها محرجة، ولضيق المقام سأكتفي بأخذ عيّنة واحدة للدراسة والتحليل.

 

* برنارد لويس.. عيّنة اختبار

المستشرق، برنارد لويس، البريطاني المولد (ولد في لندن 16/5/1916م) ، تلقى التعليم في عاصمة المملكة المتحدة، وحصل على البكالوريوس في الآداب من قسم التاريخ بجامعة لندن، ليلتحق بعدها بجامعة باريس/ معهد الدراسات السامية، لينال دبلوم الدراسات السامية، قبل أن يعود إلى جامعة لندن لينال درجة الدكتوراه عن رسالته في أُصول الإسماعيلية. ومن أشهر مؤلفاته: «العرب في التاريخ»، «الإسلام في التاريخ»، «اللغة السياسية في الإسلام»، «اللون والعرق في الإسلام أو اللون والعرق في الشرق الأوسط»، «أصول الإسماعيلية»، على أن له كتاباً يثيرك أقصى الإثارة حتى في عنوانه: «الحشاشون أول فرقة ثورية في الإسلام».

وهذه السيرة التخصصية ليس هي كل سيرته، بل له سيرة تتصل بخدمة الجيش البريطاني والسياسة الخارجية للمملكة البريطانية، كما له أفضال كثيرة على الصهيونية ودولتها اللقيطة في فلسطين. فقد التحق بالجيش البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية وأُعيرت خدماته إلى وزارة الخارجية، وبعد ذلك عاد إلى الجامعة مدرّساً، ثم ليتسنّم منصب رئيس قسم التاريخ بمدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن ما بين 1957م و 1974م. ومن بعدها ألقى الرحال في الولايات المتحدة الأمريكية، فحصل على الجنسية الأمريكية في 1982م، وعُرف أُستاذاً زائراً في عدد من الجامعات الأمريكية، وكان له حضوره في كثير من الندوات والمؤتمرات التي عُنيت بالدراسات العربية والإسلامية، يُضاف إلى ذلك أنه كان يقدم المشورة للكونكَرس الأمريكي عام 1974م، وتقوم «وزارة الخارجية الإسرائيلية» بنشر شهادته أو محاضرته في الكونكَرس بعد أُسبوعين من إلقائها. ونذكّر بأنه أوصى بأن تعطى مكتبته الكبيرة إلى «مركز موشيه ديان» بعد وفاته. وله ذكريات في أرضنا السليبة إذ يقضي شهرين كل سنة في تل أبيب.

لويس هذا أصبح واحداً من الذين يُرجَع إلى أقوالهم «الفصل» فيما يخص الفكر السياسي للإسلام!! ذلك أن أكثر ما يهم العالم الغربي هو الفكر السياسي في العالم الإسلامي، خاصة بعد تنامي ما بات يُعرَف هناك بمسمّى «الأصولية الإسلامية».. ولقد ركّز برنارد لويس على «المشروعية» في الفكر السياسي الإسلامي، كما تناول بالتحليل العلاقات بين الفرد والدولة ضمن دائرة الفكر السياسي الإسلامي، ليبني أخيراً تصوراته حول «الحركات الإسلامية المعاصرة». وله كلمة معبرة عن فهمه لسيدنا ومولانا رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، إذ يقول عنه: «لم يمت على الصليب، وكان إلى جانب النبوة جندياً ورجل دولة، بل رئيس دولة ومؤسس إمبراطورية». ومع الاعتراض على عبارة «مؤسس إمبراطورية» إلاّ أنه كان واضح الانبهار بهذه القيادة التي أعطت فهماً آخر عن «السيادة»، ومهما حاول أن يطعن فإنّ البحث العلمي يحاصره بالحقائق، ويحدّ من صرامة كلماته بالمعطيات الدامغة. لكن لويس لم يكن هيناً في دسّ سمّ الكلمات بعسل البحث العلمي، ومن الأمثلة على ذلك قوله عن سيدنا الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وآله: «شيخ الأُمّة لأولئك الذين آمنوا به بحق، ليست سلطته مشروطة أو مقبولة بدون اعتراضات من قبل القبيلة التي يمكن أن تسحبها في أي وقت، ولكنه حق ديني مطلق. إن مصدر السلطة انتقل من الرأي العام إلى الله الذي أناطها برسوله المختار». وهذا الكلام خطر جداً، لكنه يسوقه بسوق لطيف من الصياغة التي تلمّع الحروف، وتشوّه الحق؛ إذ يجعل لاعتراضات القبيلة كل هذه الأهمية، مع أنه، صلى الله عليه وآله، لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم، ثم إنّ كلمة «انتقل» فيها خبث يهودي، وهو يقول: «إن مصدر السلطة انتقل من الرأي العام إلى الله الذي أناطها برسوله المختار». وأحسب أن كل هذا راجع إلى أن لويس وصل إلى قناعة بصدقية نبوة خاتم المرسلين، وأحقية رسالته، وصوابية سياسته، لكن كبر عليه الاعتراف بذلك، في وسَطٍ أخذ كل ما أخذ بإسباغ صفة دينية على هذه المقولة: «أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، والتي نسبوها إلى السيد عيسى المسيح عليه وعلى نبينا وآله السلام، مقولة تفصل بين سلطتي الدين والدنيا.

ولا يتحمل لويس وأمثاله الاعتراف بأنّ الإسلام جمعهما معاً بكل نجاح، لأنّ القيادة هي قيادة معصومة بعصمة من الله. وكيف لليهود أن يعترفوا بعصمة للنبي والأئمة، وهم ينسبون الخطأ والظلم إلى الله في المحرّف من التوراة والأناجيل البشرية - تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا- ولذا يعبّر لويس عن تقليدين يدّعيهما لسيدنا محمد، صلى الله عليه وآله، سمّاهما «الساكن» و»النشط»، فيزعم أن التقليد الساكن يتمثل في كونه، صىل الله عليه وآله، حاكماً ورجلاً سياسياً، ولكنه قبل أن يكون كذلك كان «نشطاً» ويقصد أنه كان متمرداً ومعارضاً للنظام الحاكم في مكة، وهذا التلاعب بالألفاظ أضرّ كثيراً بالاستنتاج العلمي. وعلى الباحث والمطالع لكتابات لويس أن يكون يقظاً تماماً من تلاعبه اللفظي الناعم والهادم في وقت واحد.

 ومن أمثلة ذلك استعراضه لحجة من ينفي عن الحكومة الإسلامية أن تكون حكومة دينية وذلك لعدم وجود كنيسة أو بابا أو مجالس كنسية في الإسلام.. أما في استعراضه لحجة الذين يرون أن حكومة الإسلام دينية يتبين بجلاء مقدار الكيد المبطّن في مثل قوله: «الإسلام من ناحية المبدأ، وإن لم يكن في التطبيق ثيوقراطي بمعنى آخر وأكثر عمقاً، والثيوقراطية تعنى حرفياً حكم الله، وبهذا المعنى كانت حكومة الإسلام دينية من الناحية النظرية، ففي روما، كان قيصر هو الله، وفي النصرانية، تعايش القيصر مع الله، وفي الإسلام، الله هو القيصر حيث إنه وحده الرئيس الأعلى للدولة ومصدر السيادة، وهكذا صاحب التشريع، فالدولة هي دولة الله، والقانون، هو قانون الله، والجيش، جيش الله، وبالطبع فالأعداء هم أعداء الله».

إن هذا القول فيه جرأة على الله، وعلى الإسلام بدعوى أنّ الإسلام هكذا يعتقد بالله..! إضافة إلى ما فيه من لف ودوران يشيان بسخرية من الدين الحق، وينبئان عن حقد على البناء الفكري الإسلامي، سواء على صعيد العقيدة، أو على صعيد الإدارة والحكم والسياسة، وما كان للويس ولا لغيره أن يتفوه بمثل هذا الكلام لو تجرد عن عُقده و أورد الأقوال الشريفة لأئمة الهدى المعصومين، عليهم أفضل الصلاة والسلام، بل على الضدّ من ذلك استفاد كثيراً من موقف أهل السنة والجماعة بعدم الخروج على الحاكم المنحرف، فقال كلمة تقطر باللؤم والحقد: «الإسلام يطلب من أتباعه أن يكونوا خانعين أذلاء»! ومع اعترافه بالحديث الشريف «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، إلا أنه يقول إنه يصطدم بأمرين: «أولهما: أن المشرعين نادراً ما ناقشوا كيف يتم فحص التزام الحكومة بالشريعة، ومتى تكون مخطئة وبالتالي لم يضعوا أجوبة لذلك، والثاني: أنهم لم يضعوا أجهزة أو إجراءات لقياس مدى التزام الحكومة بالشريعة». وبهذا يستفيد من ثغرات أوجدها أتباع أبي بكر وعمر وعثمان والأمويين والعباسيين والعثمانيين، فخلط الأوراق، وظلم الحقائق. ولذا لا عجب أن يقول أيضاً: « كان واجب الطاعة في الأيام العظيمة للتاريخ الإسلامي القديم قاصراً على الخلفاء الشرعيين الذين هم وكلاء الله في الأرض ورؤساء المجتمع الديني وفي حالة تمسكهم بالشرع فقط، ولكن مع تراجع الخلافة ونمو الدكتاتورية جعل الفقهاء والمشرعون المسلمون تعاليمهم موافقة للحالة المتغيرة، وجعلوا واجب الطاعة يمتد لأية سلطة فعلية مهما كانت عاصية أو متوحشة. وقد سيطر على الفكر السياسي الإسلامي في الألف سنة الأخيرة مبدأ «الطغيان أفضل من الفوضى» و»من اشتدت وطأته وجبت طاعته». ويتكئ لويس (اليهودي) على عمر بن الخطاب، وهو يبحث عن أدلة تؤيد ما يزعمه، فيذكر ما رواه ابن بطة من قول عمر: «وإن ظلمك فاصبر، وإن حرمك فاصبر»، مع أنه يؤكد أن الغرض من هذه الأحاديث هو تبرير الآراء التي أخذت تشيع في تلك الفترة».

 

* أين يكمن الخلل؟

يكمن أولاً في رفض أتباع الخلفاء تخطئة طريقة القفز على منصب الإمامة، ومصادرة القيادة التي هي للإمام المعصوم حصراً، وعدم تخطئة أبي بكر وعمر وعثمان التي جرّت الويلات على الأُمة الإسلامية فيما سبق، ولا تزال تجرّها حتى الآن، ومن ويلاتها هذا التشويه للفكر السياسي الإسلامي، الذي هو كما يعتقد أئمة أهل البيت وشيعتهم منحصر بالحاكم المعصوم المفترَض الطاعة؛ لأنه عادل معصوم، لا يضيع أحد من الرعية بحضرته، ولا يُظلم أي إنسان في دولته، وهو إمام أكبر من حدود الجغرافيا والقبيلة والبلد والعرق، إنه إمام الزمان، المتحدّث بكل لغة ولسان.. وإذا كان لويس وأمثاله منصفين في توصيف الفكر السياسي الإسلامي، فعليهم أول ما ينبغي عليهم أن يرجعوا إلى نصوص صريحة لا يمكن إغفالها، ومنها نص صحيفة المدينة الإدارية، وأمرها مشهور، ودلالتها معلومة، ومن قبلها نص بيعة العقبة الأُولى، وبيعة العقبة الثانية: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في المـَنشَط والمـَكرَه، والعسر واليسر، وأن لا ننازع الأمر أهله وعلى أثرة منّا، وأن نقول الحق لا نخشى في الله لومة لائم».

وواضح جداً أن لهذا الأمر (أمر القيادة العليا والحكم والخلافة) أهلاً هم وحدهم (أهل الأمر)، وبيعة المسلمين كانت منذ فجرها الأول تقوم على أن لا ينازعوا أهل هذا الأمر فيه.. ومن الوثائق المهمة جداً والنصوص الصريحة أيضاً، بل على رأسها؛ أقوال الإمام علي بن أبي طالب، والأئمة المعصومين من ذريته، عليه وعليهم السلام، في خصوص الإمامة وقيادة الأُمة، وواجبات الوالي تجاه رعيته.

 

* نبذة من أقوال الإمام علي عليه السلام في الفكر السياسي

لا يسعنا هنا إلاّ الاختصار، ولكن كيف نختصر شيئاً من هذا الكلام الشريف المنيف:

«أمّا بَعْدُ؛ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلَايَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، دُونَ خَلْقِهِ؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ، تَفَضُّلًا مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ..

ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ. وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ؛ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي، فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ، وَلَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ، فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ. وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الْإِدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الْأَحْكَامُ، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ، وَلَا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ، فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ، وَتَعِزُّ الْأَشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ. فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ وَإِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ، وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ، بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ، وَلَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ، وَلَيْسَ امْرُؤٌ، وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ، بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ، وَلَا امْرُؤٌ، وَإِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ، بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ .

 

* وكذا قوله لأتباعه:

«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ؛ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلَا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا. وَأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ؛ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ، وَالْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ».

 وأما قوله عن معارضيه، فهو من أجلّ نصوص الحرية السياسية المنضبطة، إذ يقول:

«إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَمَالَأوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي، وَسَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هَذَا الرَّأْيِ انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا. وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وآله، وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ، وَالنَّعْشُ لِسُنَّتِه».

من هنا تتبدّى أهمية أن تأخذ الأجيال الشيعية الصاعدة في كل البلدان أدوارها، وتضطلع بمسؤولياتها، في التعريف بهذا الفكر السياسي المعصوم العالمي العادل، الذي عنده الحلول لكل مشاكل البشر، وهو الوحيد الذي يحقق للإنسان إنسانيته، وللفكر الإنساني تماميته، حتى نكون مساهمين في إعلاء كلمة الله بأحسن الأساليب المعاصرة، وإلاّ نكون مشتركين في جريمة تشويه الحقائق، والتستّر على المفترين.


ارسل لصديق