تغيير الرؤوس أم النفوس؟
كتبه: جعفر تقي
حرر في: 2014/10/23
القراءات: 574

كلما تدبّرت في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}، (سورة الرعد /11) أرى عظمة آيات الله وبصائره، فقد لخص لنا برنامج بناء المجتمع الناجح في جملة مفيدة، قلّت ودلّت.

فكم نسمع من الشعوب ـ مرة بعد أخرى ـ انها تبحث عن التغيير، إلا اننا نجدهم يضيعون الفرصة بعد الأخرى لتتوالى عليهم غُصصاً بعد أن كانت فرصاً للتغيير.

 

* فهم ينقسمون الى طائفتين:

الأولى: من يؤيدون من هو على كرسي الحكم بطرق شتى فمنهم من يحارب الثورة و الثوار، وآخرون يهرولون لصناديق الاقتراع لينتخبوا اصحاب الشعارات البرّاقة و اللافتات الجميلة وربما موزعي البطانيات..!

والثانية: هم الغالبية الصامتة كما يسمونها، ولكنها الى الموت أقرب، إذ يقول فيهم أمير المؤمنين، عليه السلام، وهو يصف من لا ينكر المنكر بقلبه او بلسانه أو بيده: «إنه ميت الأحياء»..

وهؤلاء يتركون الانتخاب أملاً في حدوث معجزة كونية، او أن يأتي منقذٌ من شرق الأرض او من غربها لغير حالهم الى أحسن حال، او ربما ينتظرون قيام الساعة..!

والطائفتان في طريق واحد، فهم بالتالي يكرّسون من دام على كرسي الحكم فترة أطول، لينال من مال الله ويجعله دولاً ويتخذهم ـ أي عباد الله ـ خولا.

من هنا يحق لنا أن نتساءل:

أي تغيير تنشده هذه الشعوب؟ و أيها أولى بالتغيير؛ الرؤوس أم النفوس؟

لا شك، أن التغيير لو لم يتم على اساس التغيير في النفوس سوف لا يجدي نفعاً، حتى لو كان على يد منقذ كبير، فسرعان ما تجد الحنين الى التخلف يعود الى النفوس ليصفقوا لكل متخلف يتسلط على رقابهم بالقوة او المكر.

فلا يمكن أن نحصل على عملية تغيير ناجحة إلا بعد ان نبدأ بتغيير النفوس و لكي يؤتي «تغيير النفوس» ثماره، لا بد من أن تتوفَّر لدينا شروط التغيير، ومنها الرغبة الحقيقية في التغيير، ومعرفة كيفية التغيير، وأن يكون التغيير عملاً لا قولاً، وإدراكاً أن التغيير لا يأتي من الخارج بل يأتي من الداخل، كما يؤكد هذه الحقيقة القرآن الكريم في الآية التي توّجنا بها المقال، ثم العزيمة الصادقة على القيام بهذا التغيير.

إن تغيير النفوس للأفضل ليس أمنيةً مجردةً، بل حركة على أرض الواقع، يبدأ بمعرفة مواطن الخلل، واسباب ذلك، ووضع الخطوات الصحيحة لكل منعطف من منعطفات التغيير بمختلف اشكاله، ليُرَى أثر هذا التغيير في أقوالنا وأخلاقنا ومعاملاتنا ومع أهلينا وجيراننا والناس من حولنا، لتتحول نفوسنا ربانية والهية، وإن شئت سمها «مدنية»؛ حتى تبدأ مرحلة التغيير الحقيقية.

ومما يعين على ذلك؛ أن نتحلّى بإرادة صلبة، وعزيمة قوية، ونبدأ بالتفاؤل، ونتجاوز المصالح الضيقة لننظر الى من حولنا ممن هو دوننا، ونشذِّب السلوكيات الذميمة في حياتنا، ونخرج من التمحور حول الذات إلى بناء علاقات إيجابية مع الآخرين.

إن أولى خطوات التغيير الحقيقي هو إعادة بناء الذات وفق القيم الالهية الحقّة، لتستطيع هذه النفس ان تتقبل كلما هو صحيح وترفض كلما هو خطأ حتى وإن كان ذلك على حسابها ولذلك تجد الحِكم القديمة تقول: «ما اسهل تغيير الرؤوس وما اصعب تغيير النفوس».


ارسل لصديق