امتدادات النهضة الحسينية تواجه ورثة الفكر الأموي
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2014/12/01
القراءات: 794

عاشوراء و اربعين أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، شعلة حماس تتجدد، وحكمة بالغة تنير درب السائرين. وكلّما تماوجت الحكمة والحماس في أمّة، بلغت معارج الفلاح والنجاح. و متى اقترب منّا يوم الإمام الحسين، عليه السلام، لاحت لنا معالم الطريق اللاحب؛ الطريق الى الكرامة والعزّة، الطريق الى قيم الحق والعدل، الطريق الى السعادة والى الفلاح؛ ذلك أنّ القيم السامية التي تجلت بأبهى صورها في أرض الطف يوم المعركة الكبرى بين الحق والباطل، انها جسّدت سنن الله في خلقه، كما مثّلت قيم الدين في الحياة. وهكذا كلما كانت هناك معركة بين الحق والباطل، وبين المُثُل العليا وبين اضدادها، وبين المستضعفين والمستكبرين، وبين المحرومين والظالمين؛ فإنّ معركة الطف ماثلة هناك، حيث يستمد منها الناشطون من أجل الحق، قيم الجهاد والتضحية والاستبسال في سبيل الله ومن أجل الكرامة.

و اليوم وحيث تحاول عصابات الكفر، بدعم من الصهاينة، تجديد ما قام به بنو أمية من فظائع يندى لها جبين الإنسانية، وذلك باسم الدين؛ فان اليوم حيث أصبحت منظمات تكفيرية تهدد أمن الشرق الأوسط وتعيث فساداً فيها.

أقول: اليوم تتجدد عاشوراء بكل معانيها في واقع الرجال الصادقين من أبناء الأمّة الذين تشبّعت نفوسهم بحب النبي وآله الهداة، عليه وعليهم افضل الصلاة والسلام. فاذا رأيت في بلادنا اليوم هذه النهضة الإيمانية؛ فانها نسيم لا يزال يهب من أرض الطف، حيث أصبحت عبارة: «لبيك يا حسين» الشعار الأول لها. وإنني إذ أحيّي هذه النهضة المباركة أقدّم التوصيات التالية:

 

* الإمام الحسين، عليه السلام، ميزان

1- علينا ـ جميعاً ـ أن نزن أنفسنا ونحاسبها ونصلح شأنها بميزان الإمام، عليه السلام، لأنّه يمثل الحق كلّه. وفي كل حركة نجول فيها، وعند كل كلمة ننطق بها، علينا أن ننظر الى سيرة السبط الشهيد وكلماته؛ فما وافقها نتمسك به، وما انحرف عنها اصلحناه. إنّ سلوكنا بحاجة الى تقييم دائم ومحاسبة مستمرة، ليس فقط لتغيير الظروف المحيطة بنا، وإنّما ـ أيضاً ـ لاحتمال انحرافنا عن الصراط بسبب الأهواء والضغوط. إنّ الإمام الحسين، عليه السلام، ميزان حق لكل الفئات وعلى اختلاف مستوياتهم؛ فاذا أراد القائد، سياسياً كان او اجتماعياً او دينياً، أن يحاسب نفسه، وأن يحدِّد نقاط الضعف في أدائه او خُلُقه، وأن يجبر الضعف الطارئ عليه في نيّته وعزمه؛ فإنّ له في سيد الشهداء عليه السلام، ميزان حق وقسطاساً مستقيماً؛ فلا يستنكف عن اصلاح ذاته بالقياس الى ذلك الميزان. و هكذا سائر أبناء المجتمع؛ عليهم أن يتخذوا من شخص الإمام الحسين، عليه السلام، وهكذا من الشهداء الكرام من أهل بيته وأصحابه، قدوات لحياتهم لكي يسموا في درجات الإيمان عالياً بقدر تأسيهم به واتباع نهجه اللاحب. أَوَ ليس الإمام، عليه السلام، مصباح هدى وسفينة نجاة؟

بلى؛ كلما ضعفت همتنا، تمسكنا بنهج سيد الشهداء عليه السلام، فبثّ فينا روح العزم؛ فاذا بنا ننهض كما الإعصار . أ رأيت كيف كان شعار «يا لثارات الحسين» عبر التاريخ، كلمة السر العظيمة التي زلزلت عروش الظالمين، و أبادت الغزاة والمارقين؟ وهكذا اليوم وفي كل يوم، اصحبت هذه الكلمة، وعند عامّة المؤمنين، شعاراً مزلزلاً للعروش الظالمة؛ انها سر انتصاراتنا على أعتى الطغاة والمردة؛ باذن الله تعالى.

 

* الإمام الحسين، عليه السلام: المسؤولية

2- إذا كان البعض يفضّل الوقوف على التل ومراقبة الأحداث دون أي تحمّل للمسؤولية، ثمّ تراه يتشبث بالأعذار العقيمة؛ فإن هذا السلوك بعيد عن نهج سيد الشهداء وعن روح الثورة الحسينية؛ بل إنّه كارثة عظمى؛ ذلك لأنّ الأعداء يستفيدون من هذا الموقف اللامسؤول في تدمير البلاد وإبادة العباد، وسوف يتحمل هؤلاء المسؤولية كاملة عما يجري يومئذ من الفساد والدمار، ولن تنفعهم غداً عند الله سبحانه، تلك الأعذار الواهية. ولقد أهلك ربنا الجبار، سبحانه، القرون الأولى ليس لأنهم كانوا جميعاً مشاركين في الإجرام؛ بل لأن اكثرهم رضوا بفعل المجرمين وسكتوا عنهم؛ فعمّم البلاء على الجميع. بينما يتمثل نهج السبط الشهيد، سلام الله عليه، في تحمّل المسؤولية، وقد قدم اروع الأمثلة في ذلك حيث قال في إحدى خطبه: «ألا ترون أنّ الحق لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً». ولعلّ اعظم درس تعلمه المؤمنون من الإمام الحسين ،عليه السلام، هو هذا الدرس؛ درس المسؤولية بكل شجاعة، حيث قال سلام الله عليه، وهو يبيّن أبعاد تحملّه المسؤولية: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد، صلى الله عليه وآله، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر».

إنّ على كل مؤمن، الانتماء الى فئة مؤمنة، سواء كان من افراد أسرته أو زملاء عمله وأهل المسجد الذي يرتاده او الحسينية التي يتذاكر فيها مصائبَ اهل البيت عليهم السلام؛ كل ذلك من اجل التواصي بالحق والصبر، والتشاور، والتعاون على البر والتقوى. إنّ الله يحب المؤمنين الذين يتّحدون مع بعضهم، فاذا هم كما البنيان المرصوص، بعضهم يشدّ أزر بعض. قال ربنا سبحانه في سورة الصفّ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذينَ يُقاتِلُونَ في‏ سَبيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ}. 

 

* الإمام الحسين عليه السلام: الولاية الكبرى

3- إن المسلمين اليوم حين يرددون شعار: «لبيك يا حسين» فإنما يستجيبون لله تعالى، لأنّ الإمام هو داعٍ الى الله، أَوَ لم يقل ربنا سبحانه في سورة آل عمران: {رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادي لِلْإيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ}. وإننا نردد عند زيارتنا للسبط الشهيد، عليه السلام: «لبيك داعي الله. إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك، ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري». وإذا كان الإمام الحسين، عليه السلام، ولي الله وداعياً اليه؛ فإنّه عليه السلام، وكذلك الذين يمثّلون نهجه، هم امتداد لولايته؛ فالإمامة غير مبتورة ولا محصورة في رجال، إن ذهبوا ذهبت معهم، إنما هي ممتدة مع الزمن، حيث يمثل اليوم تلك الولاية الكبرى، الإمام الحجة ابن الحسن المهدي، صلوات الله عليه، ثم ينوب عنه من جعلهم حججاً على الناس من بعده وهم الفقهاء العدول في عصر الغيبة. وهكذا كان المؤمنون ـ ولا يزالون ـ يستجيبون لنداء مراجعهم الكرام كلما نادوهم باسم الله وباسم النبي وأهل بيته عليه وعليهم السلام، وهكذا تراهم ينتمون اليوم، أفراداً وجماعات، الى خطّ المرجعية الدينية، ولا ريب أنّ هذا الانتماء أصبح خير وسيلة لقوتهم وعزتهم وانتصارهم على الأعداء.

 

* الإمام الحسين عليه السلام: الدعوة الحق

4- كل داعٍ ينتهي بانقضاء أجله، إلّا دعوة إلهية كدعوة الإمام الحسين، عليه السلام؛ لأنه بشهادته الكبرى، وبظلامته العظمى، وبما له في أفئدة المؤمنين من حرارة لا تنطفئ، وبما تتجدد من مصائبه كل عام، وبما تُنصب لعزائه من منابر الذكر، وتُرفع باسمه من رايات الكرامة، إنّه ـ بكل ذلك ـ لا يزال مصباح هدى لكل الاجيال وفي كل الآفاق. وهكذا كان على كل مسلم ومسلمة أن يصبحا دعاة باسمه، ولاسيما العلماء، والخطباء، والشعراء، وأهل الهيئات والمواكب الحسينية، انهم - جميعاً - دعاة الى الصلاح والإصلاح، ومبشِّرون برسالة سيد الشهداء، عليه السلام. وهكذا كانت سيرة أسلافنا الصالحين، فانهم لم يكونوا مجرد مستمعين لمآسي السبط الشهيد، بل كانوا دعاة صادقين باسمه وحاملين لرسالته؛ كلٌّ بطريقته وبالوسيلة المناسبة له. و اذا كان العالَم اليوم يشهد مداً حسينياً، فإنّه جاء نتيجة هذه الدعوة الحق، وهذه المنابر والمجالس والهيئات التي لا تفتأ تذكّرنا بكربلاء وبعاشوراء، وبدروس البطولة التي ورثناها من الملحمة الكبرى.

بلى؛ وعلينا أن نجدِّد أساليب الدعوة اليوم حتى تتسع للوسائل الحديثة من فضائيات، ومجالات الشبكة العنكبوتية (الانترنت)، و اجهزة الهاتف النقّال؛ وغيرها. إنَّ دعوة الإمام الحسين، عليه السلام، هي دعوة عالمية، فهو كجدّه، صلى الله عليه وآله، رحمة للعالمين، كما قال ربنا سبحانه في سورة الانبياء: ﴿وَمَا أَرْ‌سَلْنَاكَ إِلَّا رَ‌حْمَةً لِّلْعَالَمِينَ. و علينا ألّا نقصّر في نشر حقائق النهضة الحسينية، والتي تمثّل رسالة المصطفى، صلّى الله عليه وآله، ومن قصّر في هذا الطريق فإنّه يظلم البشرية جمعاء؛ ذلك لأنّ العالَم كلّه بحاجة اليوم الى دروس كربلاء؛ دروس الرحمة الشاملة والعزّة والكرامة والحرية.


ارسل لصديق