من عجائب عاشوراء؛ ما تزال الأمة تجادل في ذكرى الحسين!
كتبه: الشيخ معتصم السيد احمد
حرر في: 2014/12/01
القراءات: 1150

لا يمكن أن نحقق فهماً لعاشوراء الحسين، عليه السلام، ونحن نتصور أنها مجرد حادثة احتفظت بها الذاكرة كأي قضية فلكلورية، أو أنها مجرد حالة مأساوية لامست العاطفة الإنسانية فوجدت طريقها إلى الوجدان الشيعي؛ لأن بقاء الحدث في النفوس مئات السنين أمر مخالف لطبيعة العاطفة المحكومة بالنسيان، فالحالة العاطفية ليست أبدية وإنما مهددة دوماً بمتغيرات الحياة، لذا لا يمكن للإنسان أن يحتفظ بعلقة عاطفية، إلا ضمن فترة زمنية محدودة؛ فالمتغيرات التي تختزنها مجريات الحياة لا يمكن استيعابها والتفاعل معها إلا بعاطفة متغيرة تسمح بالنسيان، فكلما ابتعد الإنسان من الحدث الذي ولَّد العاطفة، كلما خفت تلك العاطفة وتلاشت، وبالتالي الأمر الذي لا يمكن نسيانه هو الأمر الذي تبقى علاقة الإنسان به، فعدم نسيان حدث ما هو الذي يجعل للعاطفة وجوداً وليس وجود العاطفة هو الذي يبقي الحدث، ومن هنا لا بد من البحث عن ما يبقي الحدث ويخرجه من دائرة النسيان، وليس العاطفة التي هي نتاج لبقاء نفس الحدث في نفوس الناس.

 

* عاشوراء مدخل لفهم الحياة

إن الحدث الذي يكتب له الخلود هو الحدث الذي يمكن إعادة إنتاجه ضمن السياقات التاريخية المتجددة، ولا يمكن أن يرتقي أي حدث إلى هذا المستوى ما لم يتسم بديناميكية تتجاوز الظرف الزمني الخاص الذي ولد فيه الحدث، والديناميكية هنا وصفاً للحدث وليست للظرف التاريخي الذي لا يمكن أن يتكرر، فالماضي غير الحاضر، وما كان لا يصبح ما هو كائن. فـ «التاريخ يعيد نفسه»، مقولة تكتسب أهميتها ضمن السياق المعرفي الذي يتعامل مع دلالات الحدث، وليس الظرف الذي وجد فيه الحدث، فالدلالة قضية متحركة قادرة على إنتاج نفسها في ظروف زمنية مشابهة.

وإعادة إنتاج الحدث ليست عملية تكرار رتيبة طالما أنها تراعي ظروف المرحلة، وثبات العنوان لا يعني أبداً ثبات المحتوى، كما أن ثبات القوانين لا يعني أبداً جمود الحياة وتوقفها، فالحياة حركة سريعة ومتلاحقة يتغير معها كل شيء، ومع ذلك هناك حقائق تكتسب الثبات لا لكونها خارجة عن إطار الزمن وإنما لها من الحركة بمقدار ما للزمن من حركة، فكلما كان هناك متغيرات اتسعت هذه الحقائق بمقدار تلك المتغيرات، فالجمال مثلاً حقيقة لها حضورها الدائم عند كل جميل، فالذي يمكن أن يتغير هو ما يكون جميلاً، أما الجمال فلا يتنازل عن شيء إلا ويجد لنفسه شيئاً آخر يكون مظهراً له، فالقول «هذه الزهرة جميلة» قابل للتغير، أما الجمال الذي اتصفت به الزهرة لا يتغير لأنه وصف لكل جميل وجد أم لم يوجد، ومن هنا نكتشف أن هناك منظومة من القيم هي أصل الحياة ومظهر الوجود بها تتجلى حقائق الأشياء، وفي الوقت نفسه قادرة على الجري والانطباق بنفس السرعة التي تحدثها حركة الأشياء، مثل العدل والكرامة والرحمة والحرية... وكل قيم الكمال والجمال في الوجود.

وهذه القيم هي المدخل الوحيد لفهم الحياة، فكل الأشياء تكتسب من الأهمية والحق بمقدار ما تمثله من تلك القيم، فقيمة الحدث بقيمة القيمة التي يجسدها، فتقيم الإنسان فرداً أو جماعة، وتقيم الحراك الإنساني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، أو على مستوى الحدث التاريخي كلها تُفهم وتُقيم بمعيارية تلك القيم، فهي الحاضرة دوماً مع الإنسان في كل مكان وزمان.

وبمقدار مدخلية هذه القيم لفهم الحياة، تكون مدخلاً أيضاً لفهم الدين، فالدين ليس إلا تكريساً وتذكيراً وتنبيهاً لواقع تلك القيم التي جعلها الله -تعالى- أساساً للعبادة وطريقاً لتكامل الإنسان، وبتحقيق هذا الفهم الذي يحول الدين إلى منظومة من القيم، ويتحقق التفاعل الإيجابي بين الإنسان وبين الدين لا كموروث وإنما كإطار يحقق تطلعات الإنسان.

 

* سر بقاء كربلاء

وهذه القيم كمفاهيم مطلقة لا يستوعبها الإنسان ولا يجد لها معنى إلا إذا تجلت هذه القيم وتمظهرت في الخارج المحسوس، فالعقل كقيمة لا يعرف إلا من خلال «العاقل»، والقدرة كقيمة لا تعرف إلا من خلال «القادر»، والرحمة إلا من خلال الفعل الذي يجسدها، وكذلك العدل، والحرية، التسامح، والمودة، والحب، والجمال.. وغيرها يتحسسها الإنسان ويتفاعل معها بمقدار ما يجدها ظاهرة لدى العيان، ومن هنا لو كان هناك شيء جسد لنا قيمة من القيم، وكان تجسيداً لا يدانيه شيء آخر، سيصبح ذلك الشيء باقيا في نفوس الناس ما لم يأتِ ما هو أكثر ظهوراً منه في تجسيد تلك القيمة؛ لأن حينه سيتحول إلى رمز نقارب من خلاله فهم تلك القيمة المطلقة، فنحن نعرف من الجمال، والعدل، والرحمة... بمقدار ما نرى من جميل، وعادل، ورحيم، وهذا مبلغ علم الإنسان لهذه الحقائق، وكلما تجلت تلك القيم في الخارج تحقق علمنا بتلك القيم، فبمقدار تجليها في الخارج يكون مقدار علمنا ومعرفتنا بها، وهذا سر بقاء الأنبياء والأئمة والصالحين لأنهم مصاديق عليا لتلك القيم والمثل، فلا يمكن أن نقف عند الرحمة ولا نستذكر رسول الله ، صل الله عليه وآله، ولا يمكن أن نتحدث عن العدل ونتجاوز أمير المؤمنين، عليه السلام، ؛ لأننا لا نعرف معنى للرحمة أو للعدل ما لم نجد ما يجسدها في الخارج، وهكذا يتحول كل الدين بما فيه من قيم إلى صور حية حسيّة حتى لا يبقى في إطاره النظري وصورته المثالية.

وبذلك يمكننا أن نفهم سر بقاء كربلاء حية في نفوس المؤمنين؛ لأنه أبرز حدث في تاريخ المسلمين تجسدت فيه كل قيم الدين، فأصبح للإيمان، والوفاء، والتضحية، والصبر، والإخلاص، والتوكل... صور حسيّة واضحة لا يمكن إدراكها ومعرفتها بدون الوقوف دوماً على شاطي كربلاء، فالدين الذي أراد للإنسان أن يكون متمحضاً ومسلماً لله عز وجل حتى تكون كل سكناته وحركاته لله، {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (سورة الانعام /162) هذا المستوى من الذوبان في الحق لا يفهمه الإنسان ولا يستوعبه إلا من خلال نماذج عاشت تلك التجربة، ومن هنا كان القرآن حريصاً على سرد قصص الأنبياء وما جرى لهم، فقصة إبراهيم وابنه إسماعيل، عليهما السلام، كانت صورة حيّة لمعنى التوحيد والتسليم لله عز وجل، فلو كانت هناك ألف آية تتحدث عن التسليم لله عز وجل، لا يمكن أن تحقق معنى للتسليم ما لم يكن هناك نموذج يجسدها.

ومن هنا كانت كربلاء مفارقة جوهرية بين الإسلام في صورته المزيفة التي سُخر فيها الدين من أجل الأنا والمصلحة الذاتية، وبين الإسلام الحقيقي الذي سَخّر الإنسان فيه كل ما يملك من أجل الله عز وجل، وعاشوراء بكل تفاصيلها الدامية صور حية لكل القيم التي جاء من أجلها الإسلام، ولا نريد هنا استعراض تلك الصور المعبرة عن حقيقة الدين، حتى أصبحت واضحة للعيان من خلال كربلاء، وإنما نؤكد على أن الإسلام الذي ولد من رحم السلطة، حاول أن يسخر كل الدين من أجل الحاكم، فكانت عاشوراء إعادة الدين إلى مساره الطبيعي، وهو تسخير كل شيء وجعله يدور حول الله عز وجل، ولولا تلك المفارقة بين التوجهين التي أحدثها الحسين، عليه السلام، بدمه في كربلاء لم يبقَ للدين حقيقة، وبذلك أصبحت عاشوراء الحسين، عليه السلام، رمزاً للإسلام المحمدي الأصيل، يقف عندها المؤمنون كل عام ليعيدوا انتماءهم لله -عزّ وجل- عبر الحسين، عليه السلام. 

 

* دروس منسيّة في «الربيع العربي»

فعاشوراء ليست مجرد ذكرى لمأساة الحسين، عليه السلام، وإنما محاولة لإعادة قراءة الواقع تقييمه بتلك المبادئ التي أرستها كربلاء، وبالتالي تصبح عاشوراء رؤية متجددة تنطلق من التاريخ لتعيش الواقع الراهن بكل تعقيداته.

فالثورة ضد الظالم الذي ينتهك الحرمات ويعبث في دين الله هو المبدأ الذي تبلور بثورة الحسين، عليه السلام، الذي قال: «أيّها الناس، إنّ رسول الله، صلى الله عليه وآله، قال: من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله ،صلى الله عليه وآله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أنْ يدخله مدخله. ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله وأنا أحقّ من غَيّر».

وقد تأخر الإنسان المسلم كثيراً حتى أستوعب هذا المبدأ، فمنذ سنة 62 للهجرة وإلى اليوم، الإسلام هو الدين الذي يمكنه التأقلم والتلون مع كل النظم السياسية، وهذه الثورات الحاصلة اليوم وما يسمى بالربيع العربي، ما هي إلا ثورة على ذلك الفهم الذي هيمن على المسلمين، وجثم على صدر الأمة بتبريراته السمجة لكل النظم التي تحكمت، وقد خسرت الشعوب الإسلامية كثيراً، في علمها، وتطورها، وعزتها، وكرامتها، وحتى حقوقها الحياتية، عندما لم تعرف الحسين، عليه السلام،  فبدل تلك الضحكات التي تستهجن دموع الشيعة على الحسين، عليه السلام،  كان الأولى أن تبكي على واقعها الذي استلب وعلى إسلامها الذي ضاع تحت رغبات السلاطين، فليس العجيب أن يبكي الشيعة الحسين، عليه السلام، ولكن العجيب كيف تعايشت هذه الأمة مع إسلام ليس فيه الحسين، عليه السلام، وكيف يمكن لها أن تطمح للكرامة والعزة والحرية وهي لا تعرف الحسين، عليه السلام.

وفي حقيقة الأمر، أن الإسلام رؤية متكاملة يبدأ بالتوحيد وينتهي بتفاعله في الواقع بالإمامة والولاية، فمن كفر بيزيد وآمن بالحسين، عليه السلام، فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهذا هو الامتداد الذي نفهم به عاشوراء، وهو سر امتدادها عبر السنين، لأنها تشكل جوهر المفارقة الكبرى بين الإسلام المحمدي العلوي وإسلام الطواغيت، ولا يمكن لهذه الأمة أن تعيد إنتاج إسلامها من جديد إلا إذا عرفت الحسين، عليه السلام،  فهو الطريق الوحيد الذي يمكن أن تنفض به غبار السنين، وتكفر به عن سكوتها الذي طال، فاستسلام الأمة وخنوعها لكل الظالمين الذين حكموا في التاريخ وإلى اليوم، هو السبب المباشر لتخلف الأمة وتراجعها وضياع كرامتها وعزتها وانتهاك حرمتها.  

فتمسك الشيعة بالحسين، عليه السلام، علامة إيمانية وحالة إيجابية، تحسب لهم وليس عليهم؛ لأنها تعبر عن وضوح الرؤية وتكامل الفهم، فلو لم يرفع الشيعة شعار الحسين، ولم يملأُوا الدنيا ضجيجاً ونواحاً بدماء الحسين، عليه السلام، لكان في أصل إسلامهم إشكال؛ أوليس الإسلام هو التوحيد، والتوحيد رفضاً للطغيان، فإي رفض كرفض كربلاء! و أي تسليم كتسليم الحسين في عاشوراء! فحضور عاشوراء في أي دين هو دليل استقامة على الصراط، وسير على خطى الذين أنعم الله عليهم، وفي والوقت نفسه مفارقة لكل من غضب الله عليهم وضلوا سبيل الحسين.

هذه هي حقيقة عاشوراء وهي حقيقة الإسلام، التمسك بنهج الصالحين والتبرؤ من سبيل الظالمين، وحتى لا يغفل المسلم عن هذه الحقيقة، أُمر بأن يكرر في كل صلاة قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}، وأي مسلم لا يرى الحسين، عليه السلام، مصداقاً للذين أنعم الله عليهم، ولا يرى أن يزيد هو مصداق للمغضوب عليهم والضالين؟! فالصراط الذي أمرنا الله - تعالى - أن نتمسك به ليس حالة هلامية، وإنما حقيقة حسيّة تتجسد في أشخاص لهم واقعية، ولذا لم يقل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وسكت، بل بيّن ملامح هذا الصراط بقوله {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ} وهم أشخاص من البشر قد أنعم الله عليهم، ونحن لا نشك أن الحسين، عليه السلام، منهم، فقد قدم نحره الشريف من أجل ثباته على ذلك الصراط، كما حذرنا الله في الوقت نفسه من سبيل آخر على رأسه أشخاص أيضاً وهم {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}، ونحن لا نشك أن يزيد منهم، ففي سبيل شهواته وتمسكه بالحكم قتل الحسين، عليه السلام، فإذا صدق ما قلنا، ولا أظن أن هناك مسلماً يخالفني في ذلك، فيكون معنى الآية؛ ﴿إهدنا الصراط المستقيم، إنما هو صراط الحسين، وجنبنا طريق يزيد، أولم يكن بذلك قد أمرنا الله بذكرى الحسين، عليه السلام، في اليوم خمس مرات...؟ والعجيب أن الأمة مازالت تجادل في ذكرى الحسين يوم عاشوراء!

-----------------

* عالم دين وباحث من السودان


ارسل لصديق