الكوفة و ثورة الضمير
كتبه: مرتضى الموسوي
حرر في: 2014/12/02
القراءات: 895

اندهش أهل الكوفة حينما نطقت زينب بنت علي، عليهما السلام، فيهم؛ فقال راويهم «فلم أر خفرةً ـ والله ـ أنطَقَ منها»، حتى قالوا:

«كأنها تفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب»، عليه السلام. فأومأت إلى الناس أن اسكتوا... فارتدت الأنفاس، وسكنت الأجراس، فحمدت الله و صلت على النبي وآله الأطهار.

ثم قالت:

 «أما بعد، يا أهل الكوفة! يا أهل الختل والغدر»

لقد كانت لهذه الكلمات أشد الأثر في نفوس أهل الكوفة، فإنها قد أوجدت فيهم اليقظة والوعي بصورة عجيبة، حتى شعروا أن ضمائرهم بدأت تؤنبهم، وان وجدانهم صار يوبخهم على جرائمهم الفجيعة وجناياتهم العظيمة.

فقد ذكرتهم هذه الكلمات بماضيهم المخزي وتاريخهم الأسود، حيث صدر منهم الغدر مرات عديدة، فمنها:

- في يوم صفين عند تحكيم الحكمين، غدر أهل الكوفة بالإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب، عليه السلام، الذي كان الحق يتجسد فيه بأكمل وجه، وخذلوه بتلك الكيفية المؤلمة.

ـ وحينما استشهد الإمام أمير المؤمنين، عليه السلام، تهافت أهل الكوفة على مبايعة ابنه الإمام الحسن المجتبى، عليه السلام، وعندما خرج معاوية لحرب الإمام الحسن، خذله أهل الكوفة وقعدوا عن نصرته غدراً منهم، فخلا الجو لمعاوية وفعل ما فعل، وضرب الرقم القياسي في الجريمة واللؤم.

ـ وبعد موت معاوية أرسل أهل الكوفة إثني عشر ألف رسالة إلى الإمام الحسين، عليه السلام، أيام إقامته في مكة، يطلبون منه التوجه إلى العراق لينقذهم من الاستعمار الأموي الغاشم...! وضمّنوا رسائلهم الأيمان المُغلظة، والعهود المؤكدة لنصرة الإمام والدفاع عنه بأموالهم وأنفسهم.

فبعث إليهم سفيره مسلم بن عقيل، فبايعه الآلاف من أهل الكوفة، ثم تفرقوا عنه وغدروا به.

ـ وحينما لبّى الإمام الحسين، عليه السلام، رسائلهم ووصل إلى أرض كربلاء، ومعه عائلته والصفوة الطيبة من أهل بيته، خرج أهل الكوفة، وقتلوا جميع من كان مع الإمام وقتلوه عطشاناً، ثم أحرقوا خيام الإمام، وأسروا عائلته ونساءه وأطفاله، وقطعوا الرؤوس من الأبدان ورفعوها على رؤوس الرماح.

هذا هو الملف الأسود ، المليئ بالغدر والخيانة

فحينما نظرت السيدة زينب، عليها السلام، إلى دموعهم وسمعت أصوات بكائهم لم تنخدع بهذه المظاهر الجوفاء، بل وجهت خطابها إلى الحاضرين: «أتبكون...؟! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً، ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف...».

ولعل كلمة الصلف تعني الوقح، فبكاؤهم بعد ارتكابهم تلك الجرائم يدل على شدة وقاحتهم وقلة حيائهم. ثم قالت: «والصدر الشنف وملق الإماء ، وغمز الأعداء أو كمرعى على دمنة وكفضة على ملحودة ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب انتم خالدون. أتبكون وتنتحبون؟! إي والله، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة؟ ومعدن الرسالة؟ وسيد شباب أهل الجنة؟ وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدرة سنتكم ألا ساء ما تزرون وبعداً لكم وسحقا، فلقد خسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة...».

ثم قالت عليها السلام: «أتدرون أيّ كبدٍ لرسول لله فَرَيتُم؟! وأيّ كريمةٍ له أبرزتم؟! وأي دم له سفكتم؟! وأيّ حرمةٍ له هتكتم؟! لقد جئتم بها صَلعاء عَنقاء سَوداء فَقماء، خَرقاء شَوهاء، كطِلاع الأرض وملء السماء.

أفعجبتم أن مطرت السماء دماً، ولعذاب الآخرة أخزى، وأنتم لا تُنصَرون. فلا يَستَخفّنكم المُهَل، فإنّه لا يَحفِزُه البِدار، ولا يَخافُ فَوتَ الثار، وإنّ ربّكم لبالمرصاد».

هكذا كانت الكوفة حقاً كما وصفتها بنت علي، ولا نزيد عليها فهي نطقت بلسان الوحي وأعلنت أن العذاب قد حل بهم، بعد أن كان قد أنذرهم سيد الشهداء، يقول الراوي: «فو الله لقد رأيت الناس ـ يومئذ ـ حَيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم».

هذه الخطبة العصماء أوجدت يقظة شاملة في النفوس فهزت الضمائر، واذا نجد التاريخ لا يعدو الكوفة، في الثورات والانتفاضات التي انطلقت ضد الامويين وحتى العباسيين، فان دليل واضح على عمق الثقافة التي خلقتها الرسالة العاشورائية لللسيدة زينب وايضاً الامام زين العابدين، عليهما السلام، وايضاً ثقافة اهل البيت، عليهم السلام، في نفوس وضمائر اهل الكوفة.


ارسل لصديق