الشعائر الحسينية في عيون غربية
كتبه: الشيخ ياسر الصالح
حرر في: 2014/12/02
القراءات: 1459

(المواكب السيارة - وهي تناهز الاثنين والعشرين موكباً - كانت قد أصبحت جميعها الآن داخل أسوار المدينة القديمة، عادت الطبول تُقرع من جديد، والجموع ما انفكت تصرخ: يا حسين، يا حسين.. وهي تلطم بشدة على صدروها، الجوقة النحاسية تعزف بأصدح الأصوات المتاحة، وعند كل زاوية حيثما يسمح المجال يسترسل الوعاظ المحمديون في سرد الحكاية المأساوية لموت الشهداء، ما كان ممكنا التحرك إلا مع الحشود ذلك أن الطرقات بالكاد تبلغ العشرين قدماً عرضاً، ودقات الطبول وصيحات: يا حسين يا حسين لا تزال تتردد).

هذه مقتطفات من رواية تحت عنوان: "على سور المدينة"، و التي يعود تاريخ كتابتها إلى أكثر من مئة عام، و بالتحديد عام 1888م، و مكان الحدث هو مدينة لاهور الباكستانية، و الحدث - كما هو واضح وجلي- عاشوراء الحسين، و لكن المهم في الموضوع هو كون كاتب هذه السطور رجلاً بعيداً عن الثقافة الإسلامية، فهو ليس رجلاً هندياً، أو عربياً بل و ليس حتى شيعياً، و إنما هو شاعر و روائي بريطاني حائز على جائزة نوبل للآداب عام 1907م. انه "روديارد كبلينغ"، حضر العديد من مواسم عاشوراء إبان الاحتلال البريطاني للهند، وكتب عنها في الصحف والمجلات، ثم كتب روايته: "على سور المدينة"، و التي تشكلت فصولها من مشاهداته تلك.

لقد شكلت الشعائر الحسينية وثورة الإمام الحسين، عليه السلام، مادة للبحث العلمي لدى الكثير من الدارسين والباحثين منذ القدم، فقد وجدوا فيها مادة تستحق البحث و التنقيب، فعمدوا إلى البحث عن المعنى والدلالة و الأسباب، فانطلقوا من توصيف المظاهر إلى الغور في عمق المعاني المتجلية من هذه الشعائر، وكثيراً ما رأينا كتباً ودراسات لمفكرين وباحثين بعيدين عن الإسلام وعن التشيع، ولكنهم تكلموا بلسان من يفهم هذه القضية ويعيش تجلياتها، ويعاين عمق معانيها.

وليس ذلك بالأمر الغريب فثورة الإمام الحسين، عليه السلام، ليست حكراً على فئة أو طائفة، و إنما هي ثورة عالمية انطلقت من مدينة كربلاء وامتدت على طول خط الزمان و المكان، ولعبت دوراً كبيراً ومؤثراً في الكثير من منعطفات التاريخ و مستجداته، وكان الحكام الظلمة يحسبون لها حسابات عديدة، ففي الهند يقول" ديفيد بينولت" بروفسور مساعد في كلية الدراسات الدينية في جامعة سانتا كلارا ولاية كاليفورنيا في كتابه الشيعة: "كنت تجد المجلات و الصحف البريطانية تُعلن النفير العام، وتدق جرس الإنذار عشية ذكرى عاشوراء من كل عام، حيث كانت تتوقع حدوث خروقات للأمن الامبريالي.." (1)

 

* الأربعين المهيب .. و الإعلان الصارخ

شكلت زيارة الأربعين الأولى بعد سقوط النظام المقبور في العراق صدمة للعالم، حيث تسمّرت عيون الملايين في كل أرجاء المعمورة أمام شاشات التلفاز، و هي تشاهد جموع الزائرين الزاحفين إلى كربلاء، مولدة أسئلة كثيرة ظلت حائرة تبحث لها عن إجابات، بينما الملايين تواصل زحفها المقدس إلى مرقد الإمام الحسين، عليه السلام.

وبين العالم الشرقي والغربي فرق شاسع، ففي الوقت الذي انبرى فيه من كفر الشيعة و طعن في معتقداتهم، في تلك المناسبة وغيرها، ظهرت إلى الساحة مجموعة كبيرة من الدراسات و الأبحاث و التي عمدت إلى تحليل ودراسة الوضع الشيعي، و بالتحديد معالم تلك الزيارة العظيمة، و الشعائر الحسينية المصاحبة لها، وكانت تلك الكتب و الدراسات سبباً لدخول الكثير من الناس إلى الإسلام المحمدي الأصيل، وهذا ما يبرر لنا انتهاج القنوات العربية سياسة منع تغطية مراسيم الأربعين في الأعوام التي تلت.

يقول" ولي نصر" أستاذ سياسات الشرق الأوسط و جنوب آسيا في دائرة الدراسات العليا التابعة للأكاديمية البحرية في أمريكا في كتابه صحوة الشيعة: "في ذلك الأربعين بالذات الذي جاء غداة اليوم المشهور الآخر، يوم اسقط رجال المارينز الأميركيون، والعراقيون مبتهجون، تمثال صدام حسين المجوف في ساحة الفردوس ببغداد، صادف أن كنت في ضواحي لاهور.. وكان جهاز التلفاز مولفاً على محطة السي ان ان، حيث أن الجميع كانوا يتابعون الأخبار الآتية من العراق، فتحولت التغطية المتلفزة إلى نقل مشاهد لشبان شيعة يقفون مكتظين متراصين، في ظل القبة المذهبة لمقام الإمام الحسين، عليه السلام، في كربلاء كانوا جميعاً يرتدون قمصاناً سوداء، ويعصبون رؤوسهم بأوشحة خضراء اللون؛ كانوا ينشدون مرثاة بالعربية لإمامهم المحبوب، وهم يرفعون أكفهم عالياً نحو السماء، كما لو كانوا يصلّون ثم ينزلونها في تساوق وانسجام لتقرع صدورهم في حركة إيقاعية متواترة ملؤها التفجع و التضامن.. كانت للصورة جاذبية المغناطيس، لقد كان الشيعة يومها في الشوارع والطرقات، وكانوا يرفعون عقيدتهم وهويتهم عالياً كي يراهما الجميع، فجعلنا نبحلق في شاشات التلفاز ..."(2). و يعزو ولي نصر أحد أسباب دراسته للشيعة وكتابته كتاب "صحوة الشيعة" إلى المشاهد التي شاهدها ذلك اليوم .. حيث أنه وقف مذهولاً أمام الزحف المقدس للشيعة، وهم يتوجهون إلى كربلاء: " ما إن سُحق نظام حكم صدام حسين حتى انطلق عشرات الألوف من الإيرانيين، و العديد منهم نساء فقيرات ومسنات، ليس عليهن سوى "الشادور" الأسود يغطي رؤوسهن و أجسامهن، وصرر صغيرة من الطعام يحملنها في أيديهن، فعبروا الحدود الإيرانية العراقية، قاطعين حقول الألغام، واتخذوا طريقهم عبر الأراضي المقفرة في جنوب العراق لزيارة مقام الإمام الحسين في كربلاء، الذي اقفله صدام في وجه الحجاج الإيرانيين لسنوات طويلة"(3)

 

* عالمية عاشوراء:

كان ذلك الأربعون البداية لسلسلة من الأبحاث أجراها الكاتب ولي نصر ليكتشف أن مراسيم إحياء عاشوراء ليست حكراً على أهل العراق، وإنما هي ممتدة على خطوط الطول والعرض في الكرة الأرضية: " وهذه الشعيرة عينها ستجري فصولاً إنما بشيء من التحوير المحلي في ذلك اليوم - أي عاشوراء - في مدينة لكنوا الهندية، و في العاصمة الإيرانية طهران، و في مدينة كربلاء العراقية، و في البحرين الجزيرة الكائنة في الخليج العربي، و في بلدة النبطية في جنوب لبنان، إن عاشوراء عمل من أعمال التدين"(4).

ثم ينتقل ليصف بعض المشاهدات في مدينة لاهور في باكستان: "وفي الشوارع الفرعية الضيقة لمدينة لاهور القديمة ثمة نساء يجهشن بالبكاء، وسط جو مشحون بالترقب، ومن وراء المنعطف يترامى صوت ضربات إيقاعية، مصحوبة بالإنشاد العالي، وما هي إلا لحظات حتى تلوح للناظر الكتلة البشرية الهائلة للموكب، وهي عبارة عن صفوف طويلة من الرجال، يرتدون لباساً أسود بالكامل، ويسير كل أربعة منهم متكاتفين.. ويتقدم الجميع رجل عجوز أبيض اللحية، وهم في إثره يقرعون صدورهم بكلتا يديهم هاتفين بصوت واحد: يا حسين.. ويمضي الموكب في طريقه ولكن أصداء الصيحات و الضربات الخافتة تظل تتردد عبر الجدران العتيقة للمدينة القديمة"(5) أما في الهند فيقول: "كانت الفيلة تتقدم مواكب عاشوراء الملوكية في لكنوا إبان القرن الثامن عشر، وكانت الجموع ترفع مجسمات ضخمة تمثل أهم المزارات الشيعية في الهند والعراق على أكتافها لساعات طويلة، وإلى يومنا هذا لا يزال حمل تلك المجسمات يحتل مكانة بارزة في احتفالات عاشوراء في لكنو"(6)

 

* التشيع.. ذلك الإسلام المميز

وهو في كتابه لا يكتفي بسرد المشاهد و المظاهر، وإنما يتعمق في دراسته، و يحاول فهم أبعاد القضية، ثم لا يخفي إعجابه بالإسلام الشيعي فيقول: "في اليوم العاشر من شهر محرم الحرام من كل عام، يُظهر الشيعة وجها مميزاً للإسلام، وجهاً يرى التعلق بالقيم الروحية، من خلال الانفعالات الوجدانية و الطقوس، لا في الشرائع و العبادات المألوفة التي تتخلل حياة المسلمين .. حيث يقدم الشيعة فرادى وجماعات عرضاً مهيباً لتدينهم وهويتهم .."(7) كما ولا يخفي ولي نصر عمق تأثير هذه الشعائر على الناس بمختلف أطيافهم و أجناسهم حينما يقول: "ولا أخال مشاهداً في ذلك اليوم المعروف بذكرى عاشوراء بمنجى من التأثر بعرض الشيعة الدال على مدى تعلقهم بمعتقداتهم، ولن تفوت أحد رؤية التفرد الذي يطبع الإسلام الشيعي"(8). ويقول في مكان آخر من كتابه صحوة الشيعة: "لا ريب في أن مشاهد عاشوراء وأصواتها تسبي العقول قبل القلوب، فهي شعيرة زاخرة بالرمزية، و العواطف الجياشة .. ذلك أنها تُعرّف بالشيعة، وتجدد ارتباطهم بمعتقدهم وبيئتهم".(9)

 

* رمزية الشعائر .. وعمق الدلالات

المواكب الحسينية زاخرة بالرمزية، وتتنوع مظاهر عاشوراء بين علم وكف، وبين حصان أبيض و قِربة ماء، و هذه الرموز جعلت" ولي نصر" يبحث عن دلالاتها محاولاً فهم الأبعاد التي تنطوي عليه مثل هذه المظاهر، فقد لفت انتباهه -على سبيل المثال- الكف المعدنية المعروفة بكف العباس، مما جعله يبحث عن معنى الكف، و عن قصة صاحبها: "يتقدم كل موكب ثلة من الشبان يحملون عُمداً معدنية طويلة، مزينة بشرائط رفيعة من القماش الأحمر والأخضر والأبيض، ترفرف وتفرقع مع هبوب النسيم، وقريباً من طرف العُمد؛ ثمة علم أسود مثلث الشكل، و فوقه رأساً ينهض شكل محفور بعناية لكفٍ بشرية نافرة.. ترمز الكف إلى العباس بن علي أخي الحسين، الذي قُطعت كفاه يوم كربلاء وهو يحاول جلب المياه من نهر الفرات قبل أن يُستشهد، وهذه الكف النافرة و الراية السوداء علامة فارقة تجدها على بيوت الشيعة، ومساجدهم، وفي المواكب العاشورائية من الهند إلى الشرق الأوسط".(10)

مظهـــــــر آخـــــــر لفت انتباه الكاتب وهو توزيع المياه في أيام عاشوراء في الطرقات والحسينيات: "يــــــــدور الصبيـــــــة والفتيان عارضين الماء على جموع الحاضرين، وكل من يشرب منهم يبتهل بالدعاء للحسين الشهيد".(11)

واستطاع أن يفهم من خلال هذه الرمزية كيف أن الإمام الحسين، عليه السلام، قُتل عطشاناً بأرض كربلاء.

ويواصل ولي نصر تقصيه لرموز المواكب؛ فيتتبع رمزية الحصان الأبيض فيقول: "...يسير جواد أبيض غير مركوب، لكنه مجلل بسرج بديع الصنع، وقد شُكّت أرياش بيض رأسه المطأطئ، يستقطب الحصان جُلّ الانتباه، وسرجه الخاوي يُذكر المشاهدين بصاحبه الصريع الذي هو موضع تعظيم وتبجيل الجموع، ويتعقب الحصان عدد من النسوة اللائي يغطين رؤوسهن بالأوشحة، ويلطمن على صدورهن برفق صائحات: يا حسين.. "(12)

 

* كربلاء .. و العمق الشيعي

فهم الباحثون الغربيون أن الشعائر و المظاهر في القضية الحسينية لدى الشيعة ما هي إلا تعبير ظاهر عن فكر عميق مستوحى من ثورة الإمام الحسين، عليه السلام، التي شكلت حدثاً بارزاً في التاريخ الإسلامي؛ يقول" كامران سكوت" البروفسور المساعد في جامعة تكساس في كتابه شهداء كربلاء: "بالنسبة إلى الشيعة يُشكل استشهاد الحسين حدثاً تأريخياً غير عادي، ونقطة تحول تاريخية، وتجليا ميتا تاريخيا- أي بما يخرج عن نطاق التاريخ الواقعي- للحقيقة في آن معا"(13)

أما "فرنسوا تويال" - مدير الدروس في المدرسة الحربية العليا للجيوش الفرنسية" أرض، جو، بحر" ومستشار رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي ومتخصص في الدراسات الإستراتيجية - فيرى مفاهيم الشهادة والعدالة واضحة وجلية لدى الشيعة فيقول في كتابه" الشيعة في العالم: "إن أهمية مذبحة كربلاء لا تُقاس بمجرى الحدث: معركة صغيرة بين فريقين دامت يوماً واحداً، وأسفرت عن بضع عشرات القتلى، لكن موت الحسين حفيد النبي سيُتخذ رمزاً، ويصبح شعاراً في الإسلام، قوامه الصراع من أجل الخير والحق، و الاستشهاد الضروري لكل مقاتل من أجل العدالة، وهكذا وُلدت لدى الشيعة لمدى أجيال العلاقة بين الاستشهاد و الحقيقة، وبين الألم و العدالة". (14)

وقد تعلّم الشيعة من ثورة الإمام الحسين، عليه السلام، رفض الباطل بكل أنواعه، ومواجهته مهما كلف الثمن؛ يقول" عظيم نانجي" بروفيسور الدراسات الإسلامية ومدير معهد الدراسات الإسلامية في لندن في كتابه الإمام الحسين الدور النموذج: " بالنسبة إلى الشيعة كربلاء هي رمز الشقاء والعزاء، لكنها تجسد أيضاً معنى الرفض لتكبيل السلطة الإسلامية الحقة بالاعتبارات البراغماتية، والاستعداد حتى لتحدي السلطة غير الشرعية ليس فقط سلطة الخلفاء بل وسلطة أي حاكم لا يكون على مستواها ".(15)

ويبين ولي نصر، المكانة التي يحتلها الإمام الحسين، عليه السلام، عند الشيعة و كيف أنه أصبح قدوة لهم في صفات كثيرة: "لم يغدُ الحسين نبراساً للتشيع الرامز لحقه في المطالبة بقيادة العالم الإسلامي فحسب؛ بل صار كذلك مثالاً حياً للشهامة والشجاعة في النهوض بالقضية العادلة، قضية الوقوف في وجه الطغيان" (16)، وهكذا فإن: "كربلاء عند السنة مجرد تاريخ، ولو أنها فصل قاتم من فصوله، لكنها عند الشيعة هي البداية، هي النواة الصلبة التي ينعقد حولها الإيمان ذاته، إن كربلاء تلخص مُثُل التشيع العليا، ألا وهي الإخلاص للائمة كأصل من أصول الدين، والالتزام بإحقاق الحق في وجه الظلم و الاستبداد". (17)

---------------------

* عالم دين من البحرين

---------------------

(1) كتاب الشيعة.. طقوسهم و تقواهم في المجتمع الإسلامي ص 66-72 - ديفيد بينولت

(2) كتاب صحوة الشيعة ص 14

(3) كتاب صحوة الشيعة ص 52

(4) كتاب صحوة الشيعة ص 29

(5) كتاب صحوة الشيعة ص 29

(6) كتاب صحوة الشيعة ص 43

(7) كتاب صحوة الشيعة ص 27

(8) كتاب صحوة الشيعة ص 27

(9) كتاب صحوة الشيعة ص 29

(10) كتاب صحوة الشيعة ص 28

(11) كتاب صحوة الشيعة ص 29

(12) كتاب صحوة الشيعة ص 29

(13) كتاب شهداء كربلاء ص 92

(14) كتاب الشيعة في العالم ص 36

(15) الامام الحسين الدور النموذج ص 188

(16) كتاب صحوة الشيعة ص 38

(17) كتاب صحوة الشيعة ص 45


ارسل لصديق