كتابات حسينية
كتبه: هيأة التحرير
حرر في: 2014/12/04
القراءات: 936

جاد يراع سماحة الشيخ النمر بالكتابة في موضوعات عديدة، كان أهمها النهضة الحسينية، مستلهماً منها دروس التغيير والإصلاح الذاتي والاجتماعي، مستضيئاً بالفكر الأصيل الذي أصله ثابت وفرعه في السماء. اخترنا في هذا الحيّز بعض ما أجاد به سماحته عن هذه النهضة المباركة فكان التالي:

* الامام الحسين، عليه السلام، والإعداد للمستقبل

إن العقلاء يتطلعون دائماً وأبداً لبناء مستقبل زاهر يقدم البشرية، ويرتقي بها إلى قمة الفضائل الإنسانية بعد اقتلاع جميع منغصات الحياة الطبيعية؛ من ظلم سياسي، أو اضطهاد اجتماعي، أو استلاب ثقافي، أو حرمان اقتصادي، أو هيمنة عسكرية، أو خداع أحباري كهنوتي...!

ولكن المستقبل الزاهر لا يتحقق بـشخطة قلم مكسور، ولا بكلمة لسان عابرة، وإنما بإعداد شامل يستدعي كل القوى ويستنفد كل الطاقات، {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ }.

 إن بناء المستقبل الزاهر يحتاج إلى:

 1- اعداد فكري يمتلك رؤى الحياة وبصائر سننها، فكرٌ قادر على تلبية حاجات وتطلعات البشرية، وحلحلة مشاكلها المستعصية.

فكرٌ أكبر من الماضي والحاضر والمستقبل، فكر شمولي لا يعجز عن استيعاب جميع مجالات الحياة، وهكذا كان فكر الحسين، عليه السلام، يستوعب كل الحياة، فامتلأت شريعته ببصائرها، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}. فكرٌ يملك لكل تطلع إجابة ولكل مشكلة حلاً يستوعب المعاصرة دون أن يتخلى عن الثوابت بل يتحكم في جميع المتغيرات بثوابت الشريعة الإسلامية.

2- قيادة رسالية تستوعب فكر الرسالة، وتواكب المتغيرات، وتتصدى لانتشال الأمة من قوقعتها وعبوديتها وتخلفها لإنهائها والارتقاء بها إلى مصاف الأمم المتقدمة، بل إلى ريادة العالم عبر بصائر الوحي ونور العقل وطهارة الروح وسلامة النفس، قيادة فكرية ميدانية تجمع بين بناء منظومة فكرية تشيد مدرسة علمية متكاملة وبين النزول إلى ساحة الأمة للتصدي لقضاياها الكبرى وقراءة واقعها عن قرب يلامس الحقيقة بعيداً عن الخيال والأوهام.

 3- طليعة مؤمنة تكون ذراعاً وعضداً للقيادة الربانية، تشاركها قيادة الأمة وحمل همومها وتكون حلقة وصل صادقة بين القيادة والجماهير، تعبر عن مكنون الجماهير وما يختلج في نفوسهم إلى القيادة، وهي في نفس الوقت، أذن خير صاغية لكل ما ينبعث من معين القيادة الصافي تسمعه وتحييه ثم تبلغه جماهير الأمة وتترجمه قيادة السماء لتنطلق بالأمة إلى تحقيق الأهداف الرسالية الكبرى.

 وهكذا كان الحسين، عليه السلام، على مدى عقدين من الزمن يبلور الرؤى للأمة ويتصدّى لقضاياها ويبني طليعة مؤمنة تتحمل على عاتقها رسالة السماء مهما كانت الظروف حالكة، وبهذا تمكن الحسين، عليه السلام، أن يطوع التاريخ والمستقبل لحركته الرسالية، فانتصر بدمه على سيف يزيد.

* الحسين، عليه السلام، مدرسة الأجيال الواعدة

إن الأجيال الجديدة هي الفئة القادرة على إحداث التغييرات الكبرى وكسر طوق الجمود الذي يكبل حركة المجتمع ويقوقع أفراده .

وعلى امتداد عقدين من الزمن ربّى الإمام الحسن والحسين، عليهما السلام، جيلاً هاشمياً واعداً تمكن من إيقاف الانحراف الذي نخرت سوسته قلب الأمة الإسلامية بعد رسول الله، صلى الله عليه وآله. ولقد تمكن هذا الجيل الواعد من إحداث زلزلة ضمير، وهزة فكرية في عمق الشرائح والفئات الاجتماعية التي تطاول عليها الأمد وعاشت السبات والخنوع وتعايشت مع الذل والعبودية مستسلمة للواقع، مسترسلة مع أوهام الحياة تعيش الغفلة والإعراض عن القيم الرسالية والمبادئ السماوية. إن الشجاعة والبسالة والصمود والوفاء والاستقامة التي جسدها الجيل الواعد مع الحسين، عليه السلام أحيا الضمائر السابتة وأيقظت القلوب الغافلة، وأثارت العقول المحجوبة، فأحدثت حركة اجتماعية مسؤولة وثورة سياسية شاملة، ونهضة فكرية أصيلة، وإصلاحاً عقائدياً عميقاً، أوقف المد الجاهلي وبعث النور الرسالي ليدحر بطش وطغيان كل الطغاة الذين سعوا وما زالوا لإطفاء نور الرسالة، {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، فأبى الله إلا أن يتم هذا النور بشجاعة وبسالة الجيل الواعد ومواقفه البطولية التي هشمت جبروت كل طاغٍ على امتداد الزمان والمكان. إذا أرادت أجيال اليوم النهوض والكرامة فعليها أن تستلهم الدروس والعبر من جيل القاسم، والأكبر... ومن عاتكة بنت مسلم بن عقيل، ومن سكينة بنت الحسين، عليهم السلام، والشباب الهاشمي والشبائب الهاشميات، ومن شباب وشبائب الأصحاب الذين أثبتوا أنهم قادرون على التغيير والانتصار، وإفشال كل مخططات أعداء الرسالة، متمثلاً في الحزب الأموي الذي غرق في الكفر والفساد إلى أن قذف به في مزابل التاريخ تلاحقه ومن سار على نهجه لعنة المؤمنين إلى قيام يوم الدين.

* الحسين، عليه السلام، مدرسة التغيير والإصلاح

لا يختلف اثنان في رداءة الواقع المعاصر في كل مكان، ويتفق الجميع على ضرورة تغييره، ويسعى المخلصون لإصلاحه وإعادة بنائه من جديد وفق قيم الرسالة ومتطلبات الفطرة وإرشادات العقل.

 والتغيير يبدأ من الداخل أولاً باقتلاع جميع جذور الفساد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخبارية والرهبانية...! ومن ثم تبدأ عملية الإصلاح والبناء الداخلي لصرح الأمة الرسالية .

وفي عاشوراء الحسين، عليه السلام، تتجددت روح التغيير التي غرسها الحسين عليه السلام، «أنا أحق من غيري...»، «ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه».

وفي كربلاء الحسين، عليه السلام، يخاطبنا الامام، اليوم بصوت الرسالة، و بنور الهداية، و بدم الشهادة من أجل النهوض وممارسة التغيير والإصلاح بثوابت الشريعة واستجابة لمتطلبات العصر.

 يجب أن نمارس التغيير والإصلاح بدءاً من الذات وفق البرنامج التالي:

 1- المشاركة الرسالية الفاعلة في إحياء ذكرى الحسين، عليه السلام، جسداً وروحاً. بالجسد نحضر المآتم والندوات والعزاء وغيرها من البرامج الحسينية. وبالروح نستمع ونصغي ونتأمل ونتفكر في الخطاب المسموع والمقروء والمُشاهد، وبالعاطفة المنبعثة من الجسد، وبالعقل المنبعث من الروح، نقرأ الماضي الحسيني قراءة رشيدة لنعالج به الحاضر ونبني المستقبل.

2- الإقلاع عن كل أخطاء الماضي الخاص بكل انسان، والذي اصطبغ بالجهل وارتكاب المعاصي والذنوب والعدوان والغرور والتكبر وما إلى ذلك من ممارسات وأفكار جاهلية.

 إن البقاء في وحل المنكرات، هو انتصار لأعداء الحسين، عليه السلام، بل هو شراكة في قتل الحسين، عليه السلام.

 3- بناء القدرات الذاتية بدءاً من العقل بإثارته والتفكر مروراً بالروح بتصليب الإرادة وتنمية الصبر ختاماً بالسيطرة على النفس والتغلب عليها للتغلب على كل صعوبات الحياة .


ارسل لصديق