الحوار الناجح وتقرير المصير
كتبه: سعد مغيمش الشمري
حرر في: 2014/12/08
القراءات: 814

ان مخاطبة العقول والقلوب، فنٌ لا يجيده إلا من يمتلك أدواته، وإذا اجتمعت مع الظروف من حيث الزمان والمكان أثرت تأثيراً بالغاً، ووصلت الفكرة بسرعة البرق. فالتزام الأدب وحسن الخلق عموماً والتواضع على وجه الخصوص له دور كبير في إقناع الطرف الآخر بقبول الحق والصواب. فكل من يرى من محاوره توقيراً وتواضعاً، ويلمس خلقاً كريماً، ويسمع منه كلاماً طيباً، لا يملك إلا ان يحترم محاوره ويفتح قلبه لاستماع رأيه.

وهذه هي طريقة القرآن الكريم في تلّمس حاجات الوجدان، وأيضاً من عوامل نجاح الأنبياء والمرسلين، عليهم الصلاة والسلام، في إقناع الناس برسالاتهم السماوية، وما عليك إلا أن تتأمل في أحاديث الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، لتستلهم منها كنوزاً في فقه الدعوة وصولاً إلى تحقيق الهدف من الدعوة، فإن مما تحسن العناية الشديدة به نشر ثقافة الإقناع وفنون الحوار، وفن الاستماع وفهم شخصية الآخر في محاولة لفهم دوافع موقفه.

 

* حوار وسط المعركة!

قبل وقوع السيف بين اصحاب الامام الحسين، عليه السلام، وجيش ابن سعد والنظام الاموي، استثمر الامام لساعات من الزمن، فرصة الحوار والتحدّث الى الرجال المغرر بهم من أهل الكوفة، في محاولة ومسعى حضاري عظيم لإيقاظ الوعي والضمير فيهم، فكانت الاحاديث المطولة والخطابات العصماء، ليست مقصورة هو، عليه السلام، إنما قام بهذا الدور العظيم، عدد من الاصحاب المفوهين والبارزين، مثل زهير بن القين ومسلم ابن عوسجة وحبيب ابن مظاهر وآخرين، وكان لهذا الخطاب الاثر البالغ والثمرة الكبيرة التي تمثلت في تحول الحر بن يزيد الرياحي الى معسكر الحق، في ذلك التحول التاريخي العظيم.

إن مفهوم الحوار فيما يتعلق بالحر، بدأ من الحر نفسه، بينه وبين نفسه، وتمكن من الحصول على النتيجة الصحيحة، بينما بقي سائر الناس في الجهة المقابلة، على جاهليتهم وعصبيتهم القبلية المناقضة للغة الحوار والمنطق والبرهان التي تحدث بها الامام الحسين، عليه السلام، والنتيجة أنهم بقوا يلعنون ليومنا الحاضر.

من اجل الوصول الى افضل الطرق لإيصال افكارنا وآرائنا الى الآخرين، نتصفح كتاب «كيف تنجح في صناعة العلاقات»، لسماحة آية الله السيد هادي المدرسي، بأن «علينا أن نحارب الخلافات وإلا لأفسدت علينا أمورنا جميعا». فالحوار هو الذي يخاطب الضمير البشري، ويحاول الوصول إلى أعماق الإنسان، وهذا تحديداً ما فعله الإمام الحسين، عليه السلام، بكلماته وخطاباته، وايضاً بمواقفه العملية مع اعدائه، فهو لم يظهر امامهم بصورة المحب للحرب والقتال وعرض العضلات، إنما ظهر كمصلح انساني ومحرر للعقول والضمائر.

لقد خاطبهم، عليه السلام: «...فانسبوني من أنا؛ ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا؛ هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي». نلاحظ كيف تدرّج الإمام بالحوار في كلامه، وكيف طرح استفهاماته على جيش عمر بن سعد، وكيف استخدم المنطق والاستدلال لإقناع أشدّ أعدائه، من خلال مظلوميته وإظهار عدوانية أعدائه الذين يريدون قتله دون أدنى سبب مقنع، ولعلنا لا نجد إلاّ القليل من الخطب التي جاءت هادئة بمنطقها، هادرةً بقوتها الوجدانية كالخطبة التي خطبها الإمام الحسين، عليه السلام، في يوم عاشوراء على الملأ والتي جاء فيها: «أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعِظكم بما هو حق لكم عليّ وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون».

لنتصور الأجواء التي أحاطت بالإمام في لحظة إلقاء هذا الخطاب؛ سيل الأعداء من ناحية، وهم يحاصرونه، الأطفال والنساء من ناحية اخرى، وكانت ساعة المواجهة الدامية تقترب لحظة بعد اخرى، لكنه استطاع بهذه اللحظات وهو يواجه الموت المحتوم، ان يحافظ على فسحة للحوار عسى ان تكون فرصة للهداية لمن يشد العزم ويحرك إرادته، كما حصل مع الحر.

 

* لا نضيع الفرصة

إن ما يحدث احياناً للبعض، أن تكون طريقتهم في الحوار سبباً لابتعاد الناس عنهم ومن ثم يتحول الحوار الخاطئ، الى حجر عثرة في طريق علاقاتهم بالناس، وسبباً في عدم حصولهم على مزيد من الاصدقاء، ليس هذا فقط، بل قد تكون الطريقة السيئة للحوار، سبباً في اندلاع الفتنة التي يسقط فيها الانسان فتدخله نار جهنم وقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: «وهل يُكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم».

وبما أن الحوار يُعد وسيلة من وسائل نقل الافكار والرؤى، فان الحاجة تكون شديدة الى إتقانه اكثر، في عصرنا الراهن، ليكون الحوار ناجحاً يؤدي الى معرفة الحقيقة والمعرفة. هذا الحوار، ربما يكون بين اشخاص مختلفين في المدرسة ومحيط العمل والسوق واماكن اخرى، كما يكون بين افراد الاسرة الواحدة؛ كأن يكون بين الاخوة وبين الوالدين، كما يكون بين الجيران وهكذا... ويكون في مختلف الشؤون والقضايا، وربما تكون القضايا محل النقاش، سلبية كما قد تكون ايجابية، او قد ينتهي الحوار الى نتائج غير واضحة، فحتى نزيد من فرص النجاح، علينا اتباع الطرق والاساليب الكفيلة بذلك:

أولاً: ابدأ حوارك بالتأكيد على نقاط الاتفاق وركز عليها في المناقشة، ثم انتقل بعد ذلك الى نقاط الاختلاف، وبهذه الطريقة تكون قد كسبت الطرف الآخر و اصبح النقاش بينكما بعيداً عن الأنانية، فالحوار يجب ان يكون وسيلة للوصول الى اتفاق، وليس لتعميق الخلاف، وأن يكون على قاعدة الاخلاص لله تعالى والرغبة في الوصول الى الحق والصواب، واحذر من وجود الرغبة في الغلبة الشخصية، ومعرفة الطرف الآخر بوجود مصلحة خاصة وراء الحوار. فالمتحدث اللبق هو ذلك الذي يحصل على اكبر عدد ممكن من النقاط الايجابية، يقول الامام الحسين، عليه السلام: «الشرف موافقة الاخوان وحفظ الجيران، وحسب المرء من صداقته كثرة موافقته وقلة مخالفته».

ثانياً: ان تتفهم انت وجهة نظر الآخرين و إبداء الاحترام لهم. إن الأخذ بآداب الحوار، يجعل للحوار قيمته العلمية، وانعدامها يقلل من الفائدة المرجوة منه للمتحاورين، وهذا ما نراه نحن في بعض البرامج الحوارية التي ترعاها قنوات تلفزيونية، كالتي تحمل عناوين «الاتجاه المعاكس»، واشباهها، مما تفتقد للحوار المتزن المحافظ على آداب الحوار واحترام الطرف الآخر، وبعض هذه الحوارات تنتهي في لحظاتها الاولى، وذلك لعدم التزام المتحاورين بآداب الحوار . إن الحوار الجيد، لابد أن تكون له آداب عامة، ويكون مؤشراً لإيجابية هذا الحوار أو سلبيته، فانعدامها يجعل الحوار عديم الفائدة. وعند الحوار ينبغي أن تكون هناك اسلوب وطريقة لضمان استمرارية الحوار، كي لا ينحرف عن الهدف الذي من أجله بدأ الحوار، وحتى بعد انتهاء الحوار لابد من وجود ضمان تنفيذ نتائج وثمار الحوار، فكم من حوار كان ناجحاً ولكن لعدم الالتزام بالآداب التي تكون بعد الحوار كانت النتائج سلبية على المتحاورين.

اضافة الى ذلك، فان مصداقية الحديث، له تأثيره الكبير في نجاح المحاور، فوجود النقيض لهذه الصفة، وهي الكذب، يفقد طرفي المحاورة أمانتهم فيتسلل الشك في افكارهم وآرائهم، فكلما تمسك المحاور بهذه الصفة كان له الأثر البليغ في إقناع محاوريه بصحة دعواه وسلامة قضيته. فالمحاور الصادق يجعل لكل كلمة، قيمة واضحة تؤثر فيمن يتحاور أو يستمع له.

ثالثاً: الصبر والسماحة

إن البعض يضيق صدره بسرعة في المحاورة، حتى وإن كان الطرف الآخر لا يخالفه في الرأي، وهذا أمر خطير؛ لأنه لا يتمكن من شرح أو توضيح وجهة نظره، فضلا عن أنه لن يستطيع الدفاع عنها، مهما كانت صحيحة وصائبة، لذا يجب أن يتصف المحاور بالصبر والتأني والتسامح، التي هي بالأساس من صفات المؤمن.

ثم إن التسامح و الروح الرياضية لدى المحاور، تمثل عاملاً نفسياً في نجاح الحوار، عندما يكون منطلقه انسانياً شاملاً، فالذي يتحاور ويسعى لإيصال الفكرة الى الطرف المقابل، لا يعد على خصمه الأخطاء للتشفّي به، إنما لتعميم الفائدة وتقويم الحالة الدينية والثقافية بشكل عام. فالمتحاورون، لو نظر كل منهم الى من يحاوره نظرة تسامح و رحمة، وسعى إليه بالحسنى وبالخلق الرفيع، لكان انتشار الافكار الاصيلة والصحيحة اكبر بكثير مما نرى اليوم.


ارسل لصديق