الزيارة في أحاديث المعصومين وعناصر بناء الوعي وتحقيق اليقظة
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2014/12/08
القراءات: 986

تُعد زيارة المشاهد المشرفة والمراقد المقدسة، من أهم مشروعات أهل البيت، عليهم السلام، لتواصل الأمة مع العقيدة ورموزها وابطالها، وترسم الطريق المضيء نحو أشد مصادر الالهام الروحي والمعنوي.

هذه القيمة المقدسة، تشكل إرثاً إنسانياً لا تقتصر على شخص دون آخر أو فئة دون أخرى، أو حتى شعب دون آخر، إنما تعني جميع سكان العالم، لما لها من الطابع الإنساني والمشروعية المستندة إلى الفطرة والعقل والضمير الواعي والعاطفة الجياشة التي تخرج من الحب و الولاء لأهل بيت العصمة، عليهم أفضل الصلاة والسلام، وهذا ما فسر من قبل العلماء، سر بقاء هذه الظاهرة الاجتماعية والقيمة المقدسة حتى اليوم، بل أنها اضحت اليوم عابرة للحدود، بعد اختراقها قلوب المؤمنين بحرارة الإيمان والولاء الحسيني، وهذا تجسيد الحديث النبوي: «إن للحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تنطفأ أبداً». وكلمة «أبداً» إحدى الأسرار الإلهية التي ميز بها الله -تعالى- سيد الشهداء، عليه السلام.

 عن معاوية بن وهب قال: استأذنت على أبي عبدالله (الصادق، عليه السلام) فقيل لي: ادخل، فدخلت فوجدتهُ في مصلاه، فجلست حتى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربه وهو يقول:

«يَا مَنْ خَصّنَا بِالكَرَامَةِ، وَخَصّنَا بِالوَصِيّةِ، وَوَعَدَنَا الشفَاعَة، وَأَعْطَانَا عِلْمَ مَا مَضَى وَمَا بَقِي، وَجَعَلَ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِليْنَا، اغْفر لِي وَلِإخْوَانِي وَلِزُوَارِ قَبرِ أبِي الحُسَيْنِ صَلَوَاتِ اللهِ عَلَيْه، الذِينَ أَنْفَقُوا أَمْوَالَهُم، وَأَشْخَصُوا أَبْدَانَهُم رَغْبَة فِي بِرنَا وَرَجَاءً لِما عِنْدَكَ فِي صِلَتِنَا، وَسُرُوُرَاً أَدْخَلُوُهُ عَلى نَبِيَكَ صَلَوَاتِكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَإجَابَةً مِنْهُم لأَمْرِنَا، وَغَيْظاً أدْخَلُوُهُ عَلى عَدُونَا، أرَادُوا بِذَلِكَ رِضَاكَ، فَكَافِهِم عَنَا بِالرِضْوَانِ، وَاكْلاهُم بِاللَّيْلِ وَالنَهَارِ، وَاخْلِف عَلى أهَالِيهِم وَأوْلادِهِم الذّينَ خَلَّفُوا بِأحْسَنِ الخَلَف، وَاصْبَحَهَم وَأكْفِهِم شَرَ كُلِ جَبَارٍ عَنِيد، وَكُلَ ضَعِيفٍ مِنْ خَلْقِكَ أو شَدِيد، وَشَرِ شَيَاطِينِ الجِنِ وَالانْسِ، وَأعْطِهِم أَفْضِل مَا أَمَّلُوا مِنْكَ فِي غُربَتِهِم عَن أوطَانِهِم، وَمَا آثَرُوُنَا بَهِ عَلى أبْنَائِهِم وَأهَالِيِهِم وَقَرَابَاتِهِم، اللُّهُم إنَّ أعْدَاءَنَا عَابُوا عَلَيْهِم خُرُوجِهِم، فَلَم يَنهَهُم ذَلِكَ عَن الشُّخُوصِ إلينَا، وَخِلافَاً مِنْهُم عَلى مَن خَالَفَنَا، فَارحَم تِلكَ الوُجُوه التِّي قَد غَيَّرَتهَا الشَّمس، وَارحَم تِلكَ الخُدُود التِّي تَقَلبَت عَلى حُفرَة أبِي عَبدِالله، وَارحَم تِلكَ الاعْيُنِ التي جَرَتِ دُمُوعُها رَحمَةً لَنَا، وَارحَم تِلكَ القُلوبِ التِي جَزَعَت وَاحتَرَقَت لَنا، وَارحَم الصَّرخَةِ التِي كَانَت لَنَا، اللهُم إنِي أستَوُدِعُكَ تِلكَ الانفُس، وَتِلكَ الابدَان حَتَى تُوَافِيهِم عَلى الحَوضِ يَوم العَطَشِ»

 فما زال وهو ساجد يدعو بهذا الدعاء، فلما انصرف قلت: جعلت فداك، لو أن هذا الذي سمعت منك كان لمن لا يعرف الله، لظننت أن النار لا تطعم منه شيئاً، والله لقد تمنيت أني كنت زرته ولم أحج، فقال لي: ما أقربك منه، فما الذي يمنعك من زيارته؟ ثم قال: يا معاوية لم تدع ذلك؟ قلت:

لم أدر أن الامر يبلغ هذا كله، قال:

يا معاوية! من يدعو لزواره في السماء أكثر ممن يدعو لهم في الارض، يا معاوية لا تدعه، فمن تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده، أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله وعلي وفاطمة والأئمة؟ أما تحب أن تكون غداً ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى ويغفر له ذنوب سبعين سنة؟ أما تحب أن تكون غداً ممن تصافحه الملائكة؟ أما تحب أن تكون غدا فيمن يخرج وليس له ذنب فيتبع به؟ أما تحب أن تكون غدا ممن يصافح رسول الله؟

 

* رسالة الزيارة

إنّ الله تعالى جعل للحسين، عليه السلام، مكانةً وشأناً شرّفه بهما على سائر الخلق بعد جدّه وأبيه وأمّه وأخيه، صلوات الله عليهم أجمعين، إذ جعل قبره مناراً يُزار ويُقصد من قبل الملايين من محبّيه وشيعته، لذا نجد في روايات أهل البيت،عليهم السلام، الكثير من الحثّ على زيارته، لتلك الخصوصية التي جعلها الله تعالى لسبط نبيه، صلى الله عليه وآله، لما قدّمه من تضحيات لأجل إعلاء كلمة الله تعالى.

في الاحاديث المروية عن المعصومين، عليهم السلام، نجد اهتماماً بالغاً بأمر الزيارة، وتحديد أجر وثواب جزيل لمن يقوم بهذه الشعيرة الحسينية، بعد أن وضعوا لنا صيغاً ومفردات خاصة، وردت في كتب الزيارات المعتبرة، تهدف الى تعميق الوعي والثقافة الدينية.

لذا وردت في الرواية: «عن أبي جعفر (الباقر، عليه السلام) قال: مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين، عليه السلام، فإن إتيانهُ يزيد في الرزق، ويمد في العمر، ويدفع مدافع السوء، وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقر له بالإمامة من الله».

 

* فلسفة الحثّ على الزيارة

وأكثر من ذلك أن هناك نصوصاً يمكن وصفها بـ"المنجم" لاحتوائها على طبقات هائلة من الروايات التي فيها كم هائل من الرؤى والإضاءات الباعثة على شد الآخرين وتفجير الطاقات الكامنة النابعة من الانتماء لأهل البيت، عليهم السلام، وهذه الوفرة من الاحاديث الداعية إلى زيارة مراقد أهل البيت، عليهم السلام، وممارسة جملة من النشاطات العبادية التي تعمل على فتح قنوات مباشرة مع الجمهور المنتمي إليها، من أهدافها تزويد محبيهم بعناصر بناء الوعي وتحقيق اليقظة والمقاومة والصمود ومحاربة الانحراف. جاء في الرواية «عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبدالله قال: موضع قبر أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، منذ يوم دفن فيه روضة من رياض الجنة». وعن نفس المصدر ايضاً قال: «موضع قبر الحسين، عليه السلام، ترعة من ترع الجنة».

 

* الحثّ على كسب «الثواب»

مسألة التأكيد على «الثواب»، التي تسعى السلطات الباغية إلى إلغاء مفهومها، من خلال التلاعب بالمفاهيم الأساسية للدين الحنيف مثل، التوحيد والشرك والنبوة والإمامة والمعاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والولاء والبراءة والوحدة والإخاء، فيما تعمل هذه الروايات المباركة على بث روح الأمل في نفوس المؤمنين بتحقيق الوعد الإلهي في نصر قضية أئمتهم، والطلب في إدراك ذلك اليوم الذي يأخذون بثأرهم من أعداء الدين، وهذا ما نلاحظه في زيارة عاشوراء؛

«فَأسألُ اللهَ الذَّي أكرَمَ مَقَامَكَ وَأكرَمَنِي بِكَ أنْ يَرزُقَنِي طَلَبَ ثَأرِكَ مَعَ إمَامٍ مَنْصُورٍ مِنْ أهْلِ بَيتِ مُحَمَدٍ، صلى الله عليه وآله وسلم...».

«عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة قال: قال أبو عبد الله، عليه السلام: يا حسين من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي، عليه السلام، إن كان ماشياً كتب له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة، حتى إذا صار في الحائر، كتبه الله من المفلحين المنجحين، وإذا قضى مناسكه، كتبه الله من الفائزين، وإذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال: إن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يقرئك السلام ويقول لك: استأنف العمل فقد غفر لك ما مضى».


ارسل لصديق