الكلمة المسؤولة ... رسالية
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2014/12/08
القراءات: 605

 في آخر يوم من شهر محرم- أو في اليوم الاول من شهر صفر - من عام (61 ) للهجرة، وصل اسارى آل محمد، صلى الله عليه و آله، إلى دمشق الشام تحت حِراب جنود بني أمية في مسيرةٍ ظالمة حملتهم قسراً من كربلاء إلى الكوفة عبر الكثير من المدن و الأمصار، و أدخلوهم الى مجلس يزيد بن معاوية؛ و معهم الرأس المقدس للامام الحسين، عليه السلام،  و رؤوس الرجال من أهل بيته و أصحابه، عليهم السلام.

و أمام الحشد الكبير الذي كان حاضراً في ذلك المجلس المشؤوم - والذي ضم أكثر من (800) ممن كانوا يعدّون أنفسهم من رجالات الدولة، و الولاة، و القضاة، و العلماء، و الخطباء، و أئمة الجمعة  و الجماعات- خاطب الامام زين العابدين، عليه السلام، يزيد بالعبارة التالية:

"يا يزيد، ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد؛ فأتكلم بكلمات؛ لله فيهن رضى، و لهؤلاء الجلساء أجر و ثواب".

 

في هذه العبارة المباركة، نلاحظ مايلي: 

أولاً: قال الإمام، عليه السلام : "يا يزيد ... " و لم يقل : يا أمير المؤمنين؛ فخلع - بذلك - عنه هذا اللقب الذي اغتصبه من أهله و مستحقيه.

ثانياً: قال الإمام، عليه السلام: " ائذن لي... " و لم يقل : أتأذن لي؛ فوضع- بذلك - نفسه في موضع الآمر، و وضع يزيد في موضع المأمور.

ثالثاً: قال الإمام، عليه السلام : "... حتى أصعد هذه الأعواد... "و لم يقل : هذا المنبر؛ ليدلل- بذلك- على أن المنبر الذي يبث منه الخليفة  أو الخطيب كلاماً مخالفاً لنهج الله و سنة نبيه، صلى الله عليه و آله، وسيرة الأئمة الأطهار، عليهم السلام، ليس سوى مجموعة من الاعواد.

رابعاً : قال الإمام، عليه السلام : "... فأتكلم بكلمات لله فيهن رضى... "، و هذا هو منطوق كلام الإمام، عليه السلام، أما مفهومه فهو أن الكلام الذي كان يصدر من تلك المنابر لم يكن لله فيه رضى.

خامساً: قال الإمام، عليه السلام : "... و لهؤلاء الجلساء أجر و ثواب... "، و مفهومه: أن الكلام الذي كان يصدر من تلك المنابر، لم يكن فيه أجر و ثواب للمستمعين إليه.

هكذا يجب أن نفهم مسؤولية الكلمة من خلال هذه العبارات المباركة؛ فالإذاعة، و التلفاز، و القناة الفضائية التي لا تبث الكلمة التي لله فيها رضى و لجمهور المستمعين و المشاهدين أجر و ثواب، ليست سوى أجهزة و معدات... ؛ و كذا الصحيفة، و المجلة، و الكتاب... و ما أشبه.

إن الكلمة المسموعة و المرئية و المكتوبة لا تكون مسؤولة إلا بعد ان تكون ذات هدف رسالي؛ يتمثل في رضى الله تعالى أولاً، و في نفع و فائدة الناس في الدنيا، و في تحقيق الأجر و الثواب لهم في الآخرة.

هكذا يعلمنا الإمام زين العابدين، عليه السلام، كيف نرتقي بالكلمة إلى هذا الهدف الراقي و إلى هذا المستوى من الكمال.

فهل نحن فاعلون ؟!


ارسل لصديق