السيد مهدي المُدرّسي في حوار مع[الهدى]:
أكدنا أمام قادة الأديان محورية حرية الإنسان في الإسلام
كتبه: محمد علي جواد - قاسم مظلوم الكرعاوي
حرر في: 2015/01/28
القراءات: 4228

• حجة الاسلام والمسلمين سماحة السيد مهدي المُدرسي، هو الإبن البكر لآية الله السيد هادي المُدرسي.

• خطيب حسيني.

• درس العلوم الدينية في حوزة الامام القائم - عجل الله فرجه- في سوريا، بإدارة آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر - فكّ الله أسره- وبإشراف سماحة آية الله العظمى المرجع المدرسي - دام ظله-.

• تلقى العلوم الأكاديمية، فدرس السياسة الدولية في جامعة «ماكوايري»، كما درس الفلسفة في جامعة «نيو ساوث» البريطانية.

• له مؤلفات عديدة منها: «عن آيات الله وعظمته» و»أخلاقيات رسول الله» و»تأملات في حديث الثقلين» - مخطوط، تحت الطبع- و «العهد المفقود - ما لا يعرفه المسيحيون عن المسيح» - باللغة الإنجليزية، مخطوط، تحت الطبع - و «مقتل الحسين» - باللغة الإنجليزية، مخطوط، تحت الطبع -.

• أسهم في تشييد مؤسسات ثقافية عدّة منها: «منتدى الحوار الإسلامي الحرّ» عام 2000، و وكالة كربلاء نيوز الإخبارية عام 2003، وقناة أهل البيت الفضائية بالعربية - كربلاء المقدسة، عام 2006، وبعدها قناة أهل البيت بالإنجليزي - إنجلترا، عام 2009.

• يعمل حالياً على إنشاء «متحف الحسين الشهيد» للتراث الإسلامي في لندن، وايضاً؛ «مسجد وحسينية الإمام علي، عليه السلام» في استراليا.

• علماً أن سماحته رافق سماحة المرجع المدرسي في رحلته الى الفاتيكان، وكان بين المدعويين في قاعة مؤتمر قمة الأديان لمكافحة العبودية المعاصرة.

• لأول مرة في التاريخ يلتقي بابا الفاتيكان، بمرجع دين شيعي، وربما كان آخر لقاء من هذا النوع، في عهد الإمام الرضا، عليه السلام، عندما التقى قادة الأديان آنذاك. كيف تقيمون هذه الخطوة؟

• هذا المؤتمر مثّل ثلاثة إنجازات كبيرة:

الإنجاز الاول: تمثل في الحضور الشيعي في مؤتمر شارك فيه زعماء تسعة اديان ومذاهب وملل ونحل، مع العلم أن الشيعة قد تعرضوا الى إقصاء وتهميش كبيرين خلال الفترات الماضية.

وقد قرأنا إلى حد الآن نوعاً من التردد لدى الفاتيكان من التقارب المسيحي «الكاثوليكي» - الشيعي، لسببين؛ الأول: يعود الى ان الفاتيكان لا يريد ان يؤثر هذا التقارب على علاقات الكنيسة مع الطائفة السنية، فالحساسية هذه انعكست في تعاطي الفاتيكان والكنيسة مع الطائفة الشيعية.

والسبب الثاني: أن الشيعة بصفة عامة كانوا يُعدّون الى فترة قريبة، طائفة صغيرة «لا بأس بإهمالها وتجاهلها»، بينما في السنوات الاخيرة، لاسيما منذ سقوط نظام حزب البعث بالعراق، وحسب تعبير السيد الوالد: «خرج الغول من القمقمة!»، واصبح للشيعة والتشيع حضور قوي في الساحة الاقليمية السياسية، والدينية، على أنه كيان مؤثر، لذا بات تجاهل الشيعة امراً غير مقبول.

الإنجاز الثاني: الحضور الشيعي على مستوى قمة، وعلى أعلى المستويات، فقد مثّل الشيعة، شخصية عملاقة في الفكر الاسلامي ومرجع تقليد بارز ومناهض، وله تأثيره وجذوره وله امتداداته على مستوى العالم الإسلامي والشيعي، كما له مؤسسات نقّطت خارطة الكرة الأرضية من اوكلند (نيوزلندا) إلى بروكلين (نيويورك)، ناهيك عن مؤلفاته التي أثرى بها المكتبة الإسلامية بما لا يقبل الترديد.

الإنجاز الثالث: تمثيل الشيعة ليس بمرجع واحد، إنما بمرجعيتين دينيتين؛ الاولى من كربلاء المقدسة، والاخرى من النجف الأشرف، ممثلة بسماحة آية الله العظمى الشيخ بشير النجفي، الذي أرسل وفدا ينوب عنه كما ألقى كلمة تم بثها في المؤتمر.

 

* مبادرة الكنيسة وتحديات أمام الحرية

• من الواضح أن قضية الرق والعبودية لم تعد مطروقة كما كانت في السابق، فما الذي يهدف اليه قادة الأديان من توقيع اتفاقية لمناهضته الآن؟ وما هي صور العبودية الحديثة التي تحدث عنها قادة الأديان؟

• المنظمة الراعية للمؤتمر، وهي «مؤسسة الحرية العالمية» والتي يترأسها بعض قادة الأديان، منهم بابا الفاتيكان رئيس الكنيسة الكاثوليكية، إضافة إلى رئيس الكنيسة الإنجليكانية «البريطانية»، ارتأت الاهتمام بملف العبودية والرق بالمفهوم الحديث، على أنه ملف خطير، وهو ما أشار اليه سماحة السيد المرجع المدرسي خلال إحدى لقاءاته بالفاتيكان، وقال: ان الرق كان مرضاً اجتماعياً تعاني منه البشرية لفترات طويلة، ثم جاءت حركات تصحيحية؛ وعلى رأسها الاسلام، سعت الى معالجة هذه المشكلة وتوجيهها بشكل صحيح، حتى يؤول امرها الى الزوال، وهو ما حصل بالفعل.

فمن خلال تعاليم الاسلام وآيات القرآن الكريم و روايات أهل البيت، عليهم السلام، ومن خلال سيرتهم وأخلاقهم وتعاملهم مع العبيد والإماء، تم حلّ هذه المشكلة الاجتماعية والقضاء على الرق، لكن هذه الظاهرة، وكما عبّر عنها سماحة السيد المرجع، بأنها مثل مرض السرطان الذي يجتاح جسم الانسان، وربما يتلقّى العلاج ويتم استئصال الغدة، بيد أن احتمال عودة المرض قائمة، لوجود خلايا وجذور المرض في الجسم، وهنا مكمن الخطر، وهذا ما أشار اليه سماحته حين قال: «ان التخوف الحقيقي الذي يواجهنا اليوم، وعليه ينبغي أن يؤرق مضاجع زعماء الاديان؛ أن هذا المرض، هذا السرطان، يعود من جديد، وبشكل يفوق الحالة التي كانت موجودة في الازمنة السابقة، ويجتاح العالم كله.

واليوم يعيش حوالي خمسة وثلاثين مليون انسان بصفة «عبد»، فهم يجبرون على ممارسة العبودية والدخول في «الرق»، لاسيما الاطفال والاحداث، وهنالك حالات إجبار على ممارسة الرذيلة، وانتشار تجارة «الرقيق الأبيض»، حيث يتم المتاجرة بهم جنسياً، و يُبتعثون الى دول متعددة وبعضها مسلمة للأسف الشديد.

من هذا المنطلق، ارتأت هذه المنظمة ان تعالج المشكلة، فاختارت أفضل وأقرب الطرق؛ فبما أن التعامل مع الانظمة السياسية، ومحاولة حل المشكلة من خلال القانون لا يجتث المشكلة بشكل كامل، فان الطريقة المثلى هي تغيير المفاهيم في أذهان الناس، بمعنى محاولة إثارة العقول واستقباح الرق في ضمائر الناس، وبيان استهجان الأديان ورفضها له، لذا فان الحل الجذري يكمن بتدخل زعماء الاديان والمذاهب، وهذا ما حصل بالفعل بالمؤتمر.

 

• لأول مرة في التاريخ يجتمع قادة الأديان لتوقيع اتفاقية واحدة، فهل نحن نشهد تحولاً تاريخياً في تصدي القادة لقضايا أخرى تخصّ البشرية جمعاء؟ وهل من الممكن أن نشهد قمماً أخرى لتوقيع هكذا اتفاقيات، وربما بحث قضايا أخرى؟

• بلا شك، أعتقد أن هذا المؤتمر يمثل الباكورة لسلسلة لقاءات على أعلى المستويات، ومن ثم لقاءات بين المسؤولين في المؤسسة الدينية، ممن يتصدّون لمثل هذه الملفات.

تعلمون ان المؤتمر أقيم لأجل مناهضة الرق بمفهومها الحديث اليوم، لكن اعتقد ان القائمين على المؤتمر، وفقوا لإنجاز ما هو أعظم و اكبر من مجرد معالجة ملف الرق والعبودية، وهو جمع زعماء الاديان في العالم في مكان واحد، وهو ما لم يسبق له مثيل»على الاقل في تأريخنا المعاصر» فإلى جانب بابا الفاتيكان، الذي يمثل حوالي ملياري انسان يتخذونه زعيما ومرشدا دينيا، فقد حضر ممثل عن السنّة وعن الديانة البوذية، وايضاً عن الهندوس، والكنيسة الارثوذكسية، وعن الكنيسة الإنجيلكانية إضافة إلى اليهود.

و بعد «كسر الجليد» بين قادة الأديان والمذاهب، نتطلع - ان شاء الله- للمزيد من هذه اللقاءات لمعالجة قضايا تهمّ البشرية بشكل عام، وهو ما أشار اليه سماحة المرجع المدرسي، بتطرقه الى موضوع البيئة و اسلحة الدمار الشامل، وملفات عدّة تهمّ البشرية هي أوسع من مجرد المسلمين او الشيعة او السنة.

 

• من المعروف في الوقت الحاضر، تداخل القضايا والأزمات في العالم مع بعضها، وظاهرة العبودية والرق المقنع - إن صحّ التعبير- ترتبط بمصالح اقتصادية وحتى سياسية لبعض البلدان، منها بلدان اسلامية، كيف ترى امكانية نجاح مشروع مكافحة العبودية الحديثة في الظروف الراهنة؟

• نعم؛ انها مشكلة حقيقية ومتجذرة في بعض الشعوب وتمتد بشكل سرطاني على مساحات واسعة في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، وبلدان غربية تعد من الدول المتحضرة مثل السويد، وبعض البلدان التي تعد نفسها «أرقى دول العالم» و «قمة الحضارة البشرية» ولها تراثها العريق في أوربا، فانها تشهد ظاهرة العبيد والرق، وقد بلغ عدد العبيد في اميركا 60 ألف انسان.

أما الرقم الإجمالي للعبيد في العالم، فقد بلغ (35) مليون انساناً، اغلبهم في الهند وباكستان وبعض دول الخليج.

وهذا دليل على أن مجرد سنّ القوانين واتخاذ اجراءات رادعة، لا يكفي لمكافحة هذه الظاهرة، بيد أن المبادرة جاءت هذه المرة، دينية، وليست سياسية، يقودها زعماء الاديان، وقد مثّل زعماء الاديان الذين حضروا المؤتمر، اكثر من خمسة مليارات من البشر، وهذا ما يدعو للتفاؤل، ويدعو الى ان نتطلع الى مكافحة و دحر هذه الظاهرة بالقريب العاجل. فقد حددت الوثيقة الموقع عليها سقفا زمنيا لإنهاء العبودية مع حلول العام 2020 وتحقيق هذا الطموح يأتي من خلال تضافر الجهود وانفتاح المرجعيات الدينية على الأديان المتعددة ومن ثم المشاركة الفاعلة لتحقيق المبتغى.

 

• ما هي حصيلة المؤتمر؟ وما هي تأثيراتها على البلاد الاسلامية؟

• أهم انجاز بالمؤتمر - كما اسلفنا- هو حضور المرجعية الشيعية والمرجعية السنية «مُمَثلة بالأزهر الشريف» في هذا المؤتمر، واعتقد أن جلوس المرجعية الدينية الشيعية على طاولةً واحدة مع شيخ الأزهر له وقع كبير اذا ما تمَ استثماره واذا ما تمَ تسليط الأضواء عليه، وخصوصاً في أجواء الحرب الطائفية التي تحيط بنا على المستويات كافة.

لذا نحن في هذه الظروف بأمسّ الحاجة الى محاولة تقريب وجهات النظر، و محاولة التواصل والترابط بين الطوائف الاسلامية، فهذا الملف المبحوث حالياً، نختاره لخطورته، ولأنه يعنينا نحن المسلمين، نعيش في هذه المنطقة، التي يسودها جوٌّ مختنقٌ بسبب الحرب الطائفية.

واعتقد اذا تم استثمار هذا الحدث، و متابعة اللقاءات بلقاءات اخرى على مستوى الوكلاء مثلاً- او المستشارين للمرجعيات الدينية، سيُسهم بشكل كبير جداً في التقليل من الاحتقان والتخندق الطائفي الموجود اليوم.

 

* كلمة التشيع، كلمة الإسلام

• كيف برأيكم انعكست زيارة المرجعية الدينية الى الفاتيكان، داخل الفاتيكان وخارجه، وتحديداً في العالم الغربي؟

• من الناحية السياسية، تُعد هذه المبادرة - كما قلنا- الاولى من نوعها، ولا مثيل لها، وبطبيعة الحال حينما يتم «كسر الجليد»، تكون هناك لقاءات اخرى.

أما الاعلام الغربي من جانبه، تعاطى مع المؤتمر بشكل ايجابي جداً، وهذا امر غريب بحد ذاته، فهو يتغاضى عن الكثير من الاحداث الايجابية التي تحدث في منطقتنا او في العالم الاسلامي، مثل زيارة الاربعين في العراق، وهو مثال بارز، حيث يتوافد الملايين على مدينة صغيرة، ورغم سوء الأحوال الامنية، وهو الحدث الذي يأتي أثناء هرير حرب طائفية قائمة ضد الشيعة مع ذلك نلاحظ تجاهل الاعلام الغربي، حتى بمقدار تقرير في القنوات الاخبارية، لكن ما يتعلق بهذا المؤتمر كان أمراً آخر، ولعل السبب؛ أن الفاتيكان هو الراعي الرسمي للمؤتمر، وكان هنالك اهتمام بالغ بكلمة سماحة السيد المرجع، وكذلك بكلمة المرجع الشيخ بشير النجفي، وكمثال على التفاعل الشديد مع كلمة السيد المرجع أنه حينما أتمّ إلقاء كلمته، قام جمهور من الحاضرين وهم يصفقون بحرارة، وهو ما لم يحصل حتى للبابا نفسه.

 

• من المعلوم أن الشيعة لهم مواقف حضارية مشرفة قبل غيرهم بالدفاع عن الطوائف الدينية الاخرى في كل من سوريا والعراق في مقابل «المدّ الداعشي»، فكيف كانت ردود افعال قادة الاديان تجاه هذا الامر؟

• اعتقد ان إصرار الطرف الراعي على دعوة المرجعية الدينية الشيعية لحضور المؤتمر، يعود بالدرجة الاولى الى موقف المرجعية الدينية والحوزة العلمية في التصدي للإرهاب، والدفاع عن حياة المسيحيين في العراق و سوريا، وبلا شك، فالكنيسة الكاثوليكية اضافة الى كونها مؤسسة دينية، فان رئيسها «البابا»، يقود دولة، ويتسنّم منصب ملك البلاد، اضافة الى زعامة الديانة، لذا فان لهذه الكنيسة مراكز دراسات تبحث في الشأن المسيحي في كل مكان بالعالم، فحينما وجدوا موقفاً للمرجعية الدينية الشيعية، ممثلاً بالسيد المرجع المدرسي في بيانه الذي أصدره في الدعوة الى الجهاد ضد «داعش» في العراق، وضمنه حماية الاماكن الدينية ومراكز العبادة، ليس فقط للمسلمين وحسب، وانما حتى للمسيحيين، ثم تلتها المرجعية الدينية في النجف الاشرف بالإصرار على موقف الشيعة المثالي والقائم بالعدل تجاه الجميع دون تمييز.

لذا من الواضح أن هناك ترابطاً بين دعوة المرجعية الى المؤتمر، وبين الموقف الذي صدر، فالمودة والألفة التي لمسناهما بشكل واضح وجلي في الفاتيكان، وخلال اللقاءات التي جرت على هامش المؤتمر واضحة الدلالات، وقد جرى الحديث هناك عن موضوع المسيحيين في العراق، و ما يقدمه الشيعة وعلماؤهم من مساعدات وحماية لهم في البصرة وفي كربلاء والنجف، و كيف أن المراكز الدينية، من حسينيات وغيرها أصبحت مأوى للّاجئين المسيحيين في العراق بل وحتى الإيزيديين ايضاً.

 

• اذا سلمنا بالأسبقية الفكرية في هذا الجانب لدى التشيع على سائر المذاهب والاديان في مكافحة العبودية، ما هي الخطوة الاولى، والآلية لتقديم مفهوم الحرية بشكل متكامل لسائر الاديان في العالم؟

• اعتقد أن كلمة سماحة السيد المرجع في المؤتمر، فيها اشارات كثيرة وبليغة في محورية الحرية للإنسان في الاسلام، وتحديداً في مذهب أهل البيت، عليهم السلام، فقد تطرق سماحته الى نقاط كثيرة، وانا ادعو القارئ الكريم الى مراجعة الكلمة، و ارجو ان تنشر في هذا العدد من مجلتكم الموقرة بل وأن تتم مدارسة هذه الكلمة كوثيقة مهمة سيشهد التاريخ على أهميتها في هذه المرحلة من الزمن. فقد حَظيت الكلمة باهتمام واسع من قبل الاعلام الغربي ومن قبل زعماء الاديان، فنحن أولى بالاهتمام لما جاء فيها من مضامين سامية مستوحاة من الوحي وكلمات أهل البيت. ومن النقاط المهمة التي أضاءها سماحة السيد المرجع، والتي لا بأس بالإشارة اليها في سياق الإجابة على هذا السؤال، إشارته، خلال جلسة مع بعض المنظمين للمؤتمر، الى حديث لأمير المؤمنين، عليه السلام، حيث يقول: «لا تكن عبداً لغيرك وقد خلقك الله حُرا»، فسماحته أشار الى نقطة مهمة جداً وقال: «ان الامام علي، عليه السلام، يحاول استنهاض العبيد، ويدعو العبد و الأمة، والذين تعرضوا لهذا الظلم بمفهومه المعاصر، يدعوهم لتحمل مسؤوليتهم في المطالبة بالحرية، ويقول: اننا نتحدث - مثلاً- عن الانظمة السياسية ومسؤوليتها تجاه هذه الطبقة المظلومة، ثم نتحدث عن زعماء الاديان، ونقول ان لهم الدور الاكبر في تغيير القيم والمفاهيم التي تعد أرضيةً لسلوك الانسان، لكن الامام عليّاً عليه السلام يعالج المشكلة من الجذور، ويقول: لا تنتظر، لا الانظمة السياسية، ولا زعماء الأديان، أن يهبّوا لإنقاذك من العبودية، إنما عليك أنت ان تأخذ المبادرة بيدك وان تقوم وتنهض وتطالب بحريتك.

طبعاً؛ ديننا الحنيف، له الأسبقية في مكافحة العبودية وإلغائها، وقد أشار سماحة السيد المرجع في كلمته الى تعامل اهل البيت، عليهم السلام، والأئمة الاطهار، مع هذه الظاهرة، وكيف أن الامام الحسين، عليه السلام، ساوى بين «سالم»، ذلك العبد التركي، الذي حضر واقعة الطف، وبين أعز الخلق إليه وهو إبنه علي الاكبر، سلام الله عليه، بأن وضع خده مرةً على خدّ سالم، ومرة على خد ولده الأكبر، والإمام الحسين ما فعل هذا مع أحد، سوى مع سالم، العبد التركي، ومع علي الاكبر سلام الله عليه، وهذا يمثل أروع وأجلى وأسمى صورة يقدمها لنا أئمتنا، عليهم السلام، في التعامل مع العبيد.

 

• اذا انطلقت هذه المبادرة الانسانية من ملياردير استرالي، هل ترون في المستقبل من مبادرة اخرى لبحث قضايا انسانية عامة في العالم من قبل علماء الدين الشيعة او الحوزة العلمية؟

• أولاً؛ ملاحظة أسجلها في هذا الاطار؛ صحيح أن المؤتمر تمت رعايته ودعمه مالياً من قبل الملياردير الاسترالي «اندرو فورست”، وفي الواقع حينما التقيت بهذا الرجل، وجدت فيه فطرة الله التي فطر الناس عليها، التي أودع فيها الميل الى الخير والى المحبّة والى مساعدة الانسان المظلوم والمضطهد. والملاحظة التي اريد ان اسجلها هنا؛ أن هذا الرجل ليس مسلماً بل هو مسيحي ملتزم، مع ذلك حينما شخّص المشكلة و وجد المرض، بادر الى معالجته مباشرة من خلال امكاناته الشخصية، فهو يدير مؤسسة بإسم، «انطلق حراً»، وهي من المنظمات القليلة في العالم تُعنى بأمور كهذه، ولعلها تكون الوحيدة، التي لا تطلب المساعدات من أحد، بل تقوم على الدعم المالي من هذا الرجل، فقد كرّس جلّ وقته الآن، بل ونصف ثروتهِ، وهي حوالي اربعة مليارات دولار، لمكافحة الرق والعبودية. بمعنى أنه قرر أن يناصف ثروته وماله من اجل تحقيق هدف نبيل، ونحن نتحدث عن أئمتنا، عليهم السلام، ولا يقاس بآل محمد أحدٌ، وقد ذكر في أحوال الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، أنه ناصف الله ثلاث مرات وخرج من ماله مرتين، أي اعطى كل ماله وخرج من ممتلكاته كلها ثلاث مرات في حياته، كيف لا وهو كريم اهل البيت، عليهم السلام.

من هنا نقول: على الاثرياء من الشيعة، وأصحاب رؤوس الاموال، أن يبادروا، قبل الآخرين من أتباع الديانات الآخرى الى هكذا مشاريع انسانية عظيمة، فنحن لنا نماذج مضيئة من أهل البيت، عليهم السلام، فيجب ان لا ننتظر من يأتي من وراء البحار ويبادر ويناصف الله أمواله وثروته، ونحن عندنا من اصحاب رؤوس الاموال، ما شاء الله، وبارك الله فيهم جميعاً اذا كانوا في الواقع يستخدمون ثرواتهم في سبيل الخير.

في كل الاحوال، كان المؤتمر - كما اسلفنا- كسراً للجليد، وقد طلب هو نفسه من سماحة السيد المرجع ما اذا كان سماحته مستعداً للتعاون معه في ملفات اخرى، فأجابه السيد بالايجاب، وقد ابدى اعجاباً شديداً بشخصية السيد المرجع، وفي استقبال سماحته في روما عندما كنّا متوجهين نحو الفندق، وكان الجو ماطراً، فخرج وهو يحمل مظلّة بيده أضللّ بها سماحته ومشى معه الى داخل الفندق، وفي اليوم التالي، وقبل أن يسافر جاء بنفسه الى زيارة سماحة السيد وجلس معه وتحدث اليه ثم قبّل يده... فهذا رجل مسيحي لكن فيه طراوة لعلها أقرب الى الاسلام من كثير من المسلمين.

 

* مسؤولية نشر رسالة الاسلام

• من الملاحظ عدم دعوة أي من المؤسسات الدينية السعودية، فما دلالة ذلك؟

• بلا شك... القائمون على المؤتمر قرروا منذُ البداية أن لا تقدم دعوة الى المؤسسة الدينية السلفية، والسبب هو انهم يرون بأن السعودية والمؤسسة الدينية الوهابية الممولة من قبل النظام السعودي، يمثلون جزءاً كبيراً من المشكلة، وليس من الحل، والنظام السعودي اليوم والفكر الوهابي الممول من النظام السعودي، هو الذي أوجد داعش، وهو الذي خلق هذه التوترات في المنطقة كلها، لذا مثل هذا النظام لا يمكن التفاهم معه، ولا يمكن التعويل عليه، ولا يمكن ان تصافحهُ ويصافحك، وان توقع على وثيقة مشتركة لمحاربة ظاهرة الرق والعبودية، وهو يشعل نيران الحرب في المنطقة كلها، لذا أحسن المنظمون التشخيص، ونحن ثمنّا هذا الموقف وشكرناهم عليه وكنا مسهمين في هذا القرار الصائب، فقد كان من شروطنا، أن نحضر بشرط ان لا يكون هناك من يُذكي نار الفتنة في الغرب والشرق.

 

• باعتقادكم؛ ما هي الخطوات المطلوبة من الحوزة العلمية والمؤسسات الثقافية لنشر ثقافة الحرية والكرامة الانسانية في الغرب والعالم بشكل عام؟

• نحنُ اتباع رسول الله، ونحنُ اتباع علي امير المؤمنين، ونحنُ اتباع فاطمة الزهراء، والحسن الزكي والحسين الشهيد، عليهم صلوات الله اجمعين، ولذلك نتحمل مسؤولية في ايصال رسالة الاسلام الأصيل الى العالم أجمع، وأن لا نحدد انفسنا في الحوزات العلمية وفي مراكز البحوث والدراسات الموجودة في الحوزات، فإنني ادعو الحوزات العلمية، أولاً بصفتي تلميذاً صغيراً لهؤلاء الفطاحل والفقهاء بارك الله فيهم جميعاً، و أطال الله في اعمارهم ووفقهم لكل خير وثانياً هذا العبد الفقير إلى رحمة ربه قد عايشت المجتمعات الغربية لسنين طويلة، واقول: اننا اليوم نجد العالم الغربي يعاني من عدة تحديات باتت تفصل بين طبقات المجتمع الواحد، وباتت تحدث خرقاً كبيراً، مثلاً الآن في العالم الغربي، ثمة حديث واسع جداً على كافة المستويات، من الجامعات الى الكتب والاعلام المقروء والمسموع، حول البون الشاسع بين الطبقة العليا في المجتمع، وهي الطبقة الثرية، والطبقة الفقيرة، فالطبقة المتوسطة اصبحت اليوم تتقلص وتحشر مع الطبقة الفقيرة والمحرومة، أما نحن فلدينا كلمتنا و رسالتنا، و عندنا تعاليم اهل البيت، عليهم السلام، وينبغي لنا اليوم ان نرفع هذه التعاليم شعاراً، وان نطوف بها حول الكرة الارضية، لذا أدعو زملائي رجال الدين، وخطباء المنبر، كما ادعو أيضاً اساتذة الحوزة العلمية، و ساداتنا ومشايخنا، المراجع الكرام - حفظهم الله- ان يهتموا بهذه المسألة بشكل اكثر، وان يحاولوا ان يبلوروا رسالةً يمكننا ان ننقلها الى الغرب، فالمشكلة باعتقادي؛ ليست في إرادة نقل الرسالة الى العالم الغربي، إنما في بلورة رسالة واضحةً، تحدث العقلية الغربية وعلى قدر عقلها، وان توصل الرسالة لهم بشكل يمكن ان يهضموها ويمكن لهم ان يفهموها وذلك بالدخول في ملفات تعالج المشاكل الكبرى للبشرية مثل شح المياه، الإرهاب، البيئة والاحتباس الحراري، الرّق، الفقر والمجاعة، الطفولة المحرومة، اليتم وآثار الحروب، الخ. حتى نسهم في إيجاد الحلول، ومن أجدر بذلك بأولئك الذين أنعم الله عليهم بكلام المعصومين من آل محمد صلوات الله عليهم أجميعن؟

 ومن الله التوفيق للجميع.


ارسل لصديق