في مؤتمر الفاتيكان.. قادة الأديان والانتفاضة على هيمنة المادية العلمانية
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2015/01/29
القراءات: 753

... وبدأت خيوط المؤامرة تُحاك، على ضوء الصراع الذي دار في الغرب بين الدين الذي دعت اليه الكنيسة، و أولئك الذين تعشّقوا العلم وبهَرتهم نتائجه فتجاوزوا في تقديسه حدوده الواقعية، وصنعوا منه مقياساً للمعرفة بكل مجالاتها و أنكروا أي دور لأي شيء آخر حتى ولو كان ذلك الشيء العقل!

هذا الصراع كان يجد مبرراته في تلك الساحة على ضوء الظروف القائمة، حيث ظلم الكنيسة وتخرصاتها، ونفسية الانسان الاوربي المتعشّقة- منذُ القدم- للمادة والتي لم تقبل حتى بالمسيحية، فصبغتها بروحها الوثنية وخلقت توأماً بين الإله المجرد المطلق، والانسان المحدود المادي متمثلاً في «ابن الله»! المزعوم، بينما لا توجد أي مبررات له في الساحة الاسلامية، اذا ما نظرنا اليه من الزاوية الفكرية، وتجاهلنا قضية التطبيق المنحرف للإسلام، بل وحتى لو لاحظنا ذلك التطبيق المنحرف فسوف لن نجد - الا نادراً- ما يدعو للصراع بين الدين من جهة والعلم والحرية من جهة اخرى، هذا اضافة لما وفره العلماء المسلمون في فترات مختلفة من غطاء فكري عميق وتأصيل عقائدي للعلم والمعرفة، ولكل المفاهيم الانسانية.

فكانت النتيجة؛ ما نشاهده من حلقات فراغ مهولة ومفزعة، و امراض وكوارث اجتماعية كبرى، هي نتيجة طبيعية جداً لترك السبيل القويم الذي جاء به الوحي وبصائره، والسير في عبادة الذات والمادة والهوى ومن ثم الظلال والسقوط :{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}، (سورة الحج /31).

ونجحت المؤامرة، الاّ إنها أخطأت في حسابها؛ فظنت ان وجودها الجاثم على قلب الشعوب المستضعفة سيستمر، فقد خلقت بهذا التحدي موجة وعي عارمة ودفعت بعلماء الامة وقادة الاديان كي يقوموا بواجبهم الحضاري تجاهها؛ متمثلاً بالاصلاح وبلورة الحقائق وإزالة الغموض والاستفهامات عن الذهنية الانسانية، فكان مؤتمر قادة وزعماء المذاهب والاديان في الفاتيكان مؤخراً، تحت شعار «مكافحة العبودية المعاصرة»، فكانت تظاهرة يقودها زعماء الاديان لردع الهيمنة المادية والعلمانية، في أحد أبرز وأخطر معالمها، حيث بدأت تسوق البشر صوب العبودية المقنعة، متجاوزةً بشكل فاضح شعار الحرية، والذي يُعد أهم ركائز الفكر الغربي.

* «المادية» غير المتعارضة مع «المعنوية» 

ولتسليط الضوء على مفهوم المادية التي تقودها العلمانية الحديثة لا بد من القول؛ أن لفظ «المادية» لها استعمالات عديدة، لا يمكن ان تكون كلها موضوع بحثنا هذا، فمثلاً قد تطلق المادية و يُراد بها مذهب «أصالة المادة» بمعنى الاعتقاد بالواقع الموضوعي الخارجي لها، في قبال النظر اليها كأمر فرضي - ذهني - عرضي من قبل «المثالية»، التي تنكر ان يكون للمادة واقع خارجي، وتعتبرها من مخترعات الذهن. و وفق هذا المصطلح يعد «الإلهيون»- مسلمون كانوا او غير مسلمين- ماديين، إذ كلهم يؤمنون بأن للمادة واقعاً موضوعياً محدداً بزمان ومكان، وانها حقيقة متطورة ومتكاملة ومحسوسة، عينية غير ذهنية، وذات آثار معينة، وكون النظرة مادية بهذا المعنى، فلا ينافي في الاعتقاد بالله والتوحيد، بل يكون عالم الطبيعة بما انه «وحدة عمل ووحدة منسقة مصنوعة»، افضل سبيل لمعرفته - تعالى- اذ تتكشف ارادته الحكيمة من خلال ملاحظة التطورات المادية الدقيقة، وهذا القرآن الكريم بنفسه يعد الحوادث المادية، بمنزلة الآيات الباهرة التي تقود للتعرف على الله تعالى.

وقد يُراد بهذه الكلمة «المادية» إنكار الوجود اللامادي (المعنوي) وحصر الوجود في العالم المادي، والقول بأن لا وجود في الكون إلا وهو محكوم بقوانين المادة، وواقع في اطار الزمان والمكان والحسّ البشري، وان ما عدا ذلك، وهمٌ محض، وفي مقالتنا هذه نقصد المعنى الثاني لمفهوم «المادية».

ان الاتجاه المادي لا يختص بالقرون الاخيرة قطعاً، بل يعد من الافكار القديمة جداً، اذ نلاحظ في حقل الفلسفة، أن الكثير من فلاسفة اليونان، قبل و إبان عصر سقراط، ونهضته الفلسفية، كانوا ماديين و منكرين لما وراء المادة.

كما اننا نجد ان البعض من افراد المجتمع الجاهلي المعاصر للبعثة النبوية الشريفة، كانوا يعتقدون بذلك ايضاً، ولذا دخل القرآن معهم في صراع عنيف، ونسف تصوراتهم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} (سورة الانسان/24)، حيث تكشف عباراتهم عن انكار الله والمعاد معاً، و لورود كلمة «الدهر» في هذه الآية الكريمة، فقد أطلق على منكري الله تعالى اسم «الدهريين».

كما نواجه الكثير من هؤلاء الاشخاص الذين كانوا دهريين وماديين، خلال التاريخ الاسلامي، وخصوصاً في العصر العباسي الذي نفذت وتسللت المذاهب الفلسفية الوافدة الى المجتمع الاسلامي، وقد استغل عدة من هؤلاء، اجواء الحرية الفكرية في المجالات العلمية والفلسفة والدينية، فاعلنوا عن معتقداتهم وعرفوا بمسلكهم المادي وبدأوا يجادلون «الإلهيين» ويتباحثون معهم ويعرضون أدلتهم ويُشككون بأدلة الموحدين، فيسمعون ويُسمعون بكل حرية، وهذا التاريخ حافل بأخبارهم.

وقد كان بعض هؤلاء يعقدون جلساتهم في مسجد النبي، صل الله عليه وآله وسلم، وذلك في أيام الامام الصادق، عليه السلام، ويتحدثون في مسائلهم، وما كتاب «توحيد المفضل بن عمرو» إلا نتاجاً للمواجهة العقائدية معهم.

 * التحوّل الى مدرسة فكرية

انه من الواضح ان المادية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحولت الى مدرسة فكرية ومن الطبيعي ان يسعى الماديون لأن يروجوا للعالم بأن علّة نضوج المادية و انتشارها في القرنين المذكورين، هو ظهور النظريات العلمية وتوسع الفكر التجريبي، مما جرّ البشرية للإيمان بالمادية!

هذا الكلام في الواقع أقرب الى الهزل منه الى الجد، فالتمايل نحو المادية كان في العصور القديمة، سواء بين الطبقات المثقفة او الجاهلة، والامر كذلك في العصر الحاضر، فكما نجد بين مختلف الطبقات افراداً ماديين، نجد ايضاً- على مختلف المستويات وخصوصاً في طبقة العلماء- اتجاهات معنوية إلهية تؤمن بما وراء الطبيعة.

فنحن نلاحظ افراداً معروفين مثل «براتراند راسل» الذي يَعد نفسه - الى حد بعيد- مادياً ويقول: «ان البشرية وليدة عوامل لم توجد وفق تدبير مسبق او غاية مقصودة، فأصل الانسان، هو النمو والتطور، حتى مشاعره مثل؛ الأمل و الخوف والحب والعقيدة، فإنها ليست الاّ مظهراً من مظاهر التلاقي العشوائي للذرات المختلفة (1)،

في الوقت نفسه نلاحظ العالم المعروف «انشتاين»، نابغة العلم في القرن العشرين، يقف في الطرف المقابل لنظرة راسل، ويقول: «في عالم المجهول توجد قوة عاقلة قادرة، و يكون هذا العالم شاهداً على وجودها»(2).

فهل يمكن ان يقال: ان «راسل» كان مطلعاً على المفاهيم العلمية في حين لم يكن «انشتا ين» بهذا المستوى؟! او ان نقول ان الفيلسوف الفلاني في القرن الثامن عشر او التاسع عشر، كان مطلعاً على المفاهيم العلمية في عصره، في حين كان»لوئي باستور»، مكتشف الميكروب، وهو الموحد والمتدّين، جاهلاً بها؟!

وهل يمكن ان يكون «ويليم جيمس»، الرجل الموحد والعارف والمتعبد في عصره، او «بركسون» او «الكسيس كارل» وامثالهم، لم يكونوا مطلعين على مفاهيم عصرهم العلمية، بل كانوا يفكرون بعقلية ما قبل الف عام، في حين ان البعض الذي لم يكن يملك معشار ما لهؤلاء الافذاذ من معلومات، ولم يعتقد بالله.. نقول عنه؛ انه كان الاكثر اطلاعاً على النظريات الحديثة؟!

انما الجدير بنا ان نبحث بدقة عن العامل الذي أخرج المادية في أوربا، ومهّد لأن تتحول الى مدرسة فكرية لها اتباع. هذا وان كان القرن العشرين من الالفية الاولى وما بعدها قد حدّ كثيراً من تقدم المادية وهيمنتها على الشعوب.

 

* الكنيسة ومسؤوليتها التاريخية

لا نبالغ اذا قلنا؛ ان الكنيسة - سواء من زاوية قصور مفاهيمها التي عرضتها في الالهيات او من زاوية سلوكها الانساني مع عامة الناس وخصوصاً مع الطبقة المتحررة فكرياً- تعد من العلل الرئيسية لتمايل العالم المسيحي بشكل مباشر والعالم غير المسيحي بشكل غير مباشر نحو المادية (3)، مما ساهم ذلك في نشوء و نمو الفكر الماركسي الالحادي في العالم، و»استغلال» قوى الهيمنة العالمية ذلك، لمحاربة الاديان، كونها خير موقظ للفطرة البشرية الداعية الى العدالة والحرية والمساواة والثورة ضد الظالمين والمستعمرين؛ ومع الاسف لازالت هذه «الطبلة المشروخة» يطبل لها في كل القارات السبع بُغية «تنحية» الدين عن مسرح الحياة وتهميشه، والحؤول دون وصوله مرحلة اتخاذ القرار لإنقاذ البشرية وتحريرها من عبودية الطاغوت والحكام الظلمة وقوى الاستغلال الثقافي والفكري والاقتصادي والسياسي.

ان وجود الخرافات في معتقدات الكنيسة، امثال: «ان المسافة بين عين الله اليمنى وعينه اليسرى تعادل 6000فرسخ»!!، او ان «الله تصارع من النبي لوط، عليه السلام، فصرعه الآخر» ناهيك عن تأسيس محاكم التفتيش لعقائد الناس وقتل وحرق مئات الآلاف بتهمة السحر والزندقة، وزج العلماء أمثال «غاليلو» في السجون، لعب دوراً كبيراً في» استغلال» البعض هذه الخرافات والتجاوزات لضرب ركائز الدين والقيم الالهية الداعية الى احترام كرامة الانسان كإنسان. ان قوى الاستغلال (المادية)، تعمدت على مقارعة الدين دون تمييز بين دين وآخر ورسالة الهية واخرى، بهدف «تقييد» الانسان المعاصر وقيادته وتوجيهه من قبل «لوبيات» ومحافل ماسونية وعصابات أشبه بالمافيا، وما انتشار مذاهب عبادة الشيطان، والمشجعين على الانتحار،  ودعاة الاستخدام المفرط للجنس والاباحية، و ارتفاع اعداد مثليي الجنس في العالم، ومحاربة الاسرة و العائلة بحجة الانفجار السكاني، إلا صوراً من فعل هذه القوى التي قويت شوكتها بالعلمانية، وهي تحاول تهميش الدين بكل الوسائل والطرق.

ان المسلمين يفتخرون بأن كتابهم الكريم، كتاب العلم والقراءة والتعقل والتفكر، بل إن علمائهم باركوا صعود رائد الفضاء الروسي «غاغارين» لأول مرة في التأريخ، الى الفضاء في الستينات، معتبرين ذلك مصداقاً لقوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} (سورة الرحمن /33)، فيما صعق العالم في بـ» شجب» الكنيسة المسيحية حينها لهذا الفعل الروسي معتبرين ذلك تجاوزاً على «حدود الهيمنة الالهية»!

ان الغرب المادي، رغم اطلاعه على «عالمية» دعوة الاسلام، إلا انه كونه مادي المذهب والنوايا، فقد شمل الاسلام والمسيحية وجعلهما في خانة واحدة!

خلاصة القول؛ وبمناسبة انعقاد هذا المؤتمر لقادة الأديان في الفاتيكان، فان الكنيسة، والمسيحية، عليها تشذيب معتقداتها وتنفتح على الأديان الاخرى، وان «تتكامل»(4) مع الأديان الاخرى، قديمها وحديثها، وتتعاون مع زعماء الاديان، لا سيما في العالم الاسلامي، للمحافظة على قيم الوحي الالهي ونصرة المبادئ والاخلاق التي يجتمع عليها كافة الأنبياء والرسل، عليهم السلام.

-----------------

1- الله يتجلّى في عصر العلم - تأليف؛ نخبة من العلماء الأميركيين - ص99.

2- نفس المصدر - ص76.

3- الدوافع نحو المادية- الشهيد الشيخ مرتضى المطهري - ص27.

4- في إشارة الى كلمة السيد المرجع المدرسي في مؤتمر قمة الأديان في الفاتيكان.


ارسل لصديق