المرجع المُدرّسي وآفاق الخطاب الحضاري في الفاتيكان
كتبه: الشيخ محمد سعيد المخزومي
حرر في: 2015/01/29
القراءات: 979

عادةً؛ المؤتمرات - إن لم تكن غالبا ما- تبدأ بخطابات حماسية، وكلام مجاملات، وتنتهي بمساومات على حساب الاهداف الأساسية التي رفعوا من أجلها شعار المؤتمر.

أما في مبادرة سماحة السيد المرجع المدرسي- حفظه الله تعالى- بالحضور في مؤتمر قادة الأديان والمذاهب بالفاتيكان، ولربما هو الأول من نوعه، حيث ضمّ المؤتمر قادة الاديان في الأرض، من المسلمين والمسيحيين واليهود والبوذيين، وقد مثّل السنّة وفد من الأزهر، بينما كما تمثيل الشيعة على مستوى القمة، بحضور المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي. وقد ألقى سماحته الكلمة الافتتاحية للمؤتمر هذا.

وهنا ينبغي لنا القول إن سماحة المرجع المدرسي، قد خرج عن المعهود في المؤتمرات، إذ لخّصت كلمته مشروعاً مهماً عرضه على المؤتمر وعلى قادة الاديان للتخلص من العبودية وجذورها و اشكالها المعاصرة، كما حمّل الجميع مسؤولية حيوية ينبغي الوقوف عندها، للتخلص من أشكال العبودية والاسترقاق الممنهج المُعْترَف به، فضلاً عن العشوائي المنبوذ.

فكانت الكلمة تتضمن محاور مهمة وجدت ضرورة الاشارة إليها فكانت تلك هي المحاور التالية.

 

* المحور الأول: الإنسان يعيش ضمن منظومة كونية متكاملة

يعيش الإنسان ضمن منظومة كونية متماسكة، متعاضدة، تسير بالاتجاه الصحيح المرسوم لها من قبل خالقها، بينما الرق، ظاهرة طارئة في تلك المنظومة. لأن الناس أبناء أسرة بشرية من أبوين اثنين، يسكنون بيتاً صغيراً اسمه الارض، وهذا يوجب عليهم التحابب والتآزر والتآلف ثم التكامل بعضهم مع البعض الآخر. وأن سبب ظاهرة الرق، هو خروج الإنسان عن هذه المنظومة ومسارها الصحيح، والذي جاء الإنسان فيها ليسير مساراً صحيحاً كذلك.

وبالتالي فالمطلوب هو أن يرجع الإنسان إلى المسار المخلوق من أجله، وذلك هو المسار المُسَخَّر له السموات والأرض. وهذا ما كانت كلمة سماحة المرجع المدرسي تؤكد عليه يوم قال فيها:

«ومن ابرز نعم ربنا الكرامة وهو الذي كرّم بني آدم، ومن الكرامة تصدر الحرية، ومن الحرية تنبعث كل صفات الخير...».

 

* المحور الثاني: مسؤولية زعماء الأديان

مسؤوليات زعماء الدين والمذاهب كثيرة؛ تلزمنا التوقف عند الحقائق التالية التي سلط سماحته البحث فيها:

الحقيقة الأولى: مسؤولية الإنسان في الأرض

لكي يرجع الإنسان إلى المسار الصحيح المطلوب منه، ويتجانس مع المنظومة الكونية المتجهة بالاتجاه الصحيح، وجب أن يرجع زعماء القوم وقادة الناس الدينيون لمسؤوليتهم الكبرى في توجيه الناس ليأخذوا بيدهم نحو السعادة والرفاه والأمن والاستقرار كما قال الإمام الباقر، عليه السلام: «إن لله عباداً ميامين مياسير يعيشون ويعيش الناس في أكنافهم وهم في عباده مثل القطر».

الحقيقة الثانية: الحياة في التزام منهاج الحياة

بحيث إذا ما عاد علماء الدين، متبعين منهاج الله تعالى، سالكين سبل السلام صاروا ربانيين، ولا يكونون كذلك حتى يتبعوا إرادة الرب فيهم، ويعيدوا صياغة ذواتهم، صياغة ربانية تتجلى بالتخلّق بأخلاق الله، فيعيشوا صفات الله تعالى في ذواتهم، عند ذلك يستطيعون إعادة الناس إلى مخزون الطاقة الفطرية المودوعة فيهم، لتكون الصاعق الذي يفجر طاقة العقل الهائلة، وعندها يكون، النضج في الفكر والفهم والثقافة، والارتقاء في السلوك والعمل، والتكامل في الحضور والعطاء، والاخلاقية في المبادرة والابداع، ثم الرُقِي في الانتاج والعمل.

وهذا هو مفاد كلمة سماحة السيد المرجع المدرسي بقوله: «وقد حمّل ربنا سبحانه كلماته وأسماءه عباداً صالحين من البشر، هم الرسل والربانيون والاخيار والدعاة اليه، لكي يذكروهم ابداً بتلك الأسماء التي انعكست في ضمائرهم. و أنتم رؤساء الأديان والعلماء تتحملون مسؤولية كبرى، وفي أعناقكم أمانة عظمى، لإبلاغ البشر بواجب العودة الى ضمائرهم، وحصانة كرامتهم، ولكي نقلع من واقع الإنسانية كل اسباب الشر وكل بواعث الفساد، نذكرهم بكلمات الله وبوحيه في طلب الهدى و ضرورة الارتباط به للتخلص من كل غي و زيغ و ظلمة و ضلال».

 

* المحور الثالث: عالم اليوم مصداق لاستعباد البشر

الخطير في هذا العالم المتمدن هو أنه يسير بالاتجاه المعكوس لخلق الواقع الحالي المنكوس، ورغم ذلك يحسب أنه في خير وإلى خير. و الأنكى من ذلك؛ يريد من الأمم الأخرى أن تحذو حذوه، وتخطو خطوه، ثم تتبع آثاره، وتسلك مساره.

فترى الأمم، «وبموجب مفهوم ساسة عالم اليوم» ممنوعة من الاعتماد على ذاتها بطريق غير محسوس فلا تطور نفسها، وتبقى تحور في دائرة من التخلف مقيتة، إذْ يجب عليها أن تكون سوقاً لبضائع الدول المهيمنة في العالم، وأداة في آلتها الاقتصادية، فهي مستهلكة غير منتجة حتى وإن كانت على بحر من البترول والموارد المائية وخيرات الله في باطن الأرض. وهذا وجه بارز من وجوه الاسترقاق الاقتصادي ولكن بوجه يلبس مسوح الجمال، وتزويق الإعلام الموجَّه البراق.

اما الرق السياسي فيتجلّى بمحاولات اخضاع العالم في قبضة الانظمة الفاسدة فيما يسمى بالدول النامية، على أمل أن يصدّروا لشعوب هذه الدول، أنظمة سياسية يسمونها «ديمقراطية»، بيد أنها لا تشبه ديمقراطية العالم الغربي.

ثم أن من وجوه الاستعباد المعاصر، العبودية والاسترقاق عبر مصادرة القدرات الاقتصادية والتي منها بيع نفطك وبترولك ومواردك بما يشبه المجان لشركاتهم، وإن ترتب على ذلك تداعيات اقتصادية على البلد، وأزمات معاشية للمجتمع، ومخلفات قاسية على الإنسان.

أما الاستعباد العلمي والاسترقاق المعرفي فيتجلى بمصادرة قدرات الشعوب في الإبداع التقني وتوقيف فرص التطوير العلمي عبر إشغال الشعوب بحروب مذهبية وقومية وعرقية وغيرها، ثم المنع من استثمار موارد الطاقة في الحياة سلمياً.

إذن؛ العالم النامي يعيش حالة استرقاق وعبودية ولكن بوجه برّاق ومقبول. وهذا ما افهمه من كلمة سماحة المرجع المدرسي بقوله:

«فلا ينبغي لأحد ان يتخذ من الآخرين عبيداً، ولا ان يتجاوز على حقوقهم في كثير ولا قليل، بل الانسان خلقُ الله، وكذلك كل موجود حيّ، لذلك فإن حتى إفساد البيئة او أذى الأحياء يبعد البشر عن ربه كما يبعده عن سعادته».

 

* المحور الرابع: حلول أزمات البشر

إن سبب هذا التردي في عالم اليوم وكل يوم، هو عدم التزام المؤسسات الدينية مسؤولياتها الصحيحة في تصحيح مسار الإنسان حاكماً كان أو محكوماً، فرداً كان أو مجتمعاً، فيعبث من يعبث بما يريد، ويفسد من يشاء كيف يشاء. لذا فان مسؤولية العلماء وزعماء المذاهب والأديان الارتباط بعين الدين لا بقشوره، وبحقيقته لا بالصورة الوهمية عنه.

إن الصورة الخاطئة عن الدين تعني الجهل به، الأمر الذي يسبب الإفساد وليس الاصلاح والخراب وليس العمران. حيث «إذا فسد العالِم فسد العالَم»، وهذا ما نلمسه في كلمة سماحة السيد المرجع لرؤساء المذاهب والاديان بقوله لهم في الفاتيكان:

«ان الفهم الخاطئ للدين سببه الجهالة، فقد فرّق الناس في الدين، فخلقت الحواجز بين اهل الدين، وكانت تلك الحواجز سبباً لضعف تأثيره في الناس، وعلينا اليوم ان نبذل المزيد من الجهد لاختراق هذه الحواجز وجمع الأديان تحت مظلة كلمة سواء».

 

* المحور الخامس: الإمام الحسين، شهيد الحرية الأول في العالم

هناك حقيقة جوهرية يؤكد عليها خطاب سماحة المرجع، وهي: أن الفضل في بقاء كلمات الله وآياته وجهود أنبياء الله ورسله، يعود الى جهاد الإمام الحسين، عليه السلام، وتضحياته، على اعتبار أن بقاء رسالات السماء، بحيوية مشروع خاتم المرسلين، وبقاء مشروع خاتم المرسلين مرهون بتضحيات الإمام الحسين، عليه السلام، الأمر الذي يؤكد على وجوب الارتباط بالإمام الحسين، عليه السلام، والتمسك بمنهجه لأنه حبل الله الذي يجمع ويُحيي جهود الأنبياء ورسالات المرسلين.

لذلك تجب معرفة الإمام الحسين، عليه السلام، والبحث عن منهجه، والتأمل في كلماته، والتدبّر في رسالته، والوقوف على حجم تضحياته سلام الله عليه، كي يتجلّى لقادة المذاهب والأديان، الارتباط بدين الله وكلماته، فيتسنّى لهم إحياء نفوس الناس وإعادتهم إلى حظيرة الحياة، وحياة التحضّر.

ولذلك قال سماحته في هذه الكلمة: «فقد كانت نهضة حفيده الإمام الحسين، عليه السلام، - أعظم شهيد في التاريخ و صاحب الملحمة الكبرى، المقتول ظلماً في كربلاء - لأجل التحرر من العبودية بكل أصنافها و أنواعها. ففي أحلك الظروف ساوى الحسين، بين العبيد و بين أعز أبنائه، وقد وضع خدّه على سالم - العبد التركي - وبين فلذة كبده وعزيز فؤاده علي الأكبر. و كان أئمة أهل البيت، عليهم السلام، يؤكدون على أن الرب واحد، و الأب واحد، فأي انحراف عن هذا المبدأ يساوق حربا ضد الإنسانية و الضمير».

 

* المحور السادس: التوصيات الحضارية الخمس

ثم ختم سماحته -حفظه الله تعالى- خطابه إلى رؤساء الأديان والمذاهب بمجموعة من التوصيات، إذْ لم يترك الخطاب سائباً على عواهنه. فلخّص مراده منهم، وجمع عصارة خطابه لهم بكلمات كانت تكليفاً لهم بضرورة الخروج من دائرة الخطاب في المؤتمرات إلى دائرة العمل، والانطلاق إلى حيز الارتقاء في فضاء العمل الخلاّق، فكانت التوصيات مؤكدة على ما يلي:

أولاً: الدعوة إلى وحدة دين الله

كون منطق العقل يحكم أن خالق الكون واحدٌ إذْ؛ {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً}، (سورة الاسراء/42). وبالتالي يجب أن يسلّم العقل بضرورة توحيد دين الله تعالى في أرضه وسمائه.

وهذه إشارة إلى حكم العقل وتسليم العقلاء بهذه الحقيقة ولذلك قال سماحته: «ادعو الى وحدة دين الله في الارض لخلاص الانسانية من التمزق والعصبيات والحروب، لتكون دعوتنا جميعاً الى الرب لا الى أنفسنا».

ولم تكن هذه الكلمة دعوة لأن يترك كلٌّ منهم دينه، بل دعوة إلى استخدام الإنسان لعقله والتأمل في آفاق الأرض وأقطار السماء بلغة الحياة.

ثانيا: التحرر من الجهل

وهذه حقيقة ثابتة، بحيث أينما تجد خلافاً وصراعاً وحروباً، فاعلم أنها من نتائج الجهل وفعل الجهلاء، ولا فرق في أن تكون صادرة من رجل دين أو رجل سياسة او غيره، لأن الخير لا ينتج شراً، كما لا ينتج الشر خيراً قط. ولذلك كانت وصية سماحته للمؤتمرين على ضرورة «اختراق الحواجز التي صنعها الجاهلون بين اطياف دين الله الواحد».

ثالثا: منطق الحياة بإتقان لغة الحوار

لغة القرآن الكريم مشحونة بهذا الأدب الرفيع في التعامل الاجتماعي، والتعاطي الفكري والسياسي، كونه لغة الحضارة والحياة كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}، (سورة آل عمران/62)، وقال عن رسوله {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، (سورة سبا/24). لذلك فهو سبيل التفاهم، والطريق إلى تذويب الخلاف، والسبيل إلى رفع مستوى الانتاج العقلي إلى أرقى ما يخدم الإنسان ويحيي الانسانية.

فقال سماحته «ادعو لا الى حوار الحضارات فحسب، بل الى تكامل الحضارات والشعوب على اساس المحبة ونبذ الكراهية».

رابعا: قيمة القادة بالمبادرات الحيّة

بما أن قيمة الإنسان بإنسانيته التي تتجلى بالإحسان إلى بني جنسه، والإصلاح في الحياة، وعمارة الأرض، ثم التآلف مع أبناء نوعه الانساني، من هنا نشأت ضرورة أن يتشبث رؤساء المذاهب والاديان بخدمة الإنسان، والعمل على رفع معاناة البشر، لأنهم اخوةٌ في هذه الخليقة، وشركاء في هذا البيت، وأهل في هذه الاسرة البشرية. لذلك قال سماحته داعياً المؤتمرين بقوله: «أدعو الى ان يقوم رؤساء الاديان الالهية بمبادرات شجاعة لخلاص الانسانية من الفقر والمرض والحرمان ومن سباق التسلح ومن إفساد البيئة، ومن الاستعباد بكل اشكاله».

خامسا: لابد للدعوات الحضارية من حماية دستورية

لأن الحياة مسرح، بل ضحية لتزييف الدين وعبث الحكام والسياسيين، فقد صارت الدعوات الحضارية والصرخات الإنسانية عُرضة للتذويب من قبل من لهم القوة والسطوة وهم السياسيون، لكونهم الوحيدين المتضررين من المطالبة بتحرير الإنسان والمجتمعات البشرية من الرق والعبودية. لذلك دعا سماحة السيد المرجع المدرسي إلى «تشكيل هيأة دائمة معترف بها دولياً على غرار منظمة الـ «اليونيسف» لاجتثاث ظاهرة الرق ثقافياً، ومتابعة المتجاوزين والمجرمين قضائياً».

والخلاصة؛ فإن من محاور هذا الخطاب الحضاري، بما يحمل من توصيات راقية، نفهم العمق القرآني في ثقافة سماحته، والعمق المعرفي لمنطق الحياة، والحسّ الديني في معالجة مشاكل الإنسان، والشعور الإنساني المرهف في رفع معاناة البشر، وسبل انقاذها من براثن الجهل، وتخليصها من أوحال التردي، وانتشالها من الجهل والتخلف والضياع.

---------------

* عالم دين - النجف الأشرف


ارسل لصديق