إطلالــة على الحــرية من وجهة نظر إسلامية
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2015/01/29
القراءات: 882

كرامة الانسان قيمة إيمانية سامية، تفيض منها تشريعات إسلامية شتى، اذ يقول تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ...} (سورة الاسراء-70). وكرامة الإنسان تقتضي حرمته، فلا يضيع حق من حقوقه؛ فدمه وماله وعرضه وجهده محترم، ولابد أن يحمي النظام والمجتمع كل هذه الحرمات، وأن يوفر له كافة الحقوق والكرامة الانسانية تقتضي كفالة حرية الناس في المعتقد والانتماء وفي الإقامة وفي إبداء الآراء السياسية، وسائر الحريات التي ينظم القانون منهج استخدامها في كل بلد وعند كل قوم. ويُعد سوء استخدام الحرية من أهم مخاوف الانظمة في العالم، وسر هذا الخوف يكمن في أمرين:

 الاول: ان هناك نزعة نحو الطغيان والاعتداء والسيطرة عند الانسان بصفة عامة، وهذه النزعة هي أقوى و أعنف و أبقى من أيّ نزعة اخرى، ووجودها من أقوى الاخطار التي تهدد حرية الآخرين. وحرية الفرد انما تتحدد بحدود حريات الآخرين، أما اذا طغت الحريات الفردية وتعدت حدودها، تتحول الى شريعة الغاب. فالحرية المطلقة عند البهائم والسباع في الغابات، هي «حرية الافتراس»، وينتهي الامر الى ان يأكل القوي الضعيف، فالحرية في المجتمع البشري، تتمثل - بالحقيقة- في حفظ حرمة الآخرين، فحريتي تكون حقيقة واقعية حين يحترم الآخرون حقوقي؛ لذلك لا يستخدم الاسلام كلمة الحرية إلا قليلاً، وإنما يستخدم الجانب الآخر للحرية وهو «الحرمة» فيقول: «..حريم الانسان»، «حريم البيت»، و»حرم الله»، و»حرمة الاعتداء». فالحرية تتبدل في مفهوم الاسلام‏ الى الحرمة، لان الحرمة هي التي تحافظ على الحرية. وحينما يحافظ الناس على حرمة البيت، والشارع، والمدرسة، والسوق فمعنى ذلك محافظتهم على حرية الافراد.

 الثاني: حين يستخدم الانسان حريته، فان وضعه سيكون انعكاساً لنفسيته، وثقافته ومستواه الحضاري. وقد يكون الانسان متخلفاً من الناحية الحضارية، والثقافية ومنحرفاً من الناحية السلوكية، هنا تكون حريته اللامحدودة، كارثة حقيقية له وللآخرين. وحينما نعطي له الحق بان يكون حراً في اختياره، فان الحرية ستكرس تخلفه وانحرافه وبالتالي ستكرس الفساد في الارض، لقد اختارت أقوام ثمود وعاد واصحاب الايكة، نظامهم السياسي بأنفسهم، وكان في ذلك هلاكهم، لأنه كان نظاما فاسدا، وحاضراً، نرى ان الشعب الالماني في أوائل القرن الماضي، والذي كانت له حرية مطلقة في اختيار قائد أعلى له، كيف انه اختار «هتلر» وحزبه النازي لقيادته، فكانت النتيجة انزلاقه في هاوية الحرب العالمية الثانية وما جرّ عليه وعلى العالم من دمار هائل.

 

* الاسلام يعالج سوء استخدام الحرية

السؤال هنا: كيف يعالج الاسلام هذا الخوف من استخدام الحرية عند الانسان، خصوصاً حريته‏ السياسية؟

بالنسبة الى الهاجس الاول لسوء استخدام الحرية، فان الاسلام يأمرنا بان لا نختار رجلاً كقائد، إلا بعد اختبار الارادة الصلبة والاستقامة والخلق الرفيع لديه، كما الزهد في الدنيا، وعدم حب الرئاسة والسلطة، لان من تستبد بقلبه شهوة السلطة، لا يصلح أن يُعطى سلطة او منصباً معيناً، لأنه سيبحث عن سلطته قبل أي شيء آخر، ويستخدم الدسائس من اجل البقاء على الكرسي، وبهذا الاسلوب يقضي الاسلام على الخوف الاول من سوء استخدام الحرية، وهي مشكلة مناقضة الحرية لنزعة السيطرة والتسلط والملك الموجودة عند الانسان. أما بالنسبة الى الهاجس الثاني، وهو هاجس تخلّف الانسان وانحرافه، فان الاسلام لا يدع الاختيار مفتوحا، وانما يعطي الفرد حرية اتخاذ القرار في حدود معينة، وفي الحديث عن الامام الحسن العسكري، عليه السلام، قال: «أما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مطيعاً لأمر مولاه مخالفاً لهواه فللعوام ان يقلدوه». وهناك فرق دقيق بين معنيي الاختيار والانتخاب؛ فالاختيار هو ان تقرر ما تشاء، حسب ما تشاء، وكيفما تشاء، أما الانتخاب فهو اذا قال لك الطبيب، انك اذا جلست على المائدة، تناول الاطعمة التي تحافظ على صحتك، فان حريتك في تناول الاطعمة حينئذٍ ستكون مقيّدة باعتبارات خاصة تحددها وصفة الطبيب، بالرغم من انك، انت الذي تنتخب الطعام المناسب‏ لصحتك، إلا انه حسب شروط وصفة الطبيب، والاسلام لا يعطيك كامل الحرية حتى تختار قائداً حسب هواك ورغبتك الخاصة، وانما يجب ان تنتخب وفق قيم محددة، ومواصفات خاصة بيّنها الله لك في الشريعة الاسلامية.

 

* الحرية مسؤولية الأمة

من أجل تكامل الانسان وتساميه الى ذروة أهدافه المنشودة، ومن أجل تحول البشر من كونهم آلة صمّاء بيد الطغاة أو «صامولة» صغيرة في ماكنة الحكم، أو مجموعة عبيد مطيعين لأهواء الحاكم، الى أن يكون كائناً مفكراً عاقلًا يبحث عن الحق والخير، من أجل ذلك كله، ومن أجل تحقيق هدف الرسالات في الإنسان، أن يكون جليس الرب في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وضيفاً مكرماً في جنان العدل، لا بد أن يسعى جميع أبناء الأمة في مشروع الحرية، الذي يعني بناء إنسان فوق مادي، مؤثر فاعل، متفجر الطاقات، واسع الإمكانات، ولكن كيف؟ دعونا نتابع النقاط حسب التدرج، وليس حسب الأهم والمهم.

أ- منذ نعومة أظفاره يستطيع الانسان تدريب نفسه على الاختيار الصحيح، فاذا شجع المربون الأطفال على الاختيار الصحيح، نمّوا فيهم روح الحرية، وبالرغم من أن توقع حدوث هفوات من قبلهم، إلّا أن الحصيلة النهائية ستكون إيجابية بإذن الله، إذا تم التوجيه الفطري والعقلي المركز إلى جانب توفير عوامل الحرية.

ب- في المدرسة؛ إذا تسلح المعلمون والمربون بالقدرة التوجيهية، وخففوا من وطأة الأوامر الصادرة، فإن التلميذ والطالب، سوف تتكامل شخصيته على أساس التعقّل والانتخاب الحر، بعيداً عن عصا المعلم الغليظة، وعن الرغبة في الدرجات العلمية التي تنمي الأنانية والذاتية.

ج- وفي المراحل الدراسية المختلفة، يفضل تنمية حب المعرفة في الطفل والطاعة الواعية للمناهج المؤدية إليها، شأن الدراسة في الحوزات العلمية التي كانت متفوقة في هذا الجانب بلا ريب.

د- في المجتمع؛ ومن أجل تطبيق القوانين والالتزام بالآداب، يفضل التقليل من الاعتماد على القوة القهرية بكل صورة ممكنة، والاعتماد بدلًا من ذلك على الوسائل التوجيهية التي ترسخ القيم المثلى، وتدع الأفراد يتمسكون بها طواعية وتلبية لنداء وجدانهم الحرّ.

هـ- وفي ذات الوقت ينبغي التقليل من القوانين الاضافية، والاكتفاء بالأهم فالأهم من قواعد السلوك، تاركين للفرد حرية التقيد بالبقية الباقية، شأن الدين الحنيف الذي أمر ببضعة واجبات ومحرمات، ثم وجه الى المزيد من الأخلاق والآداب في إطار المستحبات والمكروهات.

و- وإذا تعرضت الأمة لموجات الشبهات، واهتزت قواعد السلوك في أبنائها، فعليهم الاجتهاد في التوجيه وتطوير وسائله وأساليبه، والاستخدام المحدود من القوة القهرية في الحجم والمدة.

ز- تنشيط الحوار والشورى والجدال بالتي هي أحسن، وترسيم قواعد أخلاقية للاختلافات، وتجنب الحدية والتهم وما أشبه.

 

* ركائز الدفاع عن الحرية

من أجل استمرارية الحرية، لابد من التصدي للقوى المناهضة لها، والتي تسعى للسيطرة على مؤسسات الدولة والتحكم من خلالها في الناس، أو تسيطر على الجهّال منهم وتفرض من خلالهم إرادتها على النخبة المفكرة. وإنما يمكن التصدي لهذه القوى بتكوين مؤسسات اجتماعية مقتدرة، والدفاع من خلالها عن الحرية، وذلك بما يلي:

أ‌- لابد أولًا من تثقيف الأمة بقيمة الاستقلال والحرية، وتوعيتهم بضرورة الدفاع عنها، وتوجيههم بما يمكن أن يتوسل بها أعداؤها من المكر والخديعة؛ مثل ادعائهم أنهم يريدون الدفاع عن قيم الأمة الأصيلة، وعن أمنهم واستقرارهم، وعن تقدمهم ورفاههم، بلى؛ كل هذه الأساليب استخدمها الطغاة من أجل خداع الجماهير و ارضاخهم باستلاب حريتهم.

ب- ومن أجل الحرية، ينبغي أن تكون في مقدمة قيم الأمة وبمستوى أمنها القوي، فلا تبحث عن الرفاه السطحي، والتقدم الصناعي، والتوسع الاقليمي على حساب حريتها.

ج- من ركائز الدفاع عن الحرية؛ الجمعيات الدينية التي تتخذ من القيم الإلهية منطلقاً وإطاراً. وهذه المؤسسات هي الأكثر قدرة، لو أنها تفاعلت مع حقائق العصر.

د- ومن الركائز؛ الجمعيات السياسية والمهنية والاجتماعية. وكلما تكاثرت هذه الجمعيات في الأمة، كلما استطاعت مقاومة فتنة الطغاة. (1)

 

* الدين ليس نظاما شمولياً

ليس الدين نظاماً شمولياً ذا بعدٍ واحد؛ لا في السياسة، ولا في الاقتصاد، ولا في أي حقل من حقول الحياة، بل هو النظام الأكثر تعددية وتنافسية. فهو يؤمن بتنوع الشعوب والقبائل ليتعارفوا، ويعترف بتعدد الأديان والمذاهب ليبلو بعضهم ببعض‏ {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} (سورة المائدة/48)، ويقر باختلاف الألوان والألسنة «الأذواق ومناهج التفكير»، ويستوعب الاقتصاد الحر القائم على التنافس على الخيرات، ويشجع الاستباق في العمل الديني بين الفئات المختلفة. هذا النظام هو الأكثر واقعية، والأقدر على توحيد الأمم، والأقرب الى كرامة البشر التي تتنافى مع الفرض والقهر واستلاب الحريات. من هنا نجد إن حرية الاختيار في المسائل الأهم، مثل العقيدة مكفولة، ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (البقرة- 256)، فكيف بحرية الانتخاب في المسائل المهمة، مثل السكن والإقامة والانتماء السياسي، والعمل الاقتصادي...!

وهكذا يجب علينا أن نعيد النظر في كثير من مفردات الأنظمة والعادات التي فرضت على المسلمين في عهود مضت، إما بسبب رؤية خاطئة الى الدين في عصور التخلف، أو بسبب ميل حكومات الجور وجماعات الضغط السياسية والاقتصادية الى الشمولية، بلى؛ إن الشمولية مخالفة صريحة للكرامة والحرمة (الحرية)، والاختلاف (التعددية). وفيما يلي طائفة من الأمثلة نسوقها في نفي الشمولية:

أ‌- الإسلام يؤمّن حرية المعرفة والثقافة، وقد أمر الله سبحانه بالجدال بالتي هي أحسن، وبشّر عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأمر بالنظر والعقل والتفكير، ونهى عن الإكراه على الإيمان، ومن هنا نشأت جامعات علمية شامخة، كان البحث الحرّ قاعدة أساسية فيها. لكن جاءت لحظة النكد في الدولة الإسلامية وساد الإرهاب وقمع الأحرار وفرض آراء خاصة في العقائد والفقه والأخلاق. مع ذلك كانت هناك معاهد علمية مارست، ولو بخفاء، دورها في البحث الحرّ، والتي تجسدت في الحوزات العلمية، التي بالرغم من محدودية أنشطتها بسبب الظروف المعاكسة، إلّا أنها ظلت تمارس عملية الاستنباط، فاتحة أبواب الاجتهاد على مصراعيها.

ب- يرفص الإسلام، النظام الوراثي الذي يسميه بالملك العضوض، ويرفض الأمر الواقع القائم على أساس «من ملك السيف كان أحق بالسلطة»، ويسمي المتسلط بالقوة «طاغوتاً»، ويرفض التحكم باسم الدين لأنه نوع من الطغيان، وإنما يعترف بحرمة الناس في انتخاب وليهم في إطار القيم الإلهية العليا كالعلم والايمان (الفقه والعدالة). ويعترف في هذا الإطار بالحقوق المشروعة للناس في تنظيم أنفسهم في مؤسسات سياسية بكل أشكالها، وهكذا يبقى الانتماء حراً، ولا يجوز معاقبة أحد على الانتماء.كما إن الحرية السياسية تستدعي حرية الاعلام، وحرية النقد، وحرية الاجتماعات والمسيرات.

ج- الاقتصاد في الإسلام يتمتع بحرية واسعة، فلا يجوز تحريم ما أحلّ الله لعباده، حسب آية كريمة: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأعراف/ 32)، ويرغّب الدين الحنيف على تسخير ما في الطبيعة لمصلحة الانسان، ومن هنا فإن حرية الحركة في الأرض، وحرية الصيد، واستخراج المعادن، والاستفادة من الأرض للزراعة والبناء، والانتفاع بالماء والهواء وما أشبه، ليست مجرد حريات مكفولة وحرمات للناس ثابتة، وإنما هي مما رغب فيها الدين كما أباح التجارة في إطار القانون.

دـ والحريات الاجتماعية والشخصية مكفولة ايضاً، مثل حرية الاجتماعات والمهرجانات والمسيرات، وحرية الانتماء والتنظيم، وحرية الزواج وبناء الأسرة، وحريات اختيار نوع الزي، وكذلك حرية الالتزام بالعادات الفردية.

إن الدين الإسلامي بشّر البشرية بالرحمة العالمية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الانبياء- 107)، وتتجلى تلك الرحمة في اجتماع الأمم على أصول ثابتة يعرفها الجميع ولا ينكرونها، وأبرزها ألّا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً، «فلا تكون هناك عنصرية أو طبقية أو عصبية غير محدودة، ولا قوى مستكبرة وأخرى مستضعفة»، ولا تزال البشرية بحاجة الى مثل هذا النظام العالمي الإلهي المنتظر وقوعه مستقبلًا بأذن الله تعالى.

------------------

1- آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، التشريع الإسلامي - مناهجه ومقاصده/ الطبعة الثانية- طهران 1413هـ.


ارسل لصديق