وطن يدور في فلك الأزمات.. رؤية جامعة أم أهواء متشاكسة
كتبه: محمد علي
حرر في: 2015/01/29
القراءات: 634

أخطر التحديات التي تواجهها المجتمعات هي تلك التي يقف فيها المجتمع حائراً بلا حلول أو معالجات، حيث يبقى أسيراً أمام أزماته من دون قدرة على تلمّس الطريق نحو الحقيقة والحلول والمعالجات الشافية، ولذلك نرى أن بعض المجتمعات تراوح مكانها لا تستطيع الخروج من عنق الزجاجة، بينما تتقدم مجتمعات أخرى على طريق التنمية والتغيير، وهو المائز الحقيقي بين المجتمعات، فلا تخلو الحياة على مختلف الأصعدة، من تحديات تطل برأسها حسب الظروف والمتغيرات، وهي ليست مختصّة بأناس دون آخرين، وليس هناك من مجتمع «محظوظ» وآخر «منحوس»، ولكن الذي يصنع الفارق في كل الأحوال هي الرؤية والمنهج والمشروع، والقرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة الدامغة حيث يقول ربنا عز وجل: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}. وهذا هو ما ينبغي علينا أن نسعى لإيجاده في بلادنا حيث كنّا ومازلنا نواجه أزمات ليست قليلة و على أكثر من صعيد، ولا يمكن التستر عليها كما يحلو للبعض الذي بقصد أو من دونه، يحاول التقليل أو التعتيم، وقد يصل البعض إلى درجة من الجهل حينما لا يعترف أساساً بوجود أزمات ويعتبر أن الحديث عن ذلك هو مجرد «تشويه» لصورة الوطن، والعملية السياسية والمسؤولين في الدولة، ولكن الحقيقة تؤكد على حاجتنا الماسّة لـ"رؤية" نستند إليها في وضع المنهج والمشروع الذي يمكن لأبناء الوطن قراءته وفهمه بوضوح، وهو ما سيجعل من الناس - هذه الكتلة الأساسية في أي دولة- الرأسمال الحقيقي للوصول إلى نهوض وبناء و تنمية حقيقية.

لا يمكن بناء دولة ومجتمع، ولا يمكن لأي نظام سياسي أن ينطلق من دون «رؤية» تتلخص في مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي يحمل التطلعات والآمال، وهذه القضية بحاجة إلى مناقشة، فهل توجد لدينا رؤية واضحة؟ أم أنها غائبة او مشوشة، واذا كانت موجودة فعلاً، فأين معالمها وآثارها ونتائجها؟

واقع الحال في بلادنا، أنه ومنذ عقود - وللاسف لغاية اللحظة الراهنة- مليء بمؤشرات سيئة، ففي الألفية الثالثة لا يزال المواطن يعاني من أزمات في احتياجاته الاساسية، منها فرص العمل والسكن، ناهيك عن الخدمات، وتفشي الفساد، و ارتفاع نسب الفقر التي تتحدث عنها تقارير وزارة التخطيط وغيرها من الوزارات والمؤسسات، وقبل وبعد هذا، مشاكل ترتبط بالسياسة و الادارة والتشريع وصنع القرار، وما يعتريها من مناكفات وتخبط، بل وكيدية في كثير من الاحيان. و الاخطر و الأدهى من كل ذلك، ما يرتبط بملفات اكثر حساسية ومحورية مثل الملف الأمني والسياسي وتوليفة الحكومة و أدائها مع السلطتين التشريعية والقضائية.

إن الحل لا يكمن في استثارة العواطف سلباً، وتأجيج المشاعر بطريقة سيئة، بقدر ما يرتبط باستثارة الهمم واستنهاض الطاقات من أجل التواصل والتعاون والترابط والتكامل، كما أن الحل لا يكمن في الدفع نحو سياسة ومنهج التصادم، سواء بين الشخصيات والمكونات التي تدير العملية السياسية ومفاصل الحكومة، ولا بينها وبين الناس والمجتمع، بل ينبغي أن ترشد حركة الساسة والسياسة، وحركة الناس بطريقة راقية من خلال «التنافس» على طريق الانجاز والمعرفة و تضافر وتكامل الجهود والرؤى والطاقات، وهو ما يميز المجتمعات المتقدمة التي تسعى دائما لصناعة الفارق من خلال «استثمار» الإنسان في بلادها، بينما تعمل المجتمعات المتخلفة على «استحمار» الإنسان وبدلاً من اعتماد (تفعيل) العقول، تعمل على تعطيل العقول والقدرات والطاقات والثروات وتقييدها تحت اسباب ومبررات و مسميات لا طائل منها، ولاشك أن الكثير من المتابعين والمراقبين في بلادنا يتساءلون إلى متى سنبقى على هذه الحال؟ ومن هو المسؤول عن ذلك؟ وأين هي الحلول؟


ارسل لصديق