سورة البينة {القسم الثاني}
[من الآية الخامسة إلى نهاية السورة]
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2015/02/01
القراءات: 950

(بسم الله الرحمن الرحيم)

وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)

 

هذه الأسئلة طرحناها، فوجدنا إجابتها في موسوعة تفسير «من هدى القرآن» لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي «دام ظله الشريف» وتعميماً للفائدة ننشر، في كل عدد، مجموعة من الأسئلة مع أجوبتها المستوحاة من الموسوعة المذكورة مباشرة.

 

* الإخلاص ضد الهوى

* من أين يشجر الخلاف بين البشر رغم أنهم أُمروا بعبادة الله مخلصين له الدين حنفاء كما في قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}؟

- يشجر الخلاف بين البشر من الشرك بالله؛ حيث يقدس كل حزب شيئا لم يأذن الله به، فتختلف المقدسات، وتتفاوت القيم، ويقع الخلاف؛ بينما إذا كانوا جميعا يرجعون إلى تلك البصائر التي جاء بها الوحي ولم يقدسوا مصلحةً، أوأرضاً، أوعشيرةً، أوأشخاصاً من دون الله؛ إذًا توحدت كلمتهم، وصلحت أمورهم.

{وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} دون الأنداد والشركاء الموهومين، ولا تتم العبادة إلا بالتسليم لله وحده، ونبذ الخضوع لأية قيمة أوسلطة من دونه؛ ولا يتحقق ذلك إلا بأن يكونوا ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ.

ويبـدوأن معنى الدين هو: ما يخضع له الإنسان من تلقاء نفسه من شريعة أو نظام، وخلوصه رفض ازدواجية الولاء بين الله والرسل والأولياء وبين سائر السلطات المادية، وهذا ما لم يستقم عليه أهل الكتاب؛ إذ تراهم ابتدعوا العبارة الشائعة: «ما لله لله، وما لقيصر لقيصر»، فمن اتبع هوى قيصـر كيف يُخلص دينه لله؟!

 

* درجة «الحنيفية»

* في سياق هذه الآية المباركة، لماذا جاءت كلمة «الحنيف» بعد بيان الإخلاص في الدين؟

- لعل التوحيد درجات: أولاها الشهادة به لسانا وعقد القلب به مجملا، وثانيتها: رفض الأنداد ومواجهتهم والتمرد ضد سلطانهم، والثالثة: تطهير القلب من حبهم أوالميل إليهم، وتطهير الفكر من رواسب ثقافتهم، وتطهير السلوك من آدابهم وأخلاقهم، وهذه هي درجة «الحنيفية»؛ والله العالم.

 ومن أبعاد «الحنيفية» الالتزام بشرائع الله؛ من اقامة الصلاة على وجهها، الى الخضوع فيها وتعاهدها دائما، وكذلك إيتاء الزكاة؛ وذلك قوله تعالى:

{وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} و المراد: دين الكتب القيمة، بدلالة قوله آنفا:

{ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}. بلى؛ انها كتب لا عوج فيها ولا تعقيد، ولا تفاوت ولا اختلاف، ولا نشوز عن فطرة البشر اوحقائق الخلق.

 

* كفروا بأعظم رسول

* في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} لماذا جاء تعبير «شر البرية» وهو تعبير بالغ الحدّة؟

-لا يجوز الاختلاف بين اتباع دين واحد، كما لا يمكن توحيد دين الحق ومذهب الباطل؛ بل لا بد ان يبقى الخلاف ماثلا بين الحق والباطل؛ وهو أساس توحيد الله، وحينما ينماث الخلاف بينهما؛ هنالك يَغلب الباطل ويُهزم أهل الحق؛وهكذا يذكرنا السياق -هنا- بأن الكفار هم شر البرية.

لقد زعم بعض أحبار النصارى الأسبقون انهم يخدمون دين الله لوأدخلوا فيه بعض التعديلات، واستخدموا كلمات الفلسفة لبيان مقاصده، حتى استقرضوا من الثقافات الشركية بعض مفاهيمها وألفوها مع حقائق الوحي، ثم داهنوا القياصرة والمترفين فتنازلوا لهم عن الدنيا ليسمحوا لهم بممارسة طقوسهم الدينية الفارغة.

كلا؛ ان المشركين هم شر البرية، ومن كفر من أهل الكتاب بقيم الدين الحق وداهن المشركيـــن فهو مثلهم تماما شر البرية، وفي ذلك انذار بالغ الوضوح لنا - نحن المؤمنين بالقرآن - ألا نحذو حذو علماء اليهود والنصارى فنهادن الطغاة، ونصانع المستكبرين طمعاً في اعترافهم ببعض الدين.

و»شر البرية» تعبير بالغ الحدة، نعم؛ لأنه يعني انهم أضلّ سبيلا من كل ما خلق الله وبرأه؛ ولكن لماذا؟ لأنهم رفضوا الحق بعد البينة، وكفروا بأعظم رسول؛ الذي جاء بأفصح حجة وأبلغ إنذار.

وحتى لو كانوا مستضعفين في الارض يأوون الى رؤوس الجبال، وغور كهوفها، ويسيحون في الارض فرارا بدينهم؛ فإن المؤمنين هم خير البرية.

 

* خير البرية

* قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} يقابل القول السابق؛ فكيف ولماذا أصبح المؤمنون خير البرية؟ وما تأويل هذه الآية المباركة؟

-أصبح المؤمنون خير البرية لانهم آمنوا بأفضل نبي، واتبعوا أكمل منهج، واهتدوا بأبلج نور.

لقد خلق الله كل شيء في الارض للانسان؛ ولكن اي انسان؟ هل الذي يغتال كرامة نفسه ويدسها في وَحْل الجهل والغرور؟ كلا؛ انه لا يساوي عند الله شيئا؛ بل الذي يؤمن بالله ورسالاته، ويعمل صالحا؛ فيصبح أكرم خلق الله جميعا.

وجاء في الأثر في تأويل هذه الآية عن ابن عباس: لما نزلت، قال النبي، صلى الله عليه وآله، لعلي، عليه السلام: "هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غِضَابا مُقْمَحِيْن".(1)..(2)

وذكر الدر المنثور للسيوطي طائفة من الأحاديث المماثلة؛ نذكر منها ما يلي:

1 - أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله «الأنصاري»، قال: كنا عند رسول الله، صلى الله عليه وآله، فأقبل علي، فقال النبي، صلى الله عليه وآله: "والذي نفـسي بيده ان هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة" ونزلت: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} فكان أصحاب النبي، صلى الله عليه وآله، إذا أقبل علي، عليه السلام ، قالوا: جاء خير البرية.

2- وأخرج ابن عدي عن ابن عباس: لما نزلت الآيـــة ، قـــال رســـول الله، صلى الله عليه وآله، لعلي: «هو أنت وشيعتك؛ يوم القيامة راضين مرضيين»

3 - وأخرج ابن مردويه، عن علي، قال: «قال لي رسول الله، صلى الله عليه وآله : ألم تسمع قول الله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الأمم للحساب تُدعون غراً محجلين» (3).

 

* الجنة والرضوان

* واضح من قوله تعالى: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}(4)، أن خير البرية خالدون في الجنة؛ فما مقياس خير البرية؟ وكيف يرقى الإنسان إلى درجة رضوان الله تعالى؟

- إن المقياس لخير البرية هو رضوان الله والجنة؛ اما الثــروات والأولاد فانها فتنة وابتلاء يقدرهما الله للناس جميعا.أليس قد صلحت طينتهم فأصبحوا أهل الجنة دائمين فيها؛ لأن الجنة هي ذاتها الصلاح، وقد أُعدت لأهل الصلاح، وأعظم من الجنة رضوان الله الذي يغمر قلوبهم رضاً وسكينةً ونوراً؛وإنما يبلغ الانسان درجة الرضوان بمعرفة الله وخشيته، التي هي ميراث معرفته سبحانه، وعلامة القرب منه، وشهادة رفع حجب الذنوب بينه وبينهم؛ و﴿ذَلِكَ الجزاء الحسن المتمثل في جنة الله ورضوانه {لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}. لذلك؛ جاء في الدعاء المأثور عن النبي، صلى الله عليه وآله: «اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك وأسعدني بتقواك «. وجاء في الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(5).

فالخشية هي زينة العلماء بالله، وهكذا جاء في دعاء الصباح المأثور عن الامام أمير المؤمنين،عليه السلام: « لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، من ذا يعرف قدرك فلا يخافك، ومن ذا يعلم ما أنت فلا يهابك».

نسأل الله ان يملأ قلوبنا خشية وفَرَقاً(6) منه، وشوقا اليه، حتى نكون من خير البرية، ومن شيعة علي، عليه السلام؛ التابعين لنهجه حقا؛ آمين رب العالمين.

-------------------

1- يقال: أقمحه الغل: إذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه؛ فهو مقمح. والغل يوجب رفع الرأس إلى فوق.

2- شواهد التنزيل، ج2، ص357 عن «تفسير نمونه»،ج 27، ص211.

3- الغرّ جمع أغر من الغرة، وهي بياض في الوجه؛ يريد بياض وجوه الشيعة بنور الوضوء. والمحجّل من التحجيل وهو بياضٌ في قوائم الفرس، يريد مواضع الوضوء من الأيدي والأقدام ؛ فإذا دُعوا على رؤوس الأشهاد أو إلى الجنة كانوا على هذا النهج؛ ومنه الحديث الشريف: «علي قائد الغر المحجلين»؛ أي: قائد الشيعة المتصفين بهذه الصفات.

4- عَدْن بمعنى إقامة، يقال: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، وجنات عدن: جنات إقامة. والمعدن: مستقر الجوهر؛ ومنه الحديث الشريف: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة «؛ والمراد: إن الناس يتفاوتون في مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات على حسب الاستعداد ومقدار الشرف كتفاوت المعادن التي فيها الجيد والرديء.

(5) سورة فاطر، الآية 28.

(6)‌ الفَرَق: الفزع.


ارسل لصديق