ظاهرة النفاق وطرق مكافحته
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2015/02/02
القراءات: 2805

يبدو خطر النفاق والمنافق واضحاً لكل انسان قرأ القرآن الكريم، و ذكر الله - تعالى- في كتابه الكريم، ولاحظ إشارات عديدة لمفهوم او ظاهرة النفاق في المجتمع والأمة، وكفى بعظم خطر هذه الخصلة، إنه تعالى أنزل سورة كاملة في كتابه الكريم أسماها بسورة «المنافقون».

فالنفاق؛ آفة تفتك بأفراد المجتمـــــع وتسري بين النــــــاس كمرض السرطان وأخطر من ذلك، لأن السرطان يقضي على صاحبه فقط بينما النفاق يقضي على مجتمع بأكمله، والمنافق عكس المؤمن الذي لا يخرج عن فطرته النقية، لأن تصرفاته تتنافى مع ذلك، كونه اتخذ إلهه هواه و طغى عليه حب الذات، وعلقت بقلبه الشوائب، والظلمات التي هي خليط من التعصّب الجاهلي و الخلق الذميم و حب الجاه و النفس...

وغرضنا من النفاق هنا ما هو أعم من النفاق العقائدي و الأخلاقي في الفعل أو القول. فإن الإسلام قد دعا المسلمين إلى تبني منظومة إيمانية متكاملة غير منقوصة، كما قال الإمام الصادق(ع): «إن الله جعل الإيمان على سبعة أسهم على البِر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم» (1) ، وهذا يضمن للانسان عدم الانزلاق في منزلقات النفاق والازدواجية.

إضافة إلى انه تعالى قد بين أن العدو الحقيقي هو المنافق حيث قال تعالى:

{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}، وكما هو واضح لأهل العلم، أنه تعالى، حين حدد العدو بالمنافق، يريد أن يبين أن الكافر عدو ظاهر، والمنافق عدو باطن كما يسميه المصطلح الحديث «الطابور الخامس» (الجواسيس)، فالخطر الداخلي أعظم وأشد من الخطر الخارجي.

 

* المحاذير من النفاق

روايات الأئمة الأطهار، عليهم السلام، هيَ مفاتيح فهم آيات الكتاب الكريم و استيعاب معانيه و عن طريقهِ نتعرف على قادة الإسلام الهداة المتمثلة بالرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، وآل بيته الأطهار، فقد كان اهتمامهم، عليهم السلام، كبيراً جداً بحماية المجتمع من مخاطر هذه الظاهرة، وتركيزهم على خطورة المنافقين ومخططاتهم ضد القيم والمبادئ والشريعة. مستندين بذلك إلى القرآن الكريم، كما في سورة المنافقين:

{إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون» المنافقين}، إلى آخر السورة الكريمة التي تكشف زيف هؤلاء المنافقين وخداعهم ودسائسهم على النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وهناك آيات كثيرة بخصوص المنافقين بينها القرآن الكريم، ونهى المؤمنين أن يكونوا منهم، كما أنه تعالى، أوصى نبيه الأكرم، بأن لا يعطي المنافقين فرصة محاولة زرع الفتنة بين المؤمنين حيث يقول تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.

أما الروايات الكثيرة المذكورة عنهم، عليهم السلام، لذمّ المنافقين و صفاتهم التي تتضمن نقاط مهمة، فنجد الكثير منها التي تؤكد على أن هذه الصفة الذميمة بعيدة كل البعد عن الدين الإسلامي الحنيف، فعن النبي، صلى الله عليه وآله: «من خالفت سريرته علانيته فهو منافق كائناً ما كان»، وقال ايضاً: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أئتمن خان»، وقال صلى الله عليه وآله: «إني لا أتخوف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً، أما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما الكافر فيقمعه كفره، ولكن أتخوف عليكم منافقاً عالم اللسان، يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون».

وعن الإمام أمير المؤمنين، عليه السلام: «النفاق توأم الكفر».

هذه الروايات لتحذير المؤمنين من خطط المنافقين، وحثّهم على عدم الانشغال بأمور الدنيا و زخرفها و زبرجها و ترك ذكر الله تعالى، لذلك ذكر الأئمة الأطهار في آداب صلاة الظهر ليوم الجمعة بأن تُقرأ «سورة المنافقون» في الركعة الثانية ليتذكر المؤمنون خطورة المنافقين و مؤامراتهم و خططهم على الإسلام والمجتمع بأسره، و ليكونوا على حذر دائم من تحركاتهم وإصرارهم على ما يفعلون من خلال بيان صفاتهم الذميمة الخطرة في هذه السورة المباركة.

فقد جاء عن النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: «من قرأ سورة المنافقون برأ من النفاق».

 

* المنشأ وأرضية النمو

هنا لنـــــا أن نتساءل عـــــــن الاسباب الحقيقية لنشوء هذه الظاهرة، و مـــــا هي حدودهــــا و جذورها وما هيَ خطورتها على المجتمعـــــات الإسلامية؟

«النفاق»، ويشتقّ منه اسم الفاعل (المنافق)، ويرجع بالأصل إلى مادة «نَفَقَ» على وزن «نَفَخَ»، أي النفوذ و التسرب، و «نَفَقَ» على وزن «شَفَقَ»، أي «القنوات و التجاويف التي تحدث في الأرض وتُسْتَغل للتخفي والتهرب و الاستتار والفرار». (2)

أشار بعض المفسرين أن هناك حيوانات تهيئ لنفسها مغارتين، إحداهما ظاهرة تخرج وتدخل منها والثانية متخفية تهرب إليها ساعة الخطر، مثل الذئب، والحرباء، والفأر وأشباهها، وهذا ما يسمى بالنفاق، وبهذه الهيئة يختار المنافق لنفسه طريقاً ملتوياً ومموهاً لتنفيذ مآربه والدخول إلى المجتمع، أو الهروب من الخطر عن طريق آخر، عند الضرورة، وهو التستر بالإيمان المزيف كما في قوله تعالى:

{اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. (سورة المنافقون، 2) وكلمة جُنَّةَ؛ من مادة «الجنّ»: وهي إخفاء الشيء من الحسّ، وفي آية أُخرى:

{اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَـــن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (سورة المجادلة، 16)، فالنفاق هو مخالفة السر وموافقة العلن، وهو عمل يظهر فيه الإيمان ويبطن الكفر، {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ}.

ثم إن النفاق وصاحبه (المنافق) ليس بالضرورة يتجلّى في الحالات السلبية، او نجدها عند المعروفين بسوء الخلق والتصرفات، إنما نجده في بعض الاجواء الدينية، كما نجده في أوساط العمل والتجارة، وفي كل مكان، بما لا يثير الشبهة والريبة، من هنا؛ فانه يمثل انحرافاً خلقياً خطيراً في حياة الفرد و المجتمع، بل في حياة الأمم كافة، يهدمه من الداخل و من الصعب اكتشافه، وبالرغم من إقرار الجميع بخطورته والتبرؤ منه، إلا انه لا يزال إلى يومنا هذا، يعد ظاهرة موجودة في المجتمع.

أما عن الاسباب والمناشئ لهذه الظاهرة النفسية والاجتماعية، فثمة اسباب عديدة يشير اليها الباحثون والعلماء، ترتكز على حالات نفسية خاصة، مثل؛ الجُبن وعدم الثقة بالنفس، والشعور بالضعة أمام الآخرين.

هذا النوع من الأمراض النفسية والاجتماعية، يمثل خليطاً من التعصّب الجاهلي والخلق الذميم، وحب النفس والجاه والوصول إلى المراد بكل الوسائل المتاحة، مهما كانت، ومن علائم المنافق:

1- الكذب، كما في قول الامام علي، عليه السلام: «الكذب يؤدي إلى النفاق».

2- الخيانة، كما عنه، عليه السلام، «الخيانة رأس النفاق».

3- سوء الأخلاق و قلة الحياء.

4- التعلّق بأمور الدنيا و نسيان الآخرة.

5- الجهل والطمع.

6- كثرة المعاصي. عن أمير المؤمنين، عليه السلام: «أشد الناس نفاقاً من أمر بالطاعة و لم يعمل بها و نهى عن المعصية و لم ينته عنها».

 

* شجرة النفاق

إنّ الله أطْلَعَ نبيه الكريم، صلى الله عليه وآله، على «شجرة النفاق» كما في قوله تعالى:

{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} (سورة الاسراء، 60)، فما هي هذه الشجرة الملعونةَ التي لعنها الله؟

إنها شجرة الزقوم التي تخرج في أصل الجحيم، و طلعها كأنه رؤوس الشياطين و هي فتنة للناس جميعاً، من مغبة الاقتراب الى هذه الشجرة والانتساب اليها.

إذن؛ ماذا نفهم من رؤية النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، هذه الشجرة في المنام، و إلى مَ ترمز؟

اللعن جاء في القرآن الكريم، لإبليس و المنافقين و المشركين و إن هذا اللعن يقع على من يتصرف على عكس ما يأمر به الله تبارك و تعالى، وميزة هذه الشجرة، أنها تمثل مجموعة نفاقية واحدة، من جذورها إلى أغصانها و ثمارها، و كل ما ينسب إليها، فهم قوم ملعونون مع أجيالهم الذين هم على شاكلتهم. بمعنى؛ أن الشجرة الملعونة هي منهج وسلوك ونتائج.

 

* خطوات نحو العلاج

كما إن لكل صفة من الصفات وعادة من العادات، تأثيرها على مصير الانسان وطريقه في الحياة، فان لها العلاج الناجع الذي ينقذ الانسان والمجتمع، والنفاق، رغم حقيقته البشعة والمريرة، بالامكان تفاديه وتطويقه، وعلى الأقل تقليصه، كظاهرة في المجتمع، من خلال التحذير منه من مغبة انتقاله الى الآخرين من ابناء الجيل الصاعد.

إن النـــــــاس متســــــــــــــاوون بالإنســـــــانية، وإنمـــــــا يختلفون ويتفاوتـــــــون بالعقـــــــل والفكـــــــر والعـــــــادات الروحيـــــــة والمزايـــــــا الأخلاقية، و قوام الشخصية هو ما يميز الأفراد بعضهم عن بعض، فإن هذه الشخصية المميزة تؤثر الأثر المباشر على الآخرين لذا فان مكافحة ظاهرة النفاق تأتي من خلال عملية بناء شخصية إيمانية ومسالمة، تكن الحب للجميع، بعيدة عن الحقد وأغلال النفس والأنانية والتكبر، وكل الصفات الذميمة التي يمكن أن تكون منطلقاً ومرتعاً لنمو النفاق في النفس الانسانية.

فيجب تنمية الشـــــــخصية و تكاملها و الاستعداد لمكافحة كل العوامل التي تبعد الإنسان عن الوصول إلى تكامل النفس، ثم العمل على تطهير النفس من الدنس والرذائل التي تعلق بسبب عوامل خارجية وداخلية، من قبيل المؤثرات الاعلامية والثقافية والفكرية، وايضاً العوامل النفسية والذاتية، بمعنى إن القضية بحاجة الى عمـــــــلية ترويض وتدريب على النقاوة والشفافية الروحية، وهذا يتم من خلال برامج روحية خاصة وعامة، وإن كانت هي موجودة في بعض اوساطنا الايمانية، مثل قراءة الأدعية المأثورة بشكل جماعي، او التزام بعض الصلوات المستحبة في اوقات معينة.

وهذا من شأنه ايجاد صلة الوصل بين الانسان وبين ينابيع الايمان والاخلاق، وهم النبي الأكرم وأهل بيته، صلوات الله عليهم، وهو بحد ذاته يوفر للانسان الحصانة من توغل ونمو حالة النفاق والازدواجية، إذ سيكون الانسان دائم التوجه الى الله - تعالى-، متفرغاً للعبادة، حريصاً على عدم الانزلاق في المنكرات والمعاصي والمهاوي التي يعرف انها تسبب خسارة اخلاقه ودينه.

------------

1- الكافي- باب درجات الإيمان، ج2، ص42

2- معجم اللغة العربية - تفسير الأمثل، ج18.


ارسل لصديق