عراق الحياة لا عراق الموت
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2015/03/28
القراءات: 736

ربما يكون هذا البلد نموذجاً فريداً في العالم بعدد الارواح التي أزهقت والدماء التي أريقت قديماً وحديثاً، سواءً في حروب دارت على أرضه بين قوى كبرى، وفي حروب قادها حكامه في وقت لاحق وبالنيابة – هذه المرة- عن تلك القوى العظمى. هذه المسيرة الدموية دفعت الشعب العراقي لأن يستنتج إن بلدهم بات أشبه ما يكون بـ "حقل تجارب" سياسية واقتصادية ومخابراتية وعسكرية، وكل شيء تكون الدول الكبرى المؤثرة، بحاجة اليه، في مقدمتها اميركا. ولا أدل على ذلك من دخول بلدان مهمّشة في "لعبة التحالف الدولي" لمحاربة "داعش"، تلتمس الظهور على الساحة الدولية، ثم تحصل على الحظوة من واشنطن، مثل جمهورية "البوسنة والهرسك"، من خلال شحنات أسلحة مهداة كعربون صداقة، او غير ذلك...!

إنه مجرد مثال، لا على سبيل الحصر، لكن يبقى السؤال؛ هل هو هذا قدر العراق...؟

انه يريد – بكل بساطة- ان يعيش، كما البلاد الاخرى في ظل نظام حكم يسعى لاحترام القيم والمبادئ، ويبتعد عن الديكتاتورية والقمع وكبت الحريات. بيد انه يدفع اليوم، وخلال اثني عشر عاماً، المزيد من الدماء والخسائر الفادحة في قدراته وثرواته، ثمناً لتحقيق هذه الاهداف التي يطلبها كل شعب. كما لو أن هنالك نداءً خفيّاً يردد: "لن يكون التغيير الشامل في العراق سهلاً يسيراً، إنما على أنهار من الدماء والدموع". لنبدأ من نظام حكم صدام، ثم عملية الاطاحة به، وبعدها "سيناريو الارهاب" الذي نفذه داخل العراق، ضباط المخابرات والحرس الجمهوري وخبراء ومسؤولين كبار في النظام البائد الذي أقسموا أمام صدام بانهم لن يدعو موته يكون بداية لعهد جديد في العراق.

ان الذي سهّل هذه المهمة القذرة، ودفع بالعراق الى هذا المنزلق الخطير، هو العجز في التعامل الصحيح مع مسألتين أساس في العراق: الاولى: الدين، والثانية: التاريخ. فالاولى تمثل القاعدة والنظام للحياة، فيما الثانية، تمثل الروح والعمق الحضاري الذي يزودها بالعبر والتجارب.

لقد اخترق الفكر المتطرف والمتعكّز على بعض الشعارات الدينية، جسم العراق، وقبله عديد البلاد الاسلامية، في غياب الصورة الواضحة والمتكاملة للدين، وللعلم والتذكير، بان التنظيمات الارهابية، لم تظهر بعد سقوط صدام، بمسميات متعددة، إلا بفضل اجراءات سابقة بادر اليها شخص الطاغية المقبور باعداد الارضية اللازمة وتقديم كل التسهيلات والامكانات لنشوء هذا الفكر الذي افترض ان يكون بديلاً عن الفكر الذي جاء به الى السلطة.

وعليه، فان الحل هنا يكمن في صياغة رؤية جديدة للدين وقيمه ومفاهيمه، فاذا كان على العراقيين ان يكونوا قبلهم غيرهم أبطال الحرب ضد الارهاب التكفيري في المنطقة برمتها، فمن الأجدر ان يكونوا الرواد في تقديم الصورة المشرقة للإسلام الى كل الدول التي تعاني هذا الفيروس، بل الى كل انحاء العالم. ففي العراق، الحوزات العلمية العريقة، والمرجعيات الدينية الكبيرة ذات التأثير العالمي، والى جانبها المراكز الاكاديمية، كما يضم خزين من علوم ومعارف وتاريخ وتجارب ثرية، بامكانها ان تشكل منظومة حضارية من شأنها مساعدة البلد للنهوض من جديد، اذا ما توفر شرط التواصل والتواصي وتبادل وجهات النظر، حينها يتضح أن الدين هو القادر على توفير الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي، وهو الذي يخلق فرص التقدم والتطور.

بعد إعادة صياغة الرؤية الصحيحة للدين والتعامل معه بنفس الروحية التي تعامل معها المسلمون الأوائل، بناة الحضارة الاسلامية، تأتي الخطوة الاخرى في إعادة قراءة التاريخ بالشكل الذي أراده لنا مهندسوا حضارتنا، وهم النبي الأكرم والأئمة الهداة من بعده، عليهم السلام.

نعم؛ ان التاريخ يضم كل شيء، فهم خزين من التجارب الانسانية، بيد اننا اليوم نعاني نزيفاً حادّاً وعلى مفترق طرق تاريخي وحضاري، نريد ان نستفيد من هذا التاريخ، فهل نأخذ منه ما جرّبه الأمويون من سياسة التضليل والتنكيل وشراء الذمم؟ أم تجربة العباسيين في التهميش والتشويه وتزييف الحقائق؟ وايضاً التجارب المريرة التي جرّت على الامة، وتحديداً على أهل العراق، من ويلات ومحن؟

اذا اردنا البحث عن نقاط القوة في تاريخنا ومنطلق لانتصاراتنا، فما علينا إلا مراجعة المواقف البطولية التي سجّلها أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، واتباعهم والعلماء الابطال على طول الخط، أمام الخط الآخر، فكانوا مثالاً للانسانية والحرية والكرامة وكل القيم السمحاء، بينما الآخر، كان يمثل لوحده قيم الموت والدمار. وهذا ما يجب ان يبقى مضيئاً امام العالم، لنحقق النصر الحقيقي على "الارهاب الطائفي" وكل عوامل نشوئه.


ارسل لصديق