الأمة الاسلامية .. والتطلع نحو التقدم الحضاري
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2015/03/29
القراءات: 672

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ *وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ). (سورة آل عمران/139-142)

الامة الاسلامية وكل الأمم الحضارية في التاريخ تجعل من مواجهتها للتحديات والمحن والكوارث والظروف الصعبة سلماً للمكارم ومعراجاً للتكامل ووسيلةً للإبداع و التحول الحضاري.

والامة الاسلامية في نشأتها الاولى، عاشت الظروف الصعبة و الحصار الاقتصادي و واجهت الحروب و التهديدات العسكرية، لكن كل ذلك لم يسقطها في اليأس والانكفاء، بل جعل منها النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، وسيلة ودافعاً لإحداث تحول وبناء للنفوس، وتطلع وعمل لمزيد من التقدّم والتحوّل الحضاري في كافة المجالات الاقتصادية والعلمية والسياسية والعسكرية.

نحن في العراق نعيش التحديات الأمنية و العسكرية من جهة، والتحديات الثقافية والسياسية والاقتصادية من جهة اخرى، هذه التحديات إنما نواجهها بتلك الروح الوثّابة التي أعطاها نبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله، وصاغ بها عقول ونفوس الامة في عهدها الأول.

لا يمكننا اليوم، سواء في العراق او في سائر البلاد الاسلامية، أن نواجه التحديات ونتقدم ونصنع تحولاً حضارياً من دون اعتماد القيم، وكل اسس البناء الحضاري التي جاء بها الوحي ونبينا الاكرم، صلى الله عليه وآله، وفي مقدمتها العلم والقلم والقراءة أولاً، حيث يقول تعالى: [اقْرَأْ] ويقول: [عَلَّمَ بِالْقَلَمِ] وايضاً: * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ] (سورة القلم/1). ومن ثم  بعد الاهتمام بالعلم والقراءة لابد لصناعة التحول من السعي الى التنافس في ميدان التقدم انطلاقاً من العلم والايمان حيث يقول تعالى: [فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ]، ويقول تعالى: [وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ]، ثم العمل من أجل الوحدة لأنها من أسباب القوّة حيث يقول تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً]، وهكذا كل الاسس الحضارية الاخرى التي جاء بها الوحي، علينا أن نعتمدها اليوم خلال مواجهتنا التحديات الراهنة.

علينا أن نتحدّى اليوم الظروف الصعبة، ليس فقط بمواجهتها، وإنما بترسيخ قيمنا الرسالية الأساس، لكي نتقدّم إلى الأفضل ويكون مستقبل شعبنا وبلادنا و الأمة جمعاء، إلى الأفضل وإلى الوحدة الحقيقية بين القلوب، والعمل المشترك الحقيقي، لكي نتجاوز هذه المحن والازمات، ونجعل منها معراجاً للتقدم الحضاري. فنحن - مثلاً- يجب أن نـُفعـّل قطاع الصناعة، ومنها التصنيع العسكري، لإيجاد ما يمكن من بدائل وحلول للنواقص والضعف في المجال العسكري وفي الامكانات، فليس من المعقول والمقبول أن يبقى بلدنا محتاجاً ومعتمداً على الخارج حتى لشراء الرصاصة الواحدة، وايضاً أبسط المتطلبات للجانب العسكري والامني. انه وضع لا يجب ان يستمر.

ان الشعب العراقي، كما يؤكد الكثير من المؤرّخين، كان أول شعب في التاريخ أسس الحضارات و اخترع الكتابة والقانون و أسس الصناعات المختلفة، وحتى في العصر الحديث فإن ابناء العراق كانوا سباقين ولايزالون يبدعون في جامعاتهم، ومنهم الكثير يستفاد من خبراتهم و إبداعهم في بلدان العالم، لكن ليس في العراق للأسف الشديد. نحن نعيش في بلد حضاراته التاريخية مثال للتقدم والابداع  في الصناعة والزراعة وفي التصنيع العسكري. فأين اليوم صناعتنا العسكرية؟ ولماذا نحن شعب وبلد نستورد ليس السلاح والرصاصة فقط، بل نستورد الماء والخضار؟! فأين الخلل وما هي المشكلة ؟

قلت مرةً بعد أخرى، ونكرر اليوم؛ إننا وكما يفكر ويعمل غيرنا، علينا كشعب وعلى الدولة العراقية، وبما لدينا من خبراء وطاقات، أن يجتهدوا في إعادة صناعاتنا العسكرية، وبأفضل مما كانت في السابق، لكي نصنع ونوفر محلياً ما يمكننا توفيره وصناعته وطنياً، فنحن نواجه ولا نزال، مشاكل وتحديات توجب اليقظة الدائمة والاستعداد لها، فلا يمكننا أن ننام على حرير ونعتمد على الخارج في كل صغيرة وكبيرة. لذا فإعادة تفعيل صناعتنا العسكرية امر مهم ويدخل اساسا في اهمية وضرورة التفكير في جانب الاعداد والاستعداد لمواجهة المخاطر والتحديات العسكرية، وهذا الاستعداد وامتلاك القوة، من شأنه توفير جانب الوقاية وردع العدو والعدوان، ويمنع وقوع الحرب، حيث يقول تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (سورة الانفال/60)، فمن الطبيعي أن العدو وكل طامع يطمع بنا حين نكون متفرقين وضعفاء ولا نملك السلاح والاستعداد الكافي.

اننا وبفضل الله وهمة هذا الشعب، فإننا ومع كل الظروف الصعبة والمشاكل التي تواجهنا، نرى أن شباب الحشد الشعبي والمقاومة والقوات المسلحة والقوات الامنية، يضربون أروع الأمثلة في الدفاع عن بلدهم وفي التضحية و العطاء و الفداء من أجل الدين والقيم، لذا ندعو الدولة، وندعو  كل الشرفاء، وكل المؤمنين الى ضرورة أن نحتضن ابناء الحشد الشعبي، هؤلاء الذين وضعوا أرواحهم على أكفّهم، وهم الآن في الخنادق يدافعون عن الوطن وعن قيم الدين والحرمات، وعن مستقبل هذا البلد والشعب، فعلينا جميعاً احترامهم ودعمهم، وايضاً دعم واحترام وتفقد ذويهم. نحن نقدر ونشكر أولئك التجار والميسورين الذين يذهبون بأنفسهم الى الجبهات ويقدمون الدعم والتبرعات للحشد الشعبي، بيد أننا نرجو ونأمل من جميع اخوتنا التجار تقديم مزيد من الامكانات و الدعم لأبنائهم الذين يواجهون ويتصدون للإرهاب، فهم يحتاجون للكثير، وعلى الشعب كله ان يقف معهم، لأنها معركة مصيرية، كما يجب على الدولة التي قامت بدور جيد، أن تقوم بالمزيد ايضا وتقدّم الأسلحة المناسبة للمجاهدين، وأن تقدم ضمانات لمستقبل هؤلاء الإخوة وعوائلهم الكريمة، كما تولي اهتماماً بأمر التدريب والاستعداد وبناء منشآت التصنيع العسكري، وبكل ما يدخل ضمن نطاق إعداد القوة.

على أبناء العراق ان يتعلموا كيفية العمل الجدي والمدروس لكي يحصنوا بلدهم من أمثال هذه الغزوات الهمجية من "داعش" و أمثالها، ويأخذوا العبر والدروس مما جرى. والبلد الذي يواجه العدوان والمخاطر يجب على كل مواطن فيه أن يتدرّب على السلاح، ويدافع عن بلده ومستقبله، وهذا لا يختص بالجيش والحشد الشعبي فقط، بل بكل مواطن قادر على تحمل هذه المسؤولية. كما اننا يجب أن نتخذ من جبهات المواجهة مع الارهاب في الوقت الحاضر، مدارس لتخريج القيادات المستقبلية، فمن النتائج الايجابية والدروس التي يجب أن نستقيها من الحروب المفروضة علينا أننا غداً حين يريد أحدٌ ما الوصول للبرلمان ومجالس المحافظات و أي منصب ومسؤولية، على الناس معرفة مقدار ومدى دفاعه عن بلده وتصديه للإرهاب، و دعمه للحشد الشعبي والقوات العسكرية.

أوصي إخواني في الحشد الشعبي و القيادات في الأجهزة الرسمية من الجيش والشرطة وغيرها، أن يضعوا الى جانب التدريب على السلاح برامج دينية وتربوية و روحية متقدّمة في كل المعسكرات و حتى في الجبهات، إن أمكن لأنها يجب أن تخرّج لنا كوادر وقيادات المستقبل. كما ان من النتائج الأساسية لهذه المعارك والمواجهات مع العدو تثبيت الايمان وتمحيص القلوب وتزكية النفوس وتطهيرها من شوائب الشك والهوى والنفاق والحسد والحمية وسائر الذنوب و الصفات السيئة.

نأمل أن نرى في شعبنا  نموذجاً موفقاً يتخذ من هذه المشاكل والتحديات الاقتصادية كهبوط قيمة البترول والتحديات العسكرية والامنية، كهجوم الدواعش وأمثالها والتحديات السياسية مثل عدم وضوح الرؤية في طريقة إدارة البلاد، وغيرها، وسيلةً للتقييم والبناء والاستعداد وللتكامل والنهوض والتقدم  بالتوكّل على الله والثقة به والعمل والتفكير الايجابي فيما هو الأفضل.

ارسل لصديق