المرأة والتعليم الجامعي واختبار التوفيق بين العلم والاخلاق
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2015/04/01
القراءات: 530

لا شك بأن الدين كفل تحقيق استحقاقات المرأة- وكما الرجل-  وكذلك مكتسباتها لقوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ)،(سورة النساء -32)، وعلى كافة الميادين والصعد المشروعة والمتاحة امامها، إلا ان كيانها الانثوي الذي يتسم بالضعف الجسدي والانفعال النفسي يحثها ويدعوها الى مراعاة ضوابط الانثى السوية في معترك الحياة، لا سيما في مجال الرقي العلمي والثقافي في مدارج التعليم والنمو المعرفي.

ان عزم المرأة على دخول بوابات طلب العلم اكاديمياً، وفي احتكاك مع الرجل، خاصة في حقل الدراسات والدراسات العليا، يضطرها الى تخليص وتشذيب التدرج المعرفي من ملوثات الهوى وكافة عقبات ما يفسد طلب العلم، لكي يكون طلبها للعلم لأجل العلم، وهذا لا يتأتى إلا بتكريس قواعد الاخلاق الحميدة، كبنى تحتية لحركة المرأة في زحمة التدافع الأكاديمي، ولكي تضمن لنفسها الرقي العلمي والاخلاقي معاً.

* لعلم قاعدة الأخلاق الحميدة

ان إلقاء نظرت الى النصوص الدينية في منابع ثقافتنا الاسلامية، يتأكد لنا اهمية الترابط الحاصل بين العلم والاخلاق، بل العلم له الدور الكبير في تكريس قواعد الاخلاق الكريمة، حتى قال بعض أهل العلم: «ان العلم يساوي الاخلاق»، ولا غرابة ان نرى ان اكثر الاميين والجهلة يكونون أقرب الى منحدر الضلالة والخطيئة، أما العلماء الواعون فيكونون على بصيرة من أمرهم ويبتعدون عن الرذائل من موقع الوضوح في الرؤية؛ وقد ورد في القرآن الكريم هذا المعنى في بيان الهدف من البعثة: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، (سورة الجمعة -2)، حيث ان النجاة من الضلال المبين، والطهارة من الاخلاق الرذيلة والذنوب، تأتي بعد تلاوة الكتاب المجيد وتعليم الكتاب والحكمة. (1)

وهناك شواهد عديدة من الآيات القرآنية حول علاقة العلم والمعرفة بالفضائل الاخلاقية، وكذلك علاقة الجهل بالرذائل الاخلاقية، ونشير هنا الى بعضها:

1-      الجهل مصدر للفساد والانحراف.

 نقرأ في الآية (55) من سورة النمل:(أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ )، فقرن تعالى، الجهل بالانحراف الجنسي والفساد الاخلاقي.

2-      الجهل سبب الانفلات والتحلل الجنسي.

ورد في الآية (33) من سورة يوسف على لسان يوسف، عليه السلام، في ان الجهل قرين للتحلل الجنسي، فقال تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ ).

3-      الجهل من عوامل الحسد.

ورد في الآية (89) من سورة يوسف، عليه السلام، انه عندما جلس يوسف، عليه السلام، على عرش مصر وتحدث مع إخوانه الذين جاءوا من كنعان الى مصر، لاستلام الحنطة منه، قال: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ)، أي إن جهلكم هو السبب في وقوعكم في أسر الحسد، الذي دفعكم الى تعذيبه والسعي لقتله وإلقائه في البئر.

4-      الجهل مصدر التعصب والعناد واللؤم.

في الآية (26) من سورة الفتح، نرى ان تعصب مشركي قريش في الجاهلية. كان بسبب جهلهم وضلالهم: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ).

5-      علاقة الجهل بالذرائع.

تأريخ الانبياء مليء بمظاهر التبرير وخلق الذرائع من قبل الاقوام السالفة  في مواجهة أنبيائهم، وقد أشار القرآن الكريم مراراً الى هذه الظاهرة، ومرة اخرى يشير الى علاقة الجهل بها، فنقرأ في الآية (118) من سورة البقرة: ( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) فالتأكيد هنا على ان عدم العلم والجهل هو الذي يتولى خلق الارضية للتذرع، وتبين الآية الكريمة العلاقة الوثيقة بين هذا الانحراف الاخلاقي مع الجهل، ولما اثبتته التجارب ايضاً.

6-      علاقة سوء الظن مع الجهل.

ورد في الآية (154) من (سورة آل عمران) الكلام عن مقاتلي أحد: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)، ولا شك في ان سوء الظن، هو من المفاسد الاخلاقية، ومصدر لكثير من الرذائل الفردية والاجتماعية في حركة الواقع والحياة، وهذه الآية تبين علاقة الظن بالجهل بصورة واضحة.

7-      الجهل مصدر لسوء الأدب.

ورد في الآية (4) من (سورة الحجرات)، إشارة للذين لا يحترمون مقام النبوة، وقال إنهم قومٌ لا يعقلون: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)، فقد كانوا يزاحمون الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، في أوقات الراحة وفي بيوت أزواجه، وينادونه بأعلى أصواتهم قائلين: “يا محمد! أخرِجْ إلينا...” فكان الرسول محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، ينزعج كثيراً من سوء أدبهم وقلة حيائهم، ولكن حياؤه يمنعه من البوح لهم، وبقي كذلك يتعامل معهم من موقع الحياء، حتى نزلت الآية ونبّهتهم لضرورة التأدّب أمام رسول الله، وشرحت لهم كيف يتعاملون معه، من موقع الأدب والاحترام، وفي تعبير،(أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) إشارة لطيفة للسبب الكامن وراء سوء تعاملهم، وقلة أدبهم، وجسارتهم، وهو في الغالب عبارة عن هبوط المستوى العلمي والوعي الثقافي لذي الافراد.

8-      أصحاب النار لا يفقهون.

لا شك أنَّ أصحاب النار هم أصحاب الرذائل، والملوّثون بألوانِ القبائح، وقد نوَّه إليهم القرآن الكريم، وعرَّفهم بالجهّال، وعدم التفقه، ويتضح منه العلاقة بين الجهل وارتكاب القبائح، فنقرأ في الآية (179) من سورة الاعراف:(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ)، فقد بيّنت هذه الآية وآيات كثيرة أخرى، العلاقة الوطيدة بين الجهل، وبين أعمال السوء وارتكاب الرذائل.

9-      الصبر من معطيات العلم.

الآية (65) من سورة الانفال تنبّه المسلمين على أنَّ الصبر الذي يقوم على أساس الإيمان والمعرفة بإمكانه أن يمنح المسلمين قوّة للوقوف بوجه الكفّار، الذين يفوقون المسلمين عدداً وعدة، تقول الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ).

10-  النفاق والفرقة ينشآن من الجهل.

 أشار القرآن الكريم في الآية (14) من سورة الحشر إلى يهود بني النضير، الذين عجزوا عن مقاومة المسلمين، لأنهم كانوا متفرقين ومختلفين، رغم أن ظاهرهم يحكي الوحدة والاتفاق، فقال:(لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)، وبناءً على ذلك فإنَّ النفاق والفرقة وغيرها من الرذائل الأخلاقية الناشئة من جهلهم وعدم اطلاعهم على حقائق الامور.

وعلى صعيد الاحاديث الشريفة نرى أن اكثرها مشحونة بالعبارات الحكيمة التي تبين العلاقة الوثيقة بين العلم والمعرفة من جهة وبين الفضائل الاخلاقية من جهة اخرى، وهنا نشير إلى بعض منها:

1- يقول الرسول الاكرم محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، بالعلم يطاع الله ويُعبد وبالعلم يُعرَف الله ويوحّد وبه توصَلُ الأرحام ويُعرف الحلال من الحرام والعلم إمام العمل. (2)

2- يقول الامام علي، عليه السلام: الجاهل صخرة لا ينفجر ماؤها وشجرة لا يخضرُّ عودها وأرض لا يطهرُ عُشبها.(3)

3- وعن الامام الهادي، عليه السلام: “الجاهل أسر لسانه”.(4)

4- وقال أمير المؤمنين،C: “الحرصُ والشرهُ والبخل نتيجة الجهل”.(5)

5- كما قال علي، عليه السلام: “وانه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظّم”.(6)

خطوات على الطريق

مما تقدّم، ينبغي القول إن المرأة المؤمنة مدعوّة لتسلق مدارج العلم والمعرفة في مراكز ومعاهد العلم المختلفة، لكن مع مراعاة أمور:

* العلم له مكانته السامقة والرفيعة شريطة أن يكون مدعاة للوقوف بوجه الفساد والانحراف والتحلل الاخلاقي، واذا تغلغل التحلل - لا قدر الله- في العلاقات الأكاديمية - كما قد يحصل في حفلات التخرج في الجامعات والاكاديميات مع الاسف- فهذا يعني لابد أن نودع شرف العلم ومكانته وأهدافه النبيلة.

*  العلم مدعاة لنبذ الحسد والتعصب والفساد بين اخوة واخوات التعليم والتعلّم، فلا يتحول الحرم الجامعي إلى بؤرة لتهميش الآخر وإلغاء دوره التكاملي في تطوير قدرات العلم ومكانته تحت أي ذريعة كانت.

فالرجل ليس من حقه تحقير دور المرأة ونتاجها وابداعها بدافع انها “انثى” ولا المرأة تندفع “متعالية” ومزهوّة ببحوثها التي قد تفوق ما يقدمه اخوتها الرجال في مباحث ومختبرات العلم المتعددة.

*  ان سوء الادب هو نتاج الجهل، فاحترام الاستاذ وزميل العلم – سواء كان رجلاً ام امرأة – وتوقير مكانته يضفي روحاً من السمو الروحي والانساني على شخصية ا لطرفين، وهذا ينعكس ايجاباً على مستقبل ابناء الوطن ومرافقه الحيوية.

ان تكريم طالب العلم لزميلته طالبة العلم، وبالعكس، وتحديد العلاقات وتأطيرها بأطار التعاون والتكامل المعرفي والحذر من الوقوع في فخ الابتذال بكافة صنوفه في الملبس والحديث والمشي، لا سيما داخل قاعات الدرس والاقسام الداخلية ومبيت الطلبة والطالبات، كفيل بتألق المستوى  الدراسي واعتماد المسؤولين المعنيين على مكانة تلك الجامعات وطلابها.

*  إن التواجد في أجواء الحرم الجامعي، يُعد فرصة مناسبة للتواصل الاجتماعي الطيب في طريق اعانة وإغاثة الملهوفين من طلاب العلم ومساعدة العوائل الفقيرة، وكذلك تنمية قدرات الوعي الاجتماعي والحركي والسياسي بهدف التفكير بمستقبل البلد وازاحة ثقافة الاستبداد والتخلف والتحلل من مواقع أصحاب القرار، وخريجو الجامعات اخوة واخوات، هم المرشحون الاوائل في تحقيق هذه الأهداف المرجوّة.

*  وكما يقول الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم: “بالعلم يطاع الله ويُعبد وبالعلم يُعرف الله ويوحّد”. فلابد من بذل الجهد الكبير على طريق تحويل الحرم الجامعي إلى محطة إيمانية في طريق المعارف الالهية عبر فتح قنوات الحوار مع الحرم الحوزوي، والسعي إلى إعادة النظر في مناهج الأكاديميات التي سعى الغرب دوماً إلى «علمنة” علومها وإبعاد القيم الالهية عن مناهجها الدراسية، وذلك من خلال الحوار مع أعمدة وأساتذة الجامعات وإقامة الندوات التخصصية في هذا الصدد.

الهوامش:

1/ شبكة المعارف الاسلامية/ دور العلم والمعرفة في الاخلاق.

2/ تحف العقول/ الحراني/ ص21.

3/ نهج البلاغة/ الكلمات القصار.

4/ بحار الانوار/ ج75/ ص368.

5/ غرر الحكم.

6/ نهج البلاغة/ الخطبة 147.


ارسل لصديق