إمرأة اليوم والبحث عن القدوة الناجحة
كتبه: زهراء محمد علي
حرر في: 2015/04/02
القراءات: 1336

كما الرجال الطامحين والناجحين، تبحث المرأة ايضاً عن القدوة الناجحة التي تساعدها على تحقيق طموحاتها في الحياة. وكلما اتسعت مساحة الحضور النسوي في المجتمع وفي الحياة بشكل عام، كلما كانت الحاجة ماسّة الى القدوة والنموذج الذي يكون بمنزلة المرآة التي تجد الفتاة الجامعية والمرأة المربية في البيت والموظفة، شخصيتها وامكانياتها ثم دورها في الحياة.

 

* أي دور...؟ وأية قدوة...؟

من يريد ان يصبح كاتباً مصقعاً او خطيباً مفوهاً او عالماً نحريراً او فناناً آسراً للقلوب ومؤثراً في النفوس، سيتوجه الى من سبقه في هذا الاختصاص وحقق النجاحات الكبيرة، علّه يخطو في طريق النجاح هذا، وربما يكون افضل وأرقى. بمعنى أن القضية، تبدو طبيعية وفطرية لا لبس فيها، فلا يعقل ان يمضي انسان عاقل في مسيرة طلب العلم او كسب مهارة معينة، خلف فاشل أو تحوم حول حياته التساؤلات والغموض. لان هذا يعني انه يعصب عينيه بيديه ويتجه نحو طريق مجهول.   

وبما أن العلماء والمفكرين الاسلاميين أكدوا حقيقة انسانية، بأن العمل الذي يناسب المرأة هو ذاك الذي ينسجم مع طبيعتها التكوينية والنفسية، فان القدوة الناجحة التي تبحث عنها المرأة، لابد وأن يتطابق مع الدور الحقيقي لها في الحياة، وقد أكد العلماء والمفكرون أن هذا الدور، هو الدور التربوي والأسري، بأن تكون المرأة، المربية لأبنائها وتكون الساعد الأيمن لزوجها، فيكون محور عملها ونشاطها، البيت، فمنه يتخرج على يديها الابطال والعلماء والمصلحون، كما ينطلق من جوارها الناجحون، كما قيل "وراء كل عظيم امرأة".

الى جانب هذه الرؤية، ثمة رؤية لشريحة من النساء بأن هنالك أدواراً أخرى يمكن ان يبدعن فيها ويشاركن من خلالها في تطوير المجتمع وتقدم الامة، ويقدمن اكبر الخدمات والاعمال المفيدة. وإذن؛ فهنّ يبحثن – في ضوء ذلك- عن القدوة والنموذج الذي يفيدهن في مسيرتهن العلمية او الفنية او غيرها. فالطالبة الجامعية – مثلاً- تبحث عن الشخصية العلمية المتألقة التي يمكن ان ترى نفسها فيها، فربما يكون هذا الشخص فيلسوفاً يعود الى غابر الزمان، مثل العهد الاغريقي كافلاطون – مثلاً- او ربما شخصية فكرية او علمية أو ادبية من الغرب مثل العالم الالماني انشتاين او الاديب الروسي تولستوي او غيرهم من الشخصيات، وايضاً من الشخصيات المعاصرة. وإغلب الظن، ان القصد من وراء هذا الاقتداء الذي تحرص عليه شريحة واسعة من الطلبة الجامعيين – من بنات وبنين على حدٍ سواء- هو البحث عن عنصر الحيوية والعملية في هذه الشخصيات، وان يكون بامكانهم التمثّل بشخصياتهم، كون هؤلاء العلماء والادباء والمفكرين كانوا مثلهم يوماً، طلبة على مقاعد الدراسة وأناساً عاديين.

 

* لماذا فاطمة، عليها السلام؟

عندما نؤكد على أن الصديقة الزهراء، عليها السلام، هي المثل الأعلى والنموذج الأكمل للمرأة الناجحة، فهو يعني ان النجاح هذا، يشمل كل جوانب حياة المرأة، ويتضمن كل تفاصيل شخصيتها وكيانها وتفكيرها.

بينما هناك من يدعو الى ان تتحرر المرأة في أمر اختيار القدوة والنموذج الذي تراه مناسباً، كما حَظيت بالتساوي في نعمة العلم مع الرجل، من خلال الحديث النبوي الشريف: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، وهي في ذلك تقصد الحصول على نموذج يفيدها في مسيرتها العلمية، لسبب بسيط، كون هذه المسيرة تمثل اليوم الجانب الاكبر من حياة الفتيات والنساء في العراق وفي عديد من البلاد الاسلامية، وبعد هذا لا يهمّ ما يحصل في البيت وفي الشارع، وخلال العلاقات الاجتماعية.

فهل تتمكن امرأة اليوم من وجود هكذا قدوة ونموذج خاص لجانب معين من حياتها، - مثلاً- لطلب العلم او لتنمية مواهب فنية او حتى في حياتها الوظيفية ومهام الإدارة في مؤسسات الدولة، بما يضمن لها النجاح في حياتها بشكل عام؟

الصديقة الزهراء، عليها السلام، وهي فرع من شجرة النبوة، تحمل في شخصيتها السمات النبوية والرسالية، فهي الكاملة والناجحة في كل شيء، في التربية والعلاقات الزوجية، وايضاً في المجتمع والدولة، بمعنى انها اذا كانت رائدة في الاخلاق والانسانية مع اطفالها ومع زوجها، وايضاً مع افراد المجتع، بدءاً من الجيران القريبين وحتى البعيدين، فانها كانت الرائدة ايضاً في صنع الحدث في الواقع الاجتماعي والسياسي آنذاك.

فهي ذلك النموذج المضيء الذي خلّده القرآن الكريم في "سورة الانسان" تكريماً لموقفها الانساني العظيم باستغنائها عن الطعام ولمدة ثلاثة ايام من اجل عدم رد فقير وأسير ومسكين خائباً من بابها. كما هي في الوقت نفسه نموذج حيّ، بل و"خارطة طريق" لبناء اجتماعي مرصوص.

كانت ذات ليلة من ليالي العبادة في جوف الليل تصلي وتدعو حتى الصباح، وتذكر في دعائها حتى الصباح، وتدعو لجيرانها، وللفقراء والمؤمنين، وعندما يهلّ الصباح يسألها ابنها الامام الحسن، عليه السلام قائلاً: أماه! أراك قـد دعـوت لكلّ الناس، ولكنّك لم تذكرينـا في دعائـك؟! فتقـول: "يا بنيّ؛ الجار ثم الدار".

هذا من ناحية تكاملية الصفات الانسانية والاخلاقية – ولو بشكل مختصر- أما من الناحية العملية، يجب ان نتذكر دائماً ان التأثر بأي شخصية كانت، ولأي جانب من جوانب الحياة، لن يفضي الى تحقيق "المِثل" بكسر الميم، فهذه من المستحيلات ومن غير المعقول ولا المنطقي ابداً، فكل انسان يبقى كما هو، بتكوينه الجسمي والذهني والعقلي، تبقى القدرات والامكانيات قابلة للتغيير. وهل يمكن ان يتكرر انشتاين في انسان آخر – مثلاً- او فيكتور هوغو، أو غيرهما؟ من الممكن تحقيق "المَثل" بفتح الميم، وهذا ما بينه لنا القرآن الكريم أول مرة، عندما نفى امكانية "المِثلية" في أقوى مثال حول التوحيد (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، (سورة الشورى /11). وأكد "المَثلية" في غير آية حول قضايا عديدة، أهمها ما يتعلق بالمرأة: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ...). (سورة التحريم /11)

إذن؛ فان المكانة الرفيعة والمقدسة للزهراء، عليها السلام، في اذهان النساء وحتى الرجال، لا يعني بأي حال من الاحوال، انها بعيدة عن حياتنا وسلوكنا، وانه من العبث محاولة الاقتداء بها.

واذا تمعنّا في سيرة حياة هذه السيدة الجليلة، نجد أنها كانت كسائر النسوة في المدينة آنذاك، تطبخ وتغزل وتدير الرحى وتربي الاولاد وتحسن معاشرة زوجها، وغير ذلك، ولها من المشاعر والرغبات ما لسائر النساء، فهي تحب وتكره، وليس فيها من ظاهر غير البشرية والانسانية، فهي لم تكن من جنس الملائكة – مثلاً- بيد أن الفارق في ما تحمله من روح كبيرة وقلب مفعم بالايمان والاخلاق، وعليه كانت تَحظى بالكم الهائل من الوصايا النبوية بحقها، وهو ما نلاحظه من التأكيدات المتكررة من النبي الأكرم، على منزلة ابنته الزهراء، نفهم اننا امام مثل أعلى في كل شيء بالحياة لا ينحصر بمكان و زمان.

 فقد جسدت هذه المرأة العظيمة، الوحي بكلّ ابعاده؛ "فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن غاظها فقد غاظني ومن سرها فقد سرني"، وجاء ايضاً عنه، صلى الله عليه وآله: "ان الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها". ومثل هذه الاحاديث وغيرها تدل دلالة واضحة على ان هذه المرأة كانت تطبق الاسلام، وتجسّد تعاليم الرب في كلّ خطواتها وافعالها.

ان رسول الله، صلى الله عليه وآله، الذي جعله الله تعالى مربّياً للأمة الاسلامية، قد صبّ اهتمامه على هذه الشخصية العظيمة، وصاغ بيده الكريمة واشرافه المباشر هذه الشخصية الفذة ليجعلها قدوة للنساء. فقال: "...ابنتي فاطمة، وانها سيدة نساء العالمين. فقيل: يا رسول الله هي سيدة نساء عالمها؟ فقال: ذاك لمريم بنت عمران، فأما ابنتي فاطمة فهي سيدة نساء العالمين من الاولين والآخرين".

وهل كان النبي الأكرم، يتوقع من نساء العالم، منذ ذلك الوقت وحتى الآن، والى يوم القيامة، أن يكنّ "مِثل" ابنته الزهراء، عليها السلام؟ فهذا أمير المؤمنين، عليه السلام، يوضح لنا آلية الاقتداء والاستفادة من الشخصية العظيمة، عندما قال في حديث معروف: "...ألا وانكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد". وهذا مصداق معنى "المَثل" بفتح الميم، الذي تتوقعه السيدة الزهراء، من كل امرأة تريد السعادة الحقيقية في حياتها. وهو تحديداً ما تريده الزهراء، عليها السلام، للفتاة الطامحة نحو  العلم والمعرفة، والى المشاركة في بناء وتقدم بلدها.


ارسل لصديق