المرأة بين (التحرر) والكرامة
كتبه: مرتضى محمد
حرر في: 2015/04/02
القراءات: 731

حينما تضع قطعة من الحلوى بغير غطاء في زاوية، لم تلبث طويلاً إلا وتجد الذباب مجتمعاً حولها، كلٌ يحاول أن يأخذ منها مأربه، ولن تكون صالحة للاستهلاك البشري ومصيرها لا محالة الى القمامة!

هكذا هو حال كل شيء ثمين في هذه الحياة، فلا يمكنك ان تضع قطعة من الذهب او النقود على قارعة الطريق، أليس المال السائب عرضة للسرقة؟!

لنرجع الى الوراء قليلاً لنرى صورتين متباينتين، الأولى تدعو الى تحلل المرأة من كل شيء، والأخرى تدعو الى تكريمها، فما التي انتهت إليها كل من الصورتين:

* دعاة "الحرية" بين الزيف والحقيقة

الصورة الأولى: وأعني بهم دعاة حرية المرأة وتحررها، وهم الذين وظفوا جميع وسائل الاتصال الحديثة في سبيل ذلك، وصاروا يقرعون آذاننا بشعاراتهم البرّاقة وتحت مسمّيات جذابة، ويؤسسون لذلك منظمات الدفاع عن حقوق المرأة وحريتها، وكل ذلك الضجيج ليخفوا خلفها مصالح مادية ضخمة، وهذا ما نجده بالدرجة الاولى في الدعايات والاستعراضات، كما نجده في سوق العمل المجحف بالنسبة للمرأة، هذا الى جانب الاستغلال الجنسي البشع.

فكانت النتيجة أن تكون المرأة خادمة في المطاعم بدل ان تخدم أسرتها بكل اعتزاز وفخر، وصارت تنظف الشوارع بعد ان ذهب جمالها الذي باعته في قارعة الطريق، وصارت نسب الطلاق ترتفع الى 51% في الولايات المتحدة الأمريكية، لأن الرجال لم يعودوا يرغبون بالبقاء مع المرأة التي قد ذهب حُسنها، فهي ليست إلا سلعة تستعمل عند الحاجة، أو في الموضات والإعلانات التجارية.

فالحرية التي رسموها للمرأة، كانت في حقيقتها رصاصة لقتل شخصيتها الحقيقية ومسخها لتكون ألعوبة بيد الرجال، وأن تكون سلعة رخيصة بعد أن أكرمتها الديانات الإلهية وجعل الله تبارك وتعالى الجنّة تحت اقدامها.

لقد عزّ على دعاة التحرر أن يروا المرأة المسلمة محصنة بالحجاب، عصيّة الطلب، بعيدة المنال. فأغروها بالسفور والتبرج، ليستزلوها من علياء برجها وخدرها. وقد كانت بعض الاستجابات لتلك الدعوة الماكرة و راحت البعض منهنّ تُنظي حجابها وتبرز جمالها ومفاتنها، تستهوي العيون والقلوب، دونما تحرج او استحياء.

وما خدعت المرأة المسلمة وغرر بها في تاريخها المديد بمثل ذلك الخُداع والتدليس، متجاهلة عما يترصدها من جراء ذلك من الأخطار والمزالق.

وحسب المسلمين عبرةً ما أصاب الأمم الغربية من ويلات السفور والتبرج، واختلاط الجنسين، ما جعلها في وضع سيئ وحالة مزرية، من التسيب الخلقي. وغدت تعاني ألوان المآسي الأخلاقية والصحية والاجتماعية.

لقد أحدث التبرج والاختلاط في الأوساط الغربية مضاعفات اخلاقية خطيرة، تثير الفزع والتقزز. فأصبحوا لا يستنكرون الرذائل الجنسية، ولا يستحيون من آثامها ومعائبها. وراح الوباء الخلقي يجتاحهم ويفتك بهم فتكاً ذريعاً.

فقد نشرت أحدى المجلات الغربية مقالاً كتب فيه: "لم يعد من الغريب اليوم وجود العلاقات الجنسية بين الأقارب في النسب، كالأب والبنت، والأخ والأخت"!

ومما يخمنه القاضي الامريكي "لندسي": "أن خمساً وأربعين في المائة من فتيات المدارس يدنسن أعراضهن قبل خروجهن منها، وترتفع هذه النسبة كثيراً في مراحل التعليم التالية".

ويقول الدكتور راديت هوكو، في كتابه "القوانين الجنسية": "انه ليس من الغريب الشاذ حتى في الطبقات المثقفة المترفة، ان بنات سبع أو ثماني سنين منهم، يخادن لداتهن من الصبية، وربما تلوثن معهم بالفاحشة".

ولم تقف الفوضى الخلقية عند هذا الدرك السافل، فقد تفاقمت حتى أصبحت العلاقات الجنسية الطبيعية، لا تشبع نهمهم، فراحوا يتمرغون في مقاذر الشذوذ الجنسي وانحرافاته النكراء، وأصبح دعاة تحرير المرأة يدعون لحريتها في الزواج من مثيلتها وكذا في الرجال.

والآن فلنسأل الببغاوات من دعاة التحرر والتبرج، أهذا الذي ينشدونه لأنفسهم وأمتهم؟ أم إنهم لا يفقهون ما ينادون به ويدعون اليه؟

ان كل داعية الى التبرج والاختلاط هو بلا ريب، مِعول هدّام، في كيان المجتمع، ورائد شر ودعارة لأمته وبلاده.

يقول تعالى: .(إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، واللّه يعلم وانتم لا تعلمون).

ولم يقتصر الأمر على الأضرار الاجتماعية فحسب بل كان من الطبيعي لأمة شاع فيها الفساد، وتلاشت فيها قيم الدين والأخلاق، أن تعاني نتائج شذوذها وتفسخها، فتنهار صحتها كما انهارت أخلاقها من قبل. وهذا ما حدث فعلاً؛ حيث استهدفتها الأمراض، وكبدتها خسائر فادحة في الأرواح والأموال. وجاءت تقارير اطباء الغرب معلنة أبعاد تلك الأمراض ومآسيها الخطيرة في أرقى تلك الأمم وأكثرها تشدقاً بالحضارة والمدنية.

* الصورة الثانية: الإسلام يكرم الأنثى

وهي الصورة التي يريد الكثير أن يشوهها كذباً وزوراً وهي في حقيقتها ليست إلا دعوة الإسلام الى إكرام المرأة؛ ولن تكون المرأة كريمة إلا إذا كانت مصونة، لا يجوز للرجال أن ينظروا اليها بريبة، ولا يحق لأحد أن يلمسها، بل ولا يخلو بها حيث شاء، بل وأكثر من ذلك فإنها محترمة الى درجة أن الذي يقذفها بالفاحشة يدفع الثمن غالياً، فيصبح فاسقاً في المجمتع بعد أن يجلد أمام الملأ ولا تقبل له شهادة أبداً!

وإذا ما نظرنا الى تعاليم الدين بهذه النظرة، سنجد أن الحجاب ـ على سبيل المثال ـ ليس كما يصوره المتحللون، تخلفاً ورجعية، وانما هو حشمة وحصانة، يصون المرأة من الابتذال والاسفاف، ويقيها تلصص الغواة والداعرين، ويجنبها مزالق الفتن والشرور.

وهذا ما جعل البعض من دعاة الحضارة أن ينادي بالعودة إلى تعاليم السماء للتخلص من نكبات إذلال المرأة في المجتمعات، لتكون أماً تربي الأجيال بكل فخر، وتكون الجنة تحت اقدامها بما تقوم من دور عظيم لبناء الأجيال الواعدة، وكذلك أجبر الرجل أن يتكفل بكل إحتياجاتها بما هو معروف في المجتمع، لكي لا تدفعها الحاجة الى العمل خارج دائرة بيتها.

وباختصار، فإن الشريعة الإسلامية حين أمرت المرأة المسلمة بالحجاب ونهتها عن التبرج والاختلاط المريب، فإنها كانت الأحرص على كرامتها وصيانتها من دوافع الاساءة والتغرير، ووقاية للمجتمع الاسلامي من المآسي والارزاء.

ومن هنا فإن على المرأة اليوم أن تميّز بعقلها ما المصير الذي تريده لنفسها، وكما يقول الحديث الشريف: "إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته"، لا ان تجتذبها الشعارات البراقة لتخرجها من دائرة الكرامة لتساويها مع الرجال فيما لم يجعل الله – تعالى- لها ذلك، فتحطم شخصيتها لتعيش كالرجال في المجتمع، وتقوم بما يقومون، فربنا سبحانه ـ وهو خالق الأنثى ـ لم يأمرها بما أمرها اعتباطاً، بل جعل ذلك حصناً لها وأماناً، والله سبحانه يبين هذه الحقيقة في أن الأمر بالحجاب ـ مثلاً ـ كي لا تؤذى النساء فيقول:.(ذلك أدنى ان يعرفن، فلا يؤذين).

* الحجاب حصن أم زينة؟

مما ينبغي التنبيه له أيضاً أن الحجاب ليس تغطية الرأس فحسب، بل للحجاب غاية ينبغي أن تُنال، فالأساس في الحجاب أن يمنع النظرة المحرمة التي قال عنها الإمام الصادق عليه السلام: "النظرة سهم من سهام ابليس مسموم، وكم نظرة أورثت حسرة طويلة".

من هنا؛ حينما رأى دعاة التحلل الخلقي أن كل محاولات الإفساد ونزع الحجاب من المجتمعات الإسلامية باءت بالفشل، سارعوا الى صناعة الحجاب المزيف، والذي لم يكن هو الآخر حجاباً شرعياً، إلا ان قبوله في المجتمعات الإسلامية كان أسهل، ومع الأسف الشديد انتشر مثل ذلك في مجتمعاتنا كالنار في الهشيم، ثم صار الناهي عن ذلك يجابه بأشد العبارات، مثل قول البعض: "أن الدين سمح" وغيرها من العبارات، بالرغم من أن: "هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق"، كما في الحديث الشريف.

فكما لا يجوز لنا توسيع دائرة الحرام في الإسلام، كذلك لا يجوز التخفيف من الدين بما تشتهيه النفس، وهذه كتب الفقه قد أتعب الفقهاء انفسهم في كتابتها، تنادي أن الحجاب ينبغي ان لا يعد زينة في نفسه، وأن شعرة واحدة من المرأة ينبغي أن لا يراها الأجنبي، و أن العلاقة بين الفتاة والفتى ينبغي ان تحدها الحدود الشرعية الواضحة، وأن اتخاذ الأخدان من المحرمات، وأن الحجاب ينبغي أن لا يظهر مفاتن المرأة، وغيرها من التعاليم التي أعطت القيمة ـ كما أسلفنا ـ لهذه الفتاة في مجتمعها فأي شذوذ عن ذلك، يُعد خروجاً عن الجادة، بما يضر بمصلحتها في الدنيا ويعرضها للمساءلة يوم القيامة.


ارسل لصديق