التواصي وتقويم حركة المجتمع
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2015/04/05
القراءات: 1040

في اطار الحديث عن الركائز الاساسية التي يحتاجها المجتمع المؤمن، تحدثنا في الاعداد الماضية، عن قيم التعاون والتشاور والاحسان، وبقيت قيمة رابعة أجّلنا الحديث عنها الى هذا العدد، وتلك هي قيمة “التواصي».

ولبيان مدى اهمية هذه القيمة لابد أن نتعرف أولاً على معناها ومن ثم فائدة التواصي في المجتمع، فما معنى التواصي؟

معنى التواصي

التواصي على وزن تفاعل، يعني الوصية المتقابلة والمتبادلة بين الطرفين، وذلك مثل التعاون، الذي يعني «الاعانة والاستعانة» في ذات الوقت، قال في المصباح المنير:«(تَوَاصَى‏) الْقَوْمُ أَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضا"،(1) وهكذا نفهم معنىً تفاعلياً لهذه القيمة في المجتمع المؤمن من خلال مدلولها اللفظي، حيث لا تقتصر هذه القيمة على فئة دون أخرى او جماعة دون غيرهم، بل يشترك فيها الصغير والكبير والعالم والجاهل.

أهمية التواصي

يعيش كل فردٍ من ابناء المجتمع حياةً ملؤها المنعطفات المختلفة التي تضغط عليه وتؤثر في نفسه تأثيراً شديداً، قد يؤدي به الى التحول من النشاط الى الكسل، او الجهاد الى القعود، بل وحتى قد تضطره للتنازل عن قيمه ومعتقداته في بعض الاحيان.

وحينها يكون هذا الفرد مفتقراً الى ركن يرجع اليه ويعتمد عليه ليعينه في تجاوز الازمات، من الناحيتين المادية والنفسية "الروحية". كما ان صعوبة تطبيق بعض الاحكام الشرعية يحول دون تطبيقها من قبل بعض المكلفين الذين لا يملكون الايمان الكافي لتطبيق الأوامر الالهية.

وفي كلتا الحالتين يبرز دور التواصي في المجتمع المؤمن، حيث يكون التواصي معيناً على من ابتلي بأزمات شديدة في تجاوزها عبر تشجيعه وتحفيزه، او يقوم بتشجيعه على اداء الحق واطاعة أوامر الرب، من خلال بيان اهمية الطاعة لله سبحانه، وآثار الطاعة وفي المقابل النتائج الوخيمة للعصيان.

وبكلمة: يكون المجتمع - من خلال قيمة التواصي- بمثابة مرآة صافية يستطيع المرء ان يرى فيها مكامن ضعفه ونقاط خلله، و كذلك يكون محفزاً قويّاً لاصلاحها وتقويمها.

التواصي في كتاب الله

في أكثر من آية اكد القرآن الكريم على دور التواصي في تشكيل صبغة المجتمع، فقد تلعب هذه الاداة دوراً مدمراً للمجتمع اذا كان همه التواصي على السوء والانحراف، كأن يدعو بعضهم بعضاً على تكذيب آيات الله، او يشجع بعضهم بعضاً على إتيان المعاصي، كما هو الحال في الكثير من المجتمعات اليوم حيث يتم التسويق للمعصية من خلال وسائل الاعلام، والتشجيع على الانحراف وتزيينه للناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي هذا المجال، قال الله سبحانه: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ *أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)(سورة الذاريات/ 52-53)

وفي المقابل يمكن لهذه الأداة "التواصي" ان تصبح قيمة سامية ليرتقي من خلالها الانسان على مستويي الفرد والمجتمع، حتى قرن القرآن الكريم هذه القيمة بالإيمان بالله سبحانه والعمل الصالح .

وقد ركّزت الآيات على التواصي بقيم معينة، ولكن لا يعني ذلك كفايتها والغفلة عن التواصي في سائر المجالات، بل يدل على أهمية هذه القيم التي أكد القرآن على التواصي بها وهي :

أولاً: التواصي بالحق

قال الله سبحانه:(إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).(سورة العصر/3).

معرفة الحق والالتزام به امران شديدان على الانسان، لصعوبة الأول في الايجاد، والثاني في التطبيق، خصوصاً اذا ما تعارض الحق مع هوى النفس والمصالح الشخصية للفرد، او هوى الاهل والجماعة والحزب. ومن اجل ذلك يحتاج المؤمن الى من يدله على الحق ويوضحه له بتمييزه عن الباطل وضلالاته، ثم يحتاج الى من يشجعه على التطبيق له، وعدم التهاون به، وكلما كثر من يوصي المؤمن كان الالتزام بالحق ايسر واسهل، والعكس صحيح ايضاً، فلو وجد الرجل نفسه وحيداً في ساحة المواجهة مع النفس والشيطان، فسيخسر المواجهة لخور العزيمة وضعف الارادة.

والموصي بدوره ليس معصوماً كاملاً، فهو -أيضاً- بحاجة الى من يدعمه ويقف معه ويشجعه ويوصيه اذا ما واجه الموقف نفسه.

يقول المرجع المدرسي - دام ظله- حول هذه القيمة: "إن الكبير يوصي الصغير، والصغير بدوره يوصي الكبير، والعالم يوصي الجاهل، والجاهل أيضا يوصي العالم .. وهذا المبدأ يتسع لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يتسع لواجب الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالاته، وإرشاد الجاهل .. ويتسع للمزيد. ذلك أن التواصي: ومضة روح، وإشراقة أمل، وعتاب لطيف. إنه يصنع جوا إيمانيا يساعدك على ممارسة واجباتك. إنه يوجه حس التوافق الاجتماعي في الاتجاه الصحيح". (2)

ثانياً: التواصي بالحق

مرّ في الآية السابقة ذكر التواصي بالحق والتواصي بالصبر، كما ذكرت قيمة التواصي بالصبر في آية أخرى من سورة البلد، قال تعالى: (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ)،(سورة البلد/17) فيا ترى لماذا التواصي بالصبر، حيث قُرن بالايمان في الآيتين؟

ذلك لأن الصبر من الايمان، بمنزلة الرأس من الجسد، وحيث ان الايمان بالله والالتزام بالحق، صعب مستصعب، كان الانسان بحاجة الى صبر عظيم على الحق والايمان والالتزام به، وهنا يبرز دور المجتمع في أن يوصي بعضهم بعضاً بالصبر، سواء كان صبراً على العبادة (الطاعة) كالتواصي على صيام الصيف او القتال في سوح الجهاد في سبيل الله وغير ذلك، او كان صبراً عن المعصية، حيث يوصي المؤمن اخاه بترك المعاصي بل وحتى المكروهات لينال بذلك الخير الكثير، او كان صبراً في المصائب والشدائد عبر تسلية المؤمن اخاه لتجاوز الأزمات والمحن.

ثالثاً: التواصي بالمرحمة

قال الله سبحانه: (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ)(سورة البلد/17)

المرحمة : الرّقة والتعطف،(3) وبذلك تعطي نفس معنى الرحمة.

والتواصي بالمرحمة يشكل فصلاً هاماً من فصول بناء المجتمع المؤمن، ذلك لأن المؤمن يحب الخير للناس جميعاً، فيرق قلبه للفقراء والطبقات المحرومة، فيعمل من اجل إسعادهم والارتقاء بمستواهم المعيشي، وهو يعطف على الجاهل فيحلم عنه ويحاول تعليمه ما استطاع الى ذلك سبيلاً.

فمن المرحمة، فك الرقبة، والاطعام في سبيل الله في أيام الحاجة والقحط، والاخذ بيد الأيتام والمساكين ودمجهم بالمجتمع لكيلا تكون بينه وبينهم فوارق مادية وطبقية، كل ذلك من أعمال المؤمن وسلوكياته.

وبالرغم من أهمية المرحمة، الا ان التواصي به أهم بكثير، ذلك لأن المؤمن قد يستطيع كفالة يتيم او يتيمين ولكن بالتواصي بكفالة الايتام تكفل ايتام المجتمع كله، وقد لا يمكن المؤمن البسيط بناء مسجد، ولكنه قادرٌ على التشجيع على بناء المساجد فتبنى بكلمته الطيبة وتواصيه عشرات المساجد.

إن اشاعة ثقافة المرحمة اهم من المرحمة ذاتها، لأن الثقافة لا تعرف حدوداً معينة، فاذا ما انتشرت في المجتمع، تحول المجتمع الى مجتمع متراحمٍ وفاعل.

كيفية التواصي؟

قيمة "التواصي" مطلوبة وثابتة، الا ان ادوات التواصي متغيرة وليست محددة، فقد كانت وسيلة التواصي في يوم ما، مقتصرة على المشافهة المباشرة بين المؤمن وأخيه، ولكن اليوم بالامكان إضافة الى تلك الوسيلة، الاستفادة من كل وسائل الاعلام والنشر والتثقيف الموجودة، من وسائل اعلام مرئية او مسموعة او مقروءة، او شبكات التواصل الاجتماعي، او غيرها .. فالمهم القيمة ذاتها، اما الأدوات فقابلة للتطوّر او التغيّر.

--------------------------

(1) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: ج2، ص 622

(2) من هدى القرآن: ج12 ،ص 340

(3) لسان العرب: ج12، ص 230


ارسل لصديق